العراق يدفع ثمن حروب الآخرين… وإقليم كوردستان في مرمى النيران

فيصل اسماعيل

“يمتنع جميع أعضاء الأمم المتحدة، في علاقاتهم الدولية، عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.”
– ميثاق الأمم المتحدة، المادة (2)، الفقرة (4).
لا يمكن لدولة أن تحافظ على سيادتها إذا تحولت أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا يمكن الحديث عن أمن وطني حقيقي فيما تتكرر الاعتداءات على إقليم كوردستان، ويظل العراق معرضًا لتداعيات صراعات لا تخدم مصالحه. إن استمرار هذا الواقع لا يهدد سيادة العراق وحدها، بل يهدد السلم الأهلي، ويقوض الاستقرار الإقليمي، ويضع مستقبل الدولة أمام تحديات غير مسبوقة.
منذ سنوات، يعيش العراق معادلة خطيرة تهدد كيان الدولة، تتمثل في تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. وبينما تنشغل القوى السياسية بخلافاتها الداخلية، تتكرر الاعتداءات على الأراضي العراقية، ولا سيما في إقليم كوردستان، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات باستخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار. وفي كلتا الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: سيادة العراق تتآكل، والمواطن العراقي هو من يدفع الثمن.
إن احترام سيادة الدول ليس شعارًا سياسيًا، بل مبدأ راسخ في القانون الدولي. فقد حظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، كما ألزم الدول بعدم السماح باستخدام أراضيها للإضرار بالدول الأخرى. ومن جانبه، أكد الدستور العراقي التزام الدولة بمبدأ حسن الجوار واحترام التزاماتها الدولية، كما جعل مسؤولية الدفاع والأمن من اختصاص مؤسسات الدولة، بما يجعل حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات خارجية واجبًا دستوريًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.
ولا يمكن الحديث عن حماية السيادة العراقية دون الاعتراف بأن الانتهاكات لم تكن حوادث معزولة، بل تكررت على مدى السنوات الماضية، خاصة في إقليم كوردستان، من خلال هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وعمليات قصف عبر الحدود بذريعة ملاحقة جماعات مسلحة أو استهداف مواقع معينة. كما شهدت الساحة العراقية اتهامات متبادلة بشأن استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية. وفي جميع الأحوال، يبقى العراق، دولةً وشعبًا، الخاسر الأكبر.
لقد كان إقليم كوردستان الأكثر تعرضًا لهذه الاعتداءات، إذ استهدفت الضربات مناطق مدنية ومنشآت اقتصادية وأمنية، وأوقعت ضحايا بين المدنيين، وألحقت أضرارًا بالاستقرار والتنمية، وأثرت سلبًا في البيئة الاستثمارية التي تميز بها الإقليم لسنوات. ورغم الإدانات الرسمية المتكررة، فإن غياب إجراءات رادعة شجع على استمرار هذه الانتهاكات، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة الدولة على فرض سيادتها وحماية جميع أراضيها دون استثناء.
وفي المقابل، فإن أي جهة تستخدم الأراضي العراقية للإضرار بدول الجوار، مهما كانت هويتها أو مبرراتها، تضع العراق في مواجهة أخطار سياسية وأمنية واقتصادية، وتمنح الآخرين ذرائع للرد العسكري، وهو ما يتعارض مع الدستور العراقي، ومبادئ القانون الدولي، ويهدد السلم الأهلي والاستقرار الإقليمي.
إن الدفاع عن سيادة العراق لا يتحقق بالشعارات أو بيانات الإدانة، بل بقرارات وطنية شجاعة تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي جهة من جر العراق إلى صراعات المحاور، وتوحيد الموقف الوطني بين بغداد وأربيل، بحيث تكون حماية إقليم كوردستان جزءًا لا يتجزأ من حماية العراق كله، لأن أي اعتداء على أربيل أو دهوك أو السليمانية هو اعتداء على السيادة العراقية بأكملها.
ولا تقتصر آثار هذا الواقع على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد والتنمية، إذ تؤدي التوترات المستمرة إلى إضعاف ثقة المستثمرين، وتعطيل المشاريع الاستراتيجية، واستنزاف الموارد، وتقليص فرص النمو، وهو ما ينعكس سلبًا على مستقبل العراق بأكمله.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية بعيدًا عن ازدواجية المعايير. فالدفاع عن سيادة الدول يجب أن يكون مبدأً ثابتًا لا يخضع للمصالح السياسية. إن الاكتفاء ببيانات القلق أو الإدانة تجاه الاعتداءات المتكررة على العراق وإقليم كوردستان لا يسهم في حماية الاستقرار، بل قد يشجع على تكرار الانتهاكات ويضعف الثقة بمنظومة القانون الدولي.
إن المطلوب اليوم ليس إصدار المزيد من بيانات الشجب، بل تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها، ومنع استخدام العراق منطلقًا للاعتداء على أي دولة، وفي الوقت نفسه رفض أي اعتداء يستهدف الأراضي العراقية، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية للدفاع عن السيادة، وإنشاء آليات تنسيق أمنية فعالة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان لحماية الحدود، واعتماد سياسة خارجية متوازنة تُبعد العراق عن سياسة المحاور.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تفقد احتكار قرار الحرب والسلم تتحول تدريجيًا إلى ساحات للصراعات، بينما تحافظ الدول التي تفرض سيادتها على أمنها واستقرارها ومكانتها الدولية. والعراق اليوم أمام هذا الخيار المصيري.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع: إذا كانت سيادة العراق تمثل إجماعًا وطنيًا، فلماذا تتكرر الاعتداءات على أراضيه، ولا سيما على إقليم كوردستان؟ ولماذا لا تزال أراضيه عرضة لأن تكون ساحة لصراعات الآخرين؟ ومتى ينتقل الدفاع عن السيادة من بيانات الشجب والاستنكار إلى قرارات وطنية حاسمة تعيد للدولة هيبتها، وتحمي جميع العراقيين دون استثناء؟
إن العراق لا يحتاج إلى أن يكون طرفًا في حروب الآخرين، بل يحتاج إلى دولة قوية، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتحمي حدودها وسيادتها، وتفرض احترامها على الجميع. فسيادة الدول لا تُصان بالخطب، بل بالإرادة السياسية، وسيادة القانون، ووحدة القرار الوطني.

قد يعجبك ايضا