الرنين الأخير …

سليمة مليزي

 

في صباحٍ صيفيّ، كانت المدينةُ هادئةً. خرج أشرفُ من البيتِ يحملُ حقيبةً صغيرةً، وقلبًا أكبرَ من البحرِ الذي كان يحلمُ أن يراهُ مع أصدقائهِ ، كانوا قد خططوا للرحلةِ منذ أسابيع… ليلةٌ على الشاطئ، وضحكاتٌ حول النار، وأغان يسرقُها الموجُ قبل أن تصلَ إلى السماء. وقفت أمه عند البابِ تعدّلُ ياقةَ قميصِه كعادتها، وكأنهُ ما زال طفلَها الصغير.

​قالت وهي تخفي قلقَها بابتسامة:

​انتبه لنفسك يا ولدي، ولا تنسَ أن تطمئنني عندما تصل.

​ضحك وهو يقبّل رأسها:

​لا تقلقي يا أمي، أول ما أصل إلى البحر، ستكونين أول من أتصلُ به.

​أغلق الباب، ولم تكن تعلم أن الباب الذي أغلقهُ بيدهِ، سيُفتح بعد ساعاتٍ على وجعٍ لن يُغلق أبدًا.

​كان الطريقُ مريحًا، وكانت جبالُ بومرداس الخضراء، بدوالي العنب الممتدةِ على سفوحها، تمنح الرحلةَ سحرًا خاصًّا. كان الجو الصيفيُّ يوحي بالفرح والنزهة، وكانت رائحةُ البحر تلوحُ في الأفق، بينما يتبادل الشبابُ الضحكاتِ، ويتنافسون في اختيار الأغاني، ويلتقطون الصور

​قال أحدهم:

​ستكون هذه أجملَ رحلةٍ في حياتنا.

​فمازحهُ آخر:

​لا تنسَ أن تلتقط لنا صورةً عند شروق الشمس، وهي تستحمى في قلب البحر

​كانت الحياةُ تركضُ في ممرات الحافلة، بينما كان القدرُ يسيرُ في الاتجاه الآخر بصمت.

​وفي لحظةٍ واحدة، تبدّل كلُّ شيء.

صرخةٌ شقّت الطريق، ثم صوتٌ هائل، أعقبهُ صمتٌ ثقيل.

​تناثرت الحقائبُ، وامتزج صريرُ الحديد بأنينِ الجرحى، وتبعثرت الأحلامُ كما تبعثرت شظايا الزجاجِ فوق الأسفلت، صار الألمُ يضاهي جراحَ هذا الوطن، وانتشرت رائحةُ الدّم في الفضاء… تحولت سماءُ بومرداس الزرقاءُ إلى غيمةٍ حزنٍ وحسرة، وإلى سؤالٍ كبير يرتفعُ نحو السماء:

يا الله… ماذا يحدثُ لهذا الوطن الجريح؟

​وسط ذلك المشهد الموجع، استلقى هاتفٌ على الأرض، شاشتُه متشققة، لكنه ظل يقاوم.

وفجأةً، اهتزّ من جديد، وأضاءت شاشته المكان الذي يعج بالصراخ:

«أمي»

​امتدت صورةُ الهاتف وسط الألم كي تبحثُ عن صاحبها. كان الرنينُ يعلو بين الصراخ والضجيج، وكأنهُ يستغيث، مرةً، ثم ثانيةً، ثم مراتٍ عديدة دون رد…!؟

وفي كل مرة، كانت كلمة «أمي» تضيءُ الشاشة، بينما غاب صاحبُ الهاتف إلى مكانٍ لا تصلُ إليه المكالمات، ولا يُسمَعُ فيه رنينُهُ

​في البيت، كانت الأمّ تنظرُ إلى الساعة وتقول في نفسها:

​ربما وصلوا الآن، لعلهم مشغولون بإنزال الأمتعة، أو بالاستمتاع بزرقة البحر.

​وضعت إبريق الشاي على النار، وأعدّت له ما خلى التي كان يحبها وكانّها تستعجل عودته، ثم ابتسمت وهي تضغطُ على زر الاتصال مرةً أخرى ، لم تكن تريد شيئًا، كانت تريد فقط أن تسمع صوته يقول:

​وصلنا يا أمي، لا تقلقي.

​لكن الرنين ظلّ يضيعُ في الفراغ، وكان إحساسٌ رهيبٌ يتسللُ إلى قلبها.

​وضعت وشاحًا على رأسها وقالت:

​يجب أن أسأل جارتي فاطمة، لعل ابنها أتصل بها وأخبرها أنهم وصلوا.

​همّت بالخروج، وكانت خطواتها ثقيلةً، وقلبُها مقبوضٌ، كأن شيئًا ما قد حدث.

طرقت الباب، فلم يجبها أحد. طرقت مرةً أخرى، فناداها شابٌّ من خلفها:

​أمي ليست في البيت يا خالتي، لقد ذهبت للتسوّق.

​استدارت، فإذا به ابنُ جارتها. سألته بلهفة:

​وهل من أخبارٍ عن الأولاد؟

​أجابها محاولًا طمأنتها:

​لا تقلقي يا خالتي وريدة، إنهم يستمتعون بالبحر. عندما يتصل أخي رفيق سأخبرك.

​عادت إلى البيت، وشيءٌ ما في صدرها يقول إن أمرًا محزنًا يقترب منها.

جلست قرب الهاتف، تحدّق فيه، ثم رفعت يديها نحو السماء وهمست:

​يا رب، احفظهم بعينك التي لا تنام، وأعد إليّ ابني سالمًا.

​لم يكد دعاؤها ينتهي حتى راحت الأخبار تتوالى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ صورةٌ لحافلةٍ محطمة، وأخبارٌ متضاربة، وأسماءُ أماكن تعرفُها، وعباراتٌ عاجلة لا يملكُ القلبُ القدرةَ على قراءتها.

​سقط الخبرُ على رأسها كالصاعقة.

توقفت أنفاسُها، وارتجفت يدُها، وسقط الهاتفُ من بين أصابعها.

​حاولت أن تنهض، فلم تحملها قدماها. أعادت فتحَ الصورة، قرّبتها من عينيها، ثم أخذت تبحثُ بين الحطام عن حقيبته، عن قميصه، عن أي شيءٍ يدل عليه.

كانت ترددُ بصوتٍ مرتجف:

​ليس هو، ليس ابني، لقد وعدني أن يتصل بي!

​أطلقت صرخةً مزّقت سكونَ البيت، ثم اندفعت إلى الشارع، لا تعرف إلى أين تمضي. كانت تنادي باسم ابنها، بينما راحت عيناها تبحثان عنه في وجوه المارة.

​على أبواب البيوت، بدأ الجيرانُ يخرجون على عجل؛ نساءٌ يضعن أيديهن على رؤوسهن، ورجالٌ يتبادلون نظراتٍ قلقة، وهواتفُ لا تتوقفُ عن الرنين.

​لم يعد الخبرُ يخص بيتًا واحدًا.

كلُّ بيتٍ كان ينتظرُ اتصالًا، وكلُّ أمٍّ كانت تخشى أن تسمعَ الاسمَ الذي يكسرُ قلبَها.

​وسط ذلك الوجع، بقي هاتفُ ابنها يرنُّ في مكانٍ ما…!

وبقيت هي تركضُ بين الوجوه، ترددُ بصوتٍ مخنوق:

​قولوا لي إنه بخير، فقط قولوا لي إنه بخير!

القصةُ من وحي حادث الحافلة الذي وقع في بومرداس(

قد يعجبك ايضا