كفاح محمود كريم… الصحفي الذي جعل من السياسة نصاً للتحليل لا مجرد خبر

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست قيمة الصحفي في قدرته على ملاحقة الخبر فحسب، وإنما في امتلاكه الأدوات التي تمكنه من تفكيك الحدث، وربطه بجذوره التاريخية، واستشراف مآلاته السياسية. فالصحافة، حين ترتقي إلى مستوى المعرفة، تغدو فعلاً ثقافياً يضيء الواقع، ولا تكتفي بوصفه. ومن هذا المنظور يمكن قراءة تجربة الكاتب والصحفي كفاح محمود كريم، الذي رسخ حضوره في المشهد الإعلامي العراقي بوصفه كاتباً انشغل بتفسير التحولات أكثر من انشغاله بوصفها، وبالبحث في أسبابها العميقة أكثر من الاكتفاء بتسجيل نتائجها.

ينتمي كفاح محمود كريم إلى جيل عايش أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ العراقي المعاصر، بدءاً من التحولات السياسية التي شهدها العراق في سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالحروب والعقوبات الدولية، وانتهاءً بمرحلة ما بعد عام 2003 وما رافقها من إعادة تشكيل لبنية الدولة العراقية وعلاقاتها الداخلية والإقليمية. وقد تركت هذه التحولات أثراً واضحاً في طبيعة اهتماماته الفكرية، فغدت كتاباته امتداداً لأسئلة الدولة، والهوية، والدستور، والعلاقة بين المركز والأطراف.
ولد في مدينة سنجار، المدينة التي مثلت عبر تاريخها نموذجاً مصغراً للتنوع العراقي، بما تضمه من فسيفساء قومية ودينية وثقافية. وقد أسهم هذا المحيط في تشكيل وعي مبكر لديه بأهمية التعددية، وبأن استقرار الدول لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بتنظيمه ضمن إطار دستوري وسياسي يضمن حقوق الجميع.
لكن مسيرته لم تكن خطاً مستقيماً؛ فقد فرضت التحولات السياسية مسارات جديدة على حياته، وكان انتقاله إلى مدينة الحلة في مطلع سبعينيات القرن الماضي محطة مفصلية في تكوينه الثقافي. ففي هذه المدينة العريقة، التي عرفت بإرثها العلمي والأدبي والفني، وجد فضاءً أرحب لصقل مواهبه، فاتجه إلى دراسة الفنون، وأتقن الخط العربي، وخاض تجارب في الرسم والنقش والحفر على المعادن، وهي خبرات تركت أثرها في حسه الجمالي، حتى وهو يكتب في أكثر الملفات السياسية تعقيدًا.
ولم يكن اهتمامه بالفنون منفصلاً عن مشروعه الفكري، بل جاء تعبيراً عن قناعة بأن الثقافة والفن يشكلان جزءاً من الوعي الوطني، وأن الدفاع عن الهوية لا يكون بالسياسة وحدها، وإنما بحفظ الذاكرة الجمالية أيضاً.
وقد جمع تكوينه العلمي بين التربية والفنون والإعلام، فحصل على دبلوم في التربية الفنية، ثم تخصص في الإعلام الإذاعي والتلفزيوني، قبل أن يواصل دراسته الجامعية، الأمر الذي منحه أدوات متعددة لفهم آليات الاتصال، وصياغة الخطاب الإعلامي، والتعامل مع الرأي العام بلغة تجمع بين الدقة المهنية والبعد المعرفي.
ومع دخوله ميدان الصحافة، لم يتعامل مع الخبر بوصفه غاية في ذاته، وإنما بوصفه مدخلاً لقراءة البنية السياسية التي أنتجته. ولذلك اتسمت مقالاته بحضور واضح للبعد التاريخي، إذ ظل يؤمن بأن الأحداث لا تُقرأ بمعزل عن سياقاتها، وأن السياسة لا تُفهم إلا في ضوء تراكماتها التاريخية والاجتماعية.
وقد أضافت تجربته في العمل مستشاراً إعلامياً لرئيس إقليم كُردستان السيد مسعود بارزاني بعداً عملياً إلى تجربته الفكرية، إذ أتاحت له الاقتراب من دوائر صنع القرار، ومتابعة ملفات معقدة تتعلق بالعلاقة بين بغداد وأربيل، وقضايا الفيدرالية، والدستور، والمادة (140)، فضلاً عن تطورات المشهد الإقليمي وانعكاساته على العراق.
ومن يقرأ كتاباته يلحظ أنها تنطلق من رؤية تؤمن بالفيدرالية إطاراً دستورياً لإدارة التنوع العراقي، وتدعو إلى معالجة الخلافات السياسية عبر الحوار والمؤسسات، لا عبر فرض الوقائع بالقوة. وهذه الرؤية قد تثير الجدل، شأنها شأن أي اجتهاد سياسي، لكنها تعكس موقفًا فكريًا ظل صاحبه يدافع عنه باستمرار، مستندًا إلى قراءته للدستور العراقي ولتجربة الدولة بعد عام 2003.
ولأن الكاتب كان قريباً من المؤسسة السياسية الكردية، فقد رأى بعض النقاد أن هذا القرب انعكس على زاوية النظر في بعض تحليلاته، في حين يرى آخرون أن هذه التجربة منحته معرفة مباشرة بطبيعة الملفات التي تناولها. وبين الرأيين تبقى كتاباته جزءاً من المشهد الفكري العراقي، تقرأ في إطار تعدد الرؤى، لا بمنطق الاحتكار أو الإقصاء.
ولعل ما يمنح تجربة كفاح محمود كريم خصوصيتها هو إيمانه بأن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل مسؤولية معرفية. لذلك جاءت مقالاته أقرب إلى الدراسات السياسية منها إلى التعليق الصحفي السريع، مستندة إلى المقارنة التاريخية، وتحليل الوقائع، وربط المحلي بالإقليمي، وهو ما منحها حضوراً في عدد من الصحف والمواقع العربية والكُردية، وجعلها مادة للنقاش في الأوساط الإعلامية والسياسية.
لقد أسهم، عبر مئات المقالات والندوات والمؤتمرات، في إثراء الحوار حول قضايا العراق المعاصرة، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، ومستقبل الديمقراطية، والحرب على الإرهاب، والسياسات الإقليمية وتأثيراتها في الداخل العراقي.
إن تجربة كفاح محمود كريم تؤكد أن الصحافة، حين تستند إلى المعرفة والخبرة، تتحول إلى وثيقة لفهم التاريخ وهو يكتب، لا إلى مجرد سجل للأحداث اليومية. ولهذا فإن تقييم هذه التجربة ينبغي أن يتم في إطارها الفكري والمهني، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف معها أو نقدها، فالنقد الموضوعي هو الذي يمنح الحياة الثقافية حيويتها، ويجعل من الحوار وسيلة لبناء الوعي، لا لتكريس الانقسام.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتناقص فيه مساحات التأمل، تبقى الحاجة قائمة إلى كتّاب يصرون على أن تكون الكلمة أداة للفهم قبل أن تكون وسيلة للإقناع، وأن تكون الصحافة جسراً بين التاريخ والسياسة، وبين الوقائع ودلالاتها. وفي هذا السياق، تحتفظ تجربة كفاح محمود كريم بمكانتها بوصفها واحدة من التجارب التي سعت إلى الجمع بين الخبرة الإعلامية، والرؤية السياسية، والوعي التاريخي، في قراءة مستمرة لمشهد عراقي ما زال مفتوحاً على أسئلة المستقبل.

قد يعجبك ايضا