الجواهري والقضية الكوردية

نبيل عبد الأمير الربيعي

يشغل الشاعر محمد مهدي الجواهري مكانة استثنائية في الثقافة العربية الحديثة، ليس بوصفه أحد أعظم شعراء العربية في القرن العشرين فحسب، وإنما بوصفه مثقفاً عضوياً ارتبط مشروعه الشعري بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والدفاع عن الإنسان. ولعل من أبرز تجليات هذا المشروع الإنساني موقفه من القضية الكوردية، التي لم يتعامل معها بوصفها شأناً قومياً خاصاً، بل بوصفها قضية وطنية عراقية وقضية إنسانية تتصل بحق الشعوب في الحرية والكرامة.

لقد جاءت قصيدته الخالدة (كوردستان يا موطن الأبطال) عام (1962) لتؤسس منعطفاً مهماً في الشعر العربي الحديث، إذ أصبحت من أوائل النصوص الشعرية العربية التي تناولت القضية الكوردية بهذا العمق السياسي والإنساني، مقدمةً رؤية تتجاوز حدود الانتماء القومي إلى أفق العدالة الوطنية والإنسانية.

يذهب عدد من الباحثين إلى أن حضور القضية الكوردية في الشعر العربي ظل محدوداً قبل الجواهري، رغم عمق العلاقة التاريخية بين العرب والكورد في العراق والمشرق. بل إن شعراء كباراً من أصول كوردية، مثل جميل صدقي الزهاوي، أو ممن تنحدر أصولهم من أرومة كوردية، مثل معروف الرصافي، لم يجعلوا القضية الكوردية محوراً مباشراً في إنتاجهم الشعري.

أما الجواهري فقد تجاوز حدود الانتماءات الضيقة، وأدرك أن وحدة الوطن لا تتحقق إلا بإقرار العدالة لجميع مكوناته، وأن الدفاع عن الكورد هو دفاع عن العراق نفسه. ومن هنا اكتسبت قصيدته أهميتها التاريخية، لأنها لم تُكتب من موقع التعاطف العابر، وإنما من موقع الشراكة الوطنية الكاملة.

ويشير الباحث رزاق جاسم الحيالي إلى أن الجواهري كان من أوائل الشعراء العرب الذين استطاعوا النفاذ إلى جوهر القضية الكوردية، وربطها بمشروع التحرر الوطني العراقي، بعيداًوعن الرؤية القومية الضيقة.

ظروف كتابة القصيدة

كتب الجواهري قصيدته (كوردستان يا موطن الأبطال) بعد مغادرته العراق عام 1961 واستقراره في المنفى بمدينة براغ، حيث كان يعيش تجربة الاغتراب السياسي إثر تضييق السلطة عليه. وفي الوقت نفسه كانت الثورة الكوردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني تخوض إحدى أكثر مراحلها تعقيداً.

وقد أُلقيت القصيدة لأول مرة في مؤتمر جمعية الطلبة الكورد في أوروبا بمدينة ميونيخ عام 1962، فجاءت ثمرة تفاعل بين تجربة المنفى الشخصي وتجربة الثورة الكوردية، وهو ما منحها صدقاً إنسانياً وأخلاقياً نادراً.

ولم يكن اختيار الجواهري لهذا التوقيت مصادفة، إذ التقت في وجدانه غربته عن الوطن مع معاناة الكورد في جبالهم، فأصبح المنفى والثورة وجهين لتجربة واحدة عنوانها مقاومة الاستبداد.

البعد الإنساني في القصيدة

يفتتح الجواهري قصيدته بقوله:

قلبي لكوردستان يُهدى والفمُ
ولقد يجودُ بأصغريه المُعدمُ

وهذا المطلع لا يمثل مجرد تحية أدبية، بل إعلاناً صريحاً لانحياز الشاعر الكامل إلى قضية يراها عادلة. فهو لا يهدي الكلمات وحدها، وإنما يهدي القلب أيضاً، ليصبح الشعر فعل مشاركة وجدانية لا فعل وصف خارجي.

ويقول كذلك:

يا خير ضلعٍ، لستَ وحدكَ، إنّه
جسدٌ بكلِّ ضلوعه يتألّمُ

ويُعد هذا البيت من أكثر أبيات القصيدة دلالةً على مفهوم الوطنية عند الجواهري؛ إذ يجعل العراق جسداً واحداً، والكورد ضلعاً أصيلاً فيه، فإذا أصيب ضلع تألم الجسد كله. وهي رؤية تتجاوز المفاهيم القومية التقليدية نحو مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.

لا يظهر ملا مصطفى البارزاني رحمه الله في القصيدة بوصفه قائداً عسكرياً وفحسب، وإنما بوصفه رمزاً للمقاومة والإرادة الوطنية. وقد رسمه الجواهري في صورة القائد الذي يجمع بين الشجاعة الأخلاقية والثبات المبدئي، وهو ما منح القصيدة بعداً رمزياً تجاوز حدود اللحظة السياسية.

ولم يكن هذا الاحتفاء تعبيراً عن انحياز سياسي مؤقت، وإنما جاء منسجماً مع فلسفة الجواهري التي طالما وقفت إلى جانب كل حركة تحرر تقاوم الاستبداد وتطالب بالعدالة.

تأثر الجواهري مبكراً بأفكار النهضة العربية، وبالمفاهيم الحديثة للعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان، وهو ما انعكس بوضوح في تجربته الشعرية والصحفية. فقد عمل في الصحافة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وأصدر صحيفة الفرات، وخاض معارك فكرية وسياسية عديدة دفاعاً عن الفقراء والمحرومين، الأمر الذي جعله يرى في القضية الكوردية امتداداً طبيعياً لمشروعه الفكري في مقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي.

ومن هنا فإن قصيدة (كوردستان يا موطن الأبطال) ليست قصيدة قومية، بقدر ما هي قصيدة في العدالة الإنسانية.

لم يقتصر حضور الجواهري على النص الشعري، بل امتد إلى مشاركاته في المناسبات الثقافية الكوردية، وإلى علاقاته الوثيقة بعدد من المثقفين والسياسيين الكورد، الأمر الذي جعله أحد أبرز الجسور الثقافية بين العرب والكورد خلال القرن العشرين. لقد أدرك الجواهري أن الثقافة تستطيع أن تنجز ما تعجز عنه السياسة، وأن القصيدة قادرة على ترميم الذاكرة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.

بعد أكثر من ستة عقود على كتابتها، ما تزال (كوردستان يا موطن الأبطال) تحتفظ بقيمتها الأدبية والإنسانية، لأنها لم تُكتب دفاعاً عن قومية ضد أخرى، وإنما دفاعاً عن حق الإنسان في الحرية والكرامة. لقد أثبت الجواهري أن الشعر العظيم لا يُقاس بجمال اللغة وحده، وإنما بقدرته على الانتصار للإنسان. ولهذا بقي شاعراً للعراق كله، ولجميع مكوناته، وبقيت قصيدته في الكورد وثيقة أدبية ووطنية تؤكد أن العدالة هي الأساس الحقيقي للوحدة الوطنية، وأن الأوطان لا تبنى بالقوة، بل بالاعتراف المتبادل والإنصاف والشراكة.

————————————————————————
الهوامش والمراجع:

– محمد مهدي الجواهري، الأعمال الشعرية الكاملة، دار الحرية، بغداد، طبعات متعددة.
– رزاق جاسم الحيالي، الجواهري والقضية الكوردية، مؤسسة الجواهري للدراسات والتوثيق.
– فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، بيروت.
– علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الأجزاء ذات الصلة بالعلاقات العربية الكوردية.
– حميد الحمداني، دراسات في شعر محمد مهدي الجواهري.

قد يعجبك ايضا