زهير كاظم عبود… سيرة العدالة والمعرفة

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليس من السهل أن يجمع الإنسان بين صرامة القاضي، وهدوء الباحث، وجرأة الكاتب، وحساسية المثقف. فلكل حقل لغته وأدواته ومنهجه، غير أن القاضي والباحث زهير كاظم عبود استطاع، على امتداد مسيرة تجاوزت نصف قرن، أن يجمع هذه العوالم في مشروع معرفي واحد، قوامه الإيمان بالعدالة، واحترام الإنسان، والبحث الدائم عن الحقيقة.
ولد زهير كاظم عبود في مدينة الديوانية عام 1946، في بيئة عراقية بسيطة غرست فيه قيم الاجتهاد والاعتماد على النفس. ولم تكن رحلته العلمية سهلة، إذ واجه ظروفًا معيشية صعبة، لكنه آمن منذ وقت مبكر بأن العلم هو الطريق الأسمى لتحقيق الذات وخدمة المجتمع. فالتحق بكلية القانون والسياسة في جامعة بغداد، وتخرج فيها، ثم واصل مسيرته المهنية معاونًا قضائيًا ومحققاً عدلياً ومحامياً، قبل أن يلتحق بالمعهد القضائي العراقي، ويتخرج فيه عام 1985، ليبدأ مرحلة جديدة في سلك القضاء.
ومنذ أن اعتلى منصة القضاء، لم ينظر إلى القانون بوصفه نصوصاً جامدة، بل باعتباره منظومة أخلاقية وإنسانية غايتها صيانة الحقوق وإقامة العدل. لذلك عرف بين زملائه والمتقاضين بالنزاهة والاستقامة، وبالحرص على استقلال القضاء، وعدم الخضوع لأي ضغوط سياسية أو اجتماعية، مؤمناً بأن هيبة الدولة تبدأ من هيبة القضاء، وأن العدالة لا تتحقق إلا إذا كان القاضي حر الضمير، مستقل الإرادة.
ولم تكن نزاهته شعاراً، بل ممارسة يومية تجلت في أحكامه الدقيقة، وفي أسلوبه الرصين في تحرير القرارات القضائية، التي اتسمت بسلامة الصياغة القانونية واللغوية، الأمر الذي أكسبها قوةً في الاستدلال، ومتانةً في البناء، وانسيابيةً في مرورها أمام محاكم التمييز.
وقد امتلك زهير كاظم عبود جميع المقومات التي تجعل من القاضي نموذجاً يحتذى به؛ فإلى جانب معرفته القانونية العميقة، كان يتمتع بقدرة عالية على التحليل والاستنتاج، وهي قدرة صقلتها خبرته المبكرة في التحقيق العدلي، واهتمامه الواسع بقراءة الأدب والروايات البوليسية، وما تتضمنه من بناء منطقي للأحداث وتحليل للأدلة. كما عرف بصبره وحكمته، وحياده الكامل، وحرصه على الموازنة بين نص القانون وروحه، وبين العدالة والبعد الإنساني في تطبيق الأحكام.
غير أن شخصية زهير كاظم عبود لم تتوقف عند حدود القضاء، بل امتدت إلى فضاء الفكر والثقافة والبحث التاريخي. فقد وجد في الكتابة امتدادًا طبيعياً لرسالته، فكتب في القانون، والتاريخ، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وقضايا الأقليات، والدستور، والسياسة، مستفيداً من خبرة رجل مارس القانون، وعرف تفاصيله، ولم يكتفِ بالتنظير من بعيد.
وإذا كانت دراستاه القانونيتان (التحقيق الابتدائي وإجراءاته) و(اليمين في القانون العراقي) تمثلان مرجعين مهمين في المكتبة القانونية العراقية، فإن مشروعه الفكري اتسع ليشمل عشرات المؤلفات التي تناولت موضوعات شديدة الحساسية، من بينها القضية الكردية، والأيزيديون، والشبك، والكرد الفيليون، والإرهاب، والمحاكمات، والدستور، والتاريخ السياسي العراقي، مقدماً قراءة تجمع بين الوثيقة التاريخية والتحليل القانوني، بعيداً عن التعصب والانفعال.
كما ترك بصمة واضحة في الكتابة الصحفية والفكرية، فنشر مئات المقالات والدراسات في الصحف العراقية والعربية والمواقع الثقافية، مدافعاً عن قيم العدالة، والدولة المدنية، وحقوق الإنسان، والتعايش بين مكونات المجتمع العراقي. ولم يكن قلمه أسيرًا لاتجاه سياسي أو أيديولوجي، بل ظل منحازاً إلى الحقيقة، وإلى الإنسان العراقي، وإلى فكرة الدولة التي تستند إلى القانون والمؤسسات.
ولم يزد الاغتراب تجربته إلا نضجاً واتساعاً. فقد واصل نشاطه الثقافي عضوًا في اتحاد الكتّاب في السويد، ومحاضراً في كلية القانون بالأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، وعضواً في نقابة الصحفيين في كردستان العراق، وظل العراق حاضراً في جميع كتاباته، ليس بوصفه مكاناً فحسب، بل مشروعاً حضارياً يقوم على العدالة والمواطنة واحترام التنوع.
إن تجربة القاضي زهير كاظم عبود تؤكد أن القضاء رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن الثقافة مسؤولية قبل أن تكون شهرة، وأن الدفاع عن الإنسان يبدأ بالدفاع عن حقه في العدالة والكرامة. ولهذا استحق أن يكون واحداً من أبرز الأسماء العراقية التي جمعت بين العمل القضائي والإنتاج الفكري، وأسهمت في إثراء المكتبة العراقية بعشرات المؤلفات والدراسات التي ستظل مراجع مهمة للباحثين والمهتمين بالشأن القانوني والتاريخي.
تحية تقدير للقاضي والباحث زهير كاظم عبود، الذي جعل من العدالة منهجاً، ومن المعرفة رسالة، ومن الكلمة الحرة شاهداً على زمن يحتاج إلى أمثال هذه القامات الفكرية والقانونية.

قد يعجبك ايضا