احمد كوران
ليست كوردستان مجرد جغرافيا محددة بجبال ووديان وأنهار. كوردستان فكرة، وتجربة، وحلم.
هي الأرض التي تعلمت من قسوة التاريخ أن *الاختلاف نعمة وليس نقمة .
في أربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة وكركوك وكل قرية كوردية، نجد فسيفساء بشرية نادرة: كورد وعرب وتركمان وسريان وكلدان وأرمن وإيزيديون.
مسلمون ومسيحيون وإيزيديون.
لهجات كوردية متعددة، وتقاليد متنوعة، لكن يجمعها شيء واحد: حب الأرض .
من هنا جاءت قناعتنا الراسخة: التنوع يزيدنا جمالًا، والتآخي يجعلنا أقوى. معًا نحو مستقبل يجمع جميع الكورد .
أولاً: التنوع… لوحة كوردستان الحضارية*
1. تنوع قومي وديني : كوردستان كانت وما زالت بيتاً آمناً. عندما ضاقت الأرض بغيرهم، وجد العربي والتركماني والمسيحي والإيزيدي ملاذاً في جبالها. لم يُسأل أحد عن قوميته قبل أن تُفتح له المدرسة والمستشفى.
2. تنوع ثقافي ولغوي : من بهديني إلى سوراني إلى كرمانجي. من الدبكة إلى المقام إلى الموسيقى الكلاسيكية. من مطبخ دهوك إلى أكلات السليمانية. هذا الغنى هو ما يجعل هويتنا عميقة وغير قابلة للاختزال.
3. تنوع تاريخي : قلاع آشورية، وأديرة مسيحية عمرها آلاف السنين، ومقامات صوفية، ومعابد إيزيدية. كل حجر في كوردستان يحكي قصة شعب مر من هنا ولم يُمحَ.
هذا التنوع لم يضعفنا. بالعكس، هو مصدر قوتنا الناعمة. هو الذي جعل العالم ينظر إلى كوردستان كنموذج للتعايش في منطقة مضطربة.
ثانياً: التآخي… درع الصمود وسلاح البناء
لو كان التنوع هو الجمال، فإن التآخي هو العمود الفقري .
مرت على شعبنا محن كبرى: حملات الأنفال، القصف الكيميائي، التهجير، وحرب داعش. وفي كل مرة كان السؤال: ما الذي أبقانا واقفين؟
الجواب: التآخي.
1. تآخي في الميدان : البيشمركة من زاخو إلى خانقين وقفوا في خندق واحد. لا يسأل الجندي عن انتماء رفيقه، بل عن موقعه في المعركة.
2. تآخي في الأزمة : عند نزوح مليون عراقي وسوري إلى الإقليم، فتحت البيوت قبل المخيمات. تقاسم الناس الخبز والماء.
3. تآخي سياسي : رغم اختلاف الرؤى، بقيت قناعة أن الخلاف يُحل في قاعة البرلمان، لا في الشارع. وأن سقف الوطن أعلى من سقف الحزب.
التآخي لا يعني تجاهل الخلاف. بل يعني الاتفاق على قواعد اللعبة: كوردستان أولاً .
ثالثاً: دروس من الماضي… لن نبني المستقبل على النسيان
لا يمكن الحديث عن المستقبل دون الوقوف عند الجروح.
*الأنفال، حلبجة، المقابر الجماعية … كانت محاولات لمسح شعب بأكمله لأنه مختلف.
ولذلك فإن أهم درس تعلمناه: من يقبل بظلم مكون واحد اليوم، سيُظلم غداً.
ذاكرتنا ليست للانتقام. ذاكرتنا للوفاء ولضمان عدم التكرار .
الوفاء لدماء الشهداء من كل القوميات الذين سقوا هذه الأرض.
وضمان أن تبقى كوردستان مشروع دولة مواطنة لا دولة حزب أو قومية واحدة.
رابعاً: معًا نحو مستقبل يجمع جميع الكورد
أي مستقبل نريد لكوردستان في 2030 وما بعد؟
نريد مستقبلاً له 4 أعمدة:
1. وحدة الصف الكوردي
خلافاتنا السياسية طبيعية في أي ديمقراطية. لكن يجب أن تبقى داخل إطار البيت الكوردي . مصيرنا واحد. وتحدياتنا الخارجية واحدة. فلا قوة لنا إلا متحدين.
2. كوردستان لكل أبنائها
الكوردي في دهوك شريك للتركماني في كركوك، وللمسيحي في عنكاوا، وللإيزيدي في سنجار. حقوقهم الدستورية مصانة، ولغاتهم محترمة، وتمثيلهم في الحكومة والبرلمان حقي.
3. دولة مؤسسات واقتصاد متنوع
ننتقل من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المعرفة والزراعة والسياحة والصناعة. وظيفة تُعطى بالكفاءة لا بالواسطة. وقانون يُطبق على الجميع.
4. انفتاح على العالم مع الحفاظ على الهوية
كوردستان جسر بين الشرق والغرب. نتعلم من العالم ونصدر للعالم ثقافتنا. لكن دون أن نذوب. نحافظ على الزي الكوردي، واللغة، وعيد نوروز، وعلى قيمنا في الكرم والضيافة.
الخاتمة: العهد
في كوردستان التنوع يزيدنا جمالًا لأنه يذكرنا أننا لسنا نسخة واحدة. نحن مكتبة كاملة.
والتآخي يجعلنا أقوى لأنه يذكرنا أن الجبل لا يسقط بحجر واحد، بل يسقط إذا تصدع من الداخل.
المستقبل ليس هدية. المستقبل مشروع. ومشروعنا هو: كوردستان ديمقراطية، مزدهرة، آمنة، تجمع جميع الكورد وجميع من يعيش على أرضها .
فلنجدد العهد اليوم.
يد بيد.
صوت واحد.
قلب واحد.
كوردستان واحدة.