العراق في الصحافة العالمية والمحليةعشية الاستقلال عام 1932

د. مؤيد الونداوي

(القسم الاول)
مانشستر غارديان — مانشستر 29\6\1932

المشكلة الكردية؛
وضعت أربعة أشهر من العمليات المتقطعة في مرتفعات شمال العراق حداً للتو لواحدة أخرى من الثورات الكردية الدورية التي أقلقت الإدارات التركية والفارسية والعراقية منذ الحرب.
كان الشيخ أحمد البارزاني من أقل زعماء قطاع الطرق مدعاة للإعجاب؛ فقد أثار نزاعات دموية مع جيرانه من أهل العقيدة القويمة، وسوّغها بإعلانه ألوهيته. وكان مصدر إزعاج لا تستطيع أية حكومة متمدنة أن تتسامح معه، غير أن القضاء عليه لا يحل المشكلة الكردية.
إن الكٌرد الثلاثة ملايين الذين تتقاسمهم تركيا وفارس والعراق شعب عريق. وهم الممثلون الحقيقيون الناطقون بالآرية لإحدى أولى موجات الهجرة الهندية–الإيرانية الكبرى إلى آسيا؛ ولو كان لطول مدة الإقامة أي اعتبار، لكان لهم حق ممتاز في تقرير المصير في مرتفعاتهم النائية.

وقد توخت معاهدة سيفر، التي لم تدخل حيز التنفيذ، بالفعل إقامة كردستان تتمتع بالحكم الذاتي. غير أن الأكراد ظلوا منقسمين بصورة ميؤوس منها بسبب اختلافات اللهجات والطبقات والعشائر؛ وأخفقوا في تطوير أية لغة أدبية مشتركة، أو أي نوع من البرامج «القومية» الحقيقية، انطلاقاً من المقاومة المضطربة التي يبديها الزعماء المحافظون والمتعصبون الدينيون تجاه أي نوع من الحكم.
لكن ذلك لا يعفي حكامهم من واجبهم تجاه شعب بدائي ولكنه قوي وحيوي.
للأتراك طريقتهم الخاصة في التعامل مع الأقليات العنيدة؛ فقد شرعوا في «تتريك» الأكراد بالقوة المحضة.
وكانت الإدارة البريطانية في شمال العراق متحررة بصورة ملحوظة تجاه الكُرد، غير أن المعاهدة الإنكليزية–العراقية لسنة 1930 لم تقل شيئاً عن حقوقهم بوصفهم أقلية لغوية وعرقية.
وسيكون ثمن الانتصار على الشيخ أحمد باهظاً إذا أعقبته أية محاولة لـ«تعريب» رعايا بغداد الأكراد البالغ عددهم 600,000 نسمة.

مانشستر غارديان — مانشستر
28 حزيران 1932
الآثوريون والعراق
إن النقل المفاجئ عن طريق الجو لكتيبة من القوات البريطانية من مصر إلى العراق قد لفت الانتباه، بأوضح صورة، إلى وضع الآشوريين في العراق. وحتى الآن كانت جميع المواقع ذات الأهمية الإمبراطورية الواضحة في العراق — دار الاعتماد، والمطارات، وما إلى ذلك — تحرسها قوات الليفي الآثورية.
وكان عدد هؤلاء الرجال، الذين يعملون تحت إمرة ضباط بريطانيين، يبلغ نحو ألفي رجل. وكان من المقرر أن تنتهي عقودهم قريباً، غير أن الطابع المفاجئ لرفضهم مواصلة الخدمة يبدو أنه لم يكن متوقعاً على الإطلاق.
ومن الواضح أن قرار هؤلاء المقاتلين الممتازين — وهم، في رأي بعض المراقبين المؤهلين، أفضل الآسيويين جميعاً — يعود إلى خيبة أملهم لعدم اتخاذ ترتيبات أكثر شمولاً بشأنهم عندما يحصل العراق على استقلاله الكامل، وهو ما سيفعله في أيلول المقبل.
لقد ظل زعيمهم، مار شمعون، يحتج طوال الوقت بأن رعيته، أي الآشوريين النساطرة، لن تخضع أبداً لمجرد ضمانات ورقية للحرية في ظل “حكومة مسلمة”. وقد أعلن علناً، قبل بضعة أشهر، أنه سيهاجر مع جميع أبناء شعبه بدلاً من البقاء في عراق «غير متسامح».
والوضع في الوقت الحاضر غامض. فمن الواضح أن الحكومة العراقية غير قادرة على التأثير في تصرفات مار شمعون، ويُخشى أن يكون المندوب السامي، السير فرنسيس همفريز، الذي أجرى عدة محادثات صريحة مع الزعيم الآشوري الشاب بشأن مسألة تسامح العراقيين، عاجزاً كذلك عن إقناعه باتباع سياسة المصالحة.
ولهؤلاء المسيحيين النساطرة، على الرغم من قيامهم ببعض الأمور غير الحكيمة، كثير من المتعاطفين في أوروبا. وقد خدموا بريطانيا العظمى خدمة جيدة بصورة خاصة أثناء الحرب الكبرى وبعدها. غير أن العرب العراقيين لا يحبونهم على الإطلاق.

25 صحيفة التايمز – لندن حزيران 1932
انتهاء الحملة الكردية
استسلام شيخ بارزان
من مراسلنا
بغداد، 24 حزيران
أُعلن بعد ظهر اليوم أن الجيش العراقي واصل، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، تقدّمه ضد شيخ بارزان عبر المنطقة التي كانت تُقصف باستمرار من قبل سلاح الجو الملكي، والتي أصبحت نتيجة لذلك مهجورة. وكان الشيخ مهدداً من جميع الجهات؛ إذ كان الأتراك ينتظرونه وراء الحدود، وكان سلاح الجو الملكي فوقه، فيما كان الجيش العراقي يتقدم نحوه. ولذلك استسلم للأتراك مع أخويه ونحو 100 من أتباعه، وقد نزع الأتراك سلاحهم جميعاً. وتعمل الحكومة العراقية على إقامة إدارة مدنية، وقد بدأت ببناء مخافر للشرطة وطرق في جميع أنحاء المنطقة.
إن استسلام الشيخ أحمد البارزاني للأتراك يمثل نهاية أربعة أشهر من العمليات الميدانية وسنتين من الكفاح لإرساء القانون والنظام العراقيين في جزء مضطرب من البلاد. وقد تعاون سلاح الجو الملكي في هذه العمليات مع القوات البرية العراقية.
وقد وصلت بالفعل عن طريق الجو من مصر سريتان من الكتيبة الأولى، فوج نورثهامبتونشير، وهما تتوليان مهام قوات الليفي الآثورية في مطارات سلاح الجو الملكي. وستلحق بهما بقية القوات خلال اليومين أو الأيام الثلاثة المقبلة. وبصرف النظر عن حالة الطوارئ الراهنة، فقد كانت هذه تجربة قيّمة في نقل القوات جواً.

قد يعجبك ايضا