عودة بريطانيا إلى منطقة…

مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – لندن

لطالما ارتبط اسم بريطانيا بالمقولة الشهيرة: “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، في إشارة إلى اتساع نفوذها العالمي خلال ذروة الإمبراطورية البريطانية، عندما كانت تمتلك مستعمرات ومناطق نفوذ تمتد عبر قارات العالم. ورغم انتهاء ذلك العصر، فإن المملكة المتحدة ما زالت تحتفظ بمكانة سياسية وعسكرية واستخباراتية مؤثرة على الساحة الدولية.
تلعب بريطانيا دورًا مهمًا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك واحدة من أكثر المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية تطورًا في العالم، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وبالتنسيق مع الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، ما زالت لندن تؤثر في العديد من الملفات الدولية، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وخلال الحرب الروسية الأوكرانية، كانت المملكة المتحدة من أوائل الدول التي قدمت دعمًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا لأوكرانيا، وساهمت في تدريب القوات الأوكرانية وتزويدها بأنظمة تسليح متطورة. إلا أن صمود أوكرانيا لا يُنسب إلى بريطانيا وحدها، بل جاء نتيجة الدعم الجماعي الذي وفرته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى حليفة.
أما في الشرق الأوسط، فلا تزال بريطانيا تنظر إلى المنطقة باعتبارها ذات أهمية استراتيجية، سواء لأسباب تتعلق بأمن الطاقة أو طرق التجارة الدولية أو الأمن الإقليمي. ورغم أن وجودها العسكري المباشر أصبح أقل مما كان عليه في العقود الماضية، فإنها ما زالت تحتفظ بقواعد عسكرية وعلاقات أمنية ودفاعية مع عدد من دول المنطقة، إضافة إلى استمرار نشاطها الدبلوماسي والاستخباراتي.
ويرى بعض المراقبين أن لندن تسعى في السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضورها الدولي، خصوصًا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، عبر سياسة خارجية أكثر نشاطًا وانتشارًا بحريًا وعسكريًا في مناطق مختلفة من العالم. كما أن زيادة تحركات البحرية الملكية البريطانية والمشاركة في التحالفات الدولية تعكس رغبة في تأكيد دورها كقوة عالمية.
وفيما يتعلق بإيران، لا توجد حتى الآن أدلة معلنة على وجود قرار بريطاني أو دولي لإسقاط النظام الإيراني عسكريًا. ومع ذلك، فإن تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار العقوبات، وتعزيز الوجود العسكري الغربي في بعض المناطق، يدفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن المنطقة قد تشهد تحولات استراتيجية إذا استمرت الأزمات الحالية في التصاعد.
إن تاريخ بريطانيا يؤكد أنها لم تغادر المشهد الدولي، بل أعادت في كثير من الأحيان صياغة أدوات نفوذها بما يتناسب مع المتغيرات العالمية. واليوم، ومع تزايد الأزمات الدولية، يبدو أن لندن تسعى إلى ترسيخ مكانتها كأحد أبرز اللاعبين في صياغة التوازنات السياسية والأمنية، سواء داخل أوروبا أو في الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد بالفعل عودة بريطانية أكثر حضورًا إلى الشرق الأوسط، أم أن ما يجري هو استمرار لدور تقليدي بأدوات وأساليب جديدة؟ هذا ما ستكشفه تطورات السنوات المقبلة.

قد يعجبك ايضا
∧