الباحث القانوني : رنج باراوي
في منعطف حساس يمر به الشرق الأوسط عامة، وتتسم به المعادلات السياسية بين العراق وسوريا خاصة بالتسارع المستمر، لم يكن زيارة رئيس إقليم كوردستان العراق، السيد (نێچیرڤان بارزانی)، رسمياً إلى دمشق تلبيةً لدعوة رئيس الجمهورية العربية السورية، السيد (أحمد الشرع)، مجرد حدث بروتوكولي عابر؛ بل يمثل هندسة جيوستراتيجية جديدة بين فضاءين جغرافيين يزخران بالمصالح والروابط التاريخية، وهو ما يستدعي تأملاً عميقاً في مسار العلاقات المستقبلية بين الإقليم ودمشق وبغداد.
منذ انهيار نظام بشار الأسد، تعامل إقليم كوردستان العراق مع الواقع السوري الجديد وحكومة السيد (أحمد الشرع) بوعي سياسي واستراتيجي عالٍ، مستنداً إلى مبادئ “الواقعية السياسية”، وحسن الجوار، وصون المصالح المشتركة. وعلى عكس العديد من الأطراف التي أصيبت بالذهول إزاء التحولات المتسارعة في دمشق، أدرك الإقليم بحنكته المعهودة وるؤيته المتوازنة مبكراً أن استقرار سوريا هو الركيزة الأساسية لحفظ أمن المنطقة، لاسيما وأن الطرفين بحاجة ماسة إلى تنسيق أمني واقتصادي وثيق لرأب الصدوع ومنع انبعاث التنظيمات الإرهابية، في وقت تواجه فيه القوى الكوردية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مرحلة مفصلية لحسم ملفاتهما العسكرية والإدارية.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهرى حول مآلات معالجة الإشكالات الإدارية والعسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة دمشق: هل تراهن دمشق اليوم على الإقليم كشريك فاعل لضمان وحدة الأراضي السورية، أم ما زالت تنظر إليه بريبة وحذر؟ والحقيقة، أن الرئيس الشرع قد تيقن، عقب التفاهمات الأولية بين دمشق ومكونات الجزيرة السورية، أن الاستقرار طويل الأمد في سوريا يظل متعذراً بمعزل عن الدمج الحقيقي للمكونات وقبول التعددية. وقد نجح الدور الوسيط والفاعل لإقليم كوردستان في تقريب وجهات النظر، مقنعاً دمشق بأن المكون الكوردي في سوريا ليس خطراً داهماً، بل هو ركن مكين لحفظ كيان الدولة ومنع تشرذمها.
وما يضفي دلالة استراتيجية على توقيت الدعوة الموجهة من الرئيس الشرع، لا سيما في أعقاب الانتخابات البرلمانية السورية، ورغم التجاذبات السياسية لدمشق مع بغداد والأزمات المالية والإدارية للإقليم مع الحكومة الاتحادية، هو رغبة دمشق في بعث رسالة واضحة مفادها أن سوريا الجديدة منفتحة على جيرانها الحكماء وذوي الخبرة. وعليه، فإن إقليم كوردستان، بصفته كياناً دستورياً ناجحاً، قادر على تقديم نموذج عملي يرسل إشارة جلية لبغداد بأن عجز السلطة الاتحادية عن التعاطي بندية ودستورية مع الإقليم يمنح الأخير ثقلاً دبلوماسياً مستقلاً لإعادة صياغة المعادلات الإقليمية.
أما على الصعيد البروتوكولي والدبلوماسي الدولي، فإن رفع علم كوردستان بحجم بارز إلى جانب العلم الرسمي السوري في قصر المهاجرين بدمشق يشكل خطوة رمزية بالغة الأهمية؛ إذ تمثل اعترافاً معنوياً بكيان الإقليم والمكانة السياسية للسيد الرئيس نێچیرڤان بارزانی. وتكتسب هذه الزيارة، التي تتزامن مع الذكرى السنوية لإبادة الإزيديين، أبعاداً إضافية قد تمهد لآلية رقابة ومساءلة غير مباشرة لحماية حقوق الأقليات. ورغم ما يطفو على السطح من هواجس لدى الإطار التنسيقي في العراق، إلا أن المنظور الاستراتيجي يفرض التسليم بأنهم عاجزون عن الطعن في زيارة تضبط إيقاع أمن الحدود ومصير المنطقة.
وعلى المستويين الدستوري والدولي، تضمن هذه الزيارة تحصين الحدود ومعالجة الملفات العالقة؛ فبالرغم من أن إدارة السياسة الخارجية تقع ضمن صلاحيات السلطة الاتحادية، إلا أن الدستور العراقي قد كفل للإقليم حقوقه في إدارة علاقاته الثقافية والاقتصادية وشؤونه الحدودية. وتجسد هذه الخطوة دبلوماسية دستورية وعملية لدرء أي توترات محتملة وراء الحدود العراقية. وينبثق عن ذلك طعماً مشروعاً لفتح قنصلية سورية في إقليم كوردستان استناداً إلى المصالح المشتركة وحجم التبادل الاقتصادي والأمني. وعلى الرغم من غياب تمثيل دبلوماسي رسمي للحكومة الإقليمية في دمشق حالياً، فإن هذه الزيارة التاريخية تمثل حجر الأساس والبداية الفعلية لفتح باب التمثيل والتبادل الدبلوماسي الرسمي بين الجانبين.
وحين نمعن النظر في تداعيات هذه التجربة على الشارع الكوردي في سوريا وتخوفات إحداث عقدة سياسية للدولة السورية، نجد الإجابة واضحة في فلسفة الدبلوماسية التي يتبناها الرئيس نێچیرڤان بارزانی؛ فقد طالما كان إقليم كوردستان صانعاً للاستقرار ورافعةً لحل الأزمات في أتون الدول الوطنية. وإن تقديم نموذج الإقليم لدمشق كصيغة إدارية وفيدرالية يمثل الترياق الناجع لمعالجة القضية الكوردية في سوريا بما يكفل صون الحقوق واستدامة وحدة التراب السوري.
وختاماً، يمكن القول إن مقاربة الملفات الحدودية بمعزل عن ممثل الحكومة الاتحادية في هذه الزيارة تنبع من حقيقة ميدانية مفادها أن ضبط الحدود والملفات الأمنية يُدار عملياً عبر إقليم كوردستان لامتلاكه الخبرة والكفاءة اللوجستية الفائقة. ولا يُعد غياب ممثل مباشر لبغداد تنصلاً منها، بل هو إقرار واقعي بقدرة أربيل على لعب دور الجسر الإداري والفاعل في المساحات التي تعجز مراكز القرار في بغداد عن معالجتها بالسرعة الكافية. وهي رسالة عميقة مضمونها أن مفاتيح السلام والاستقرار المستدامة تُنتزع دائماً بالحوار البناء والبراعة السياسية. وأتوقع أن تضطلع حكومة الشرع إقليمياً بدور الغطاء الدبلوماسي المتبادل للإقليم وأن تتحول إلى فضاء اقتصادي مشترك للحكومتين، يبقى التساؤل الجوهري معلقاً: ما حجم الفيتو الذي سيضعه الإطار التنسيقي الشيعي في العراق على مخرجات هذه الزيارة؟