مدارس في كوردستان العراق تعيد إحياء اللغة السريانية

صفاء الكبيسي

لم تعد اللغة السريانية في إقليم كوردستان العراق تقتصر على الصلوات الكنسية أو الأحاديث العائلية داخل البيوت، إذ تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لغة للتدريس في المدارس، في تجربة ينظر إليها أبناء المكون المسيحي بوصفها خطوة لحماية إحدى أقدم اللغات الحية في العالم من التراجع والاندثار.

ويشهد التعليم باللغة السريانية توسعاً ملحوظاً في إقليم كوردستان، إذ يدرس مئات الطلبة في 48 مدرسة تُدرّس السريانية، منها 32 في محافظة دهوك و16 في أربيل. وتعتمد 24 مدرسة السريانية لغةً رئيسية لتدريس معظم المناهج، فيما تقتصر المدارس الأخرى على تدريس مواد الأدب والقواعد والتربية الدينية بها. ويرى مختصون أن هذا التوسع يعكس انتقال اللغة من نطاق الحفاظ عليها داخل المؤسسات الدينية إلى ترسيخ حضورها في النظام التعليمي.

ومع ذلك، لا تزال التجربة تواجه تحديات عدة، أبرزها صعوبة افتتاح مدارس جديدة في بعض المناطق، ولا سيما محافظة السليمانية، نتيجة تشتت العائلات المسيحية وعدم تمركزها في مناطق سكنية متقاربة، وهو ما يحدّ من إمكانية إنشاء مدارس تستوعب أعداداً كافية من الطلبة.

واكد الناشط المدني عن المكون المسيحي، متى بولص، أن تجربة التعليم السرياني، رغم حداثتها، نجحت في إعادة إحياء لغة كادت تندثر بعدما انحصر استخدامها في الطقوس الدينية. ويوضح أن “التجربة لها دور فعال في إعادة اللغة إلى الحياة اليومية للعائلات المسيحية“.

وأضاف أن افتتاح المدارس التي تعتمد السريانية لغةً للتدريس أسهم في نشوء جيل جديد يمتلك مهارات القراءة والكتابة والتحدث بها، مشيراً إلى أن أثر التجربة لم يقتصر على الجانب التعليمي، بل امتد إلى المجال الثقافي مع اتساع استخدام اللغة في الأنشطة والفعاليات التي يشهدها الإقليم. واعتبر أن هذه التجربة تمثل “نموذجاً مهماً لحماية التنوع الثقافي في العراق، وأن ما تحقق في دهوك وأربيل يستحق أن يمتد ليشمل مناطق أخرى من البلاد، ليعزز شعور المسيحيين بالانتماء والمساواة في وطنهم العراق“.

وانعكست هذه التحولات على المجتمع المسيحي في الإقليم، إذ بات يضم جيلين يختلفان في علاقتهما باللغة السريانية؛ الأول لم تتح له فرصة تعلمها في المدارس، لذلك لا يجيد القراءة والكتابة بها، فيما نشأ الثاني على دراستها منذ مرحلة رياض الأطفال، الأمر الذي عزز ارتباطه بلغته الأم ورسخ صلته بتراثه الثقافي.

ورأى مختصون في شؤون اللغات والتراث، أن إدخال السريانية إلى المؤسسات التعليمية يمثل إحدى أهم وسائل الحفاظ عليها، لأن اللغات المهددة لا يمكن أن تستمر بالاعتماد على الاستخدام الديني فقط، بل تحتاج إلى مدارس وجامعات ومناهج ومعلمين ومؤسسات ثقافية تضمن انتقالها بين الأجيال.

وقال الباحث في شؤون التراث واللغات القديمة، يوسف يونان، إن “التعليم النظامي منح السريانية فرصة جديدة للاستمرار، بعدما كانت محصورة في نطاق ضيق”، موضحاً لـ”العربي الجديد”، أن “الطفل الذي يدرس بلغته الأم يصبح أكثر ارتباطاً بهويته الثقافية، ويكتسب القدرة على إنتاج المعرفة والكتابة والبحث بهذه اللغة، بدلاً من الاكتفاء بسماعها في المناسبات الدينية“.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن “مستقبل السريانية لا يرتبط بالمدارس وحدها، بل يتطلب استمرار دعم المؤسسات الثقافية والإعلامية، وإعداد معلمين جدد، وتشجيع الأسر على استخدام اللغة داخل المنزل، حتى لا تبقى لغة الصفوف الدراسية فقط“.

الطالب المسيحي، آراس يوحنا، الذي يتلقى تعليمه في إحدى المدارس السريانية في دهوك، أكد أن تعلم السريانية لم يكم مجرد مادة دراسية، بل “أعاد إليه الارتباط بالهوية الثقافية”، مبيناً أنه “في السابق كان الكثير من أبناء جيلي يسمعون السريانية في الكنيسة فقط، أما اليوم فنحن نقرأ ونكتب وندرس فيها”. وأضاف أن ذلك “منحنا شعوراً بأن لغتنا ليست جزءاً من الماضي فقط، بل هي لغة حية قادرة على الاستمرار والتطور مع الأجيال القادمة“.  

التجربة رآها أبناء المكون المسيحي أنها لا تقتصر على تعليم لغة قديمة، بل تمثل حفاظاً على ذاكرة ثقافية وهوية تاريخية تمتد لقرون، وتجسد محاولة لإبقاء واحدة من أعرق لغات المنطقة حية في حياة الأجيال الجديدة.

قد يعجبك ايضا