جريمة الأنفال بحق البارزانيين جرح عميق بحق وطننا

بقلم احمد كوران

المقدمة
تُعد جريمة الأنفال من أبرز الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في تاريخ العراق المعاصر. وتشكل حادثة اختفاء 8000 من رجال وشباب منطقة بارزان في 31 تموز 1983 المحطة الأولى والأكثر رمزية في هذه السلسلة من الجرائم.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أن استهداف البارزانيين لم يكن عملاً أمنياً عارضاً، بل كان جزءاً من سياسة دولة منهجية تهدف إلى كسر الإرادة الجماعية عبر العقاب الجماعي واستهداف الرموز.
وتهدف الدراسة إلى تحليل خلفيات الجريمة، وتفاصيلها، وأبعادها القانونية والإنسانية، ومكانتها في الذاكرة الوطنية العراقية.

أولاً: الإطار التاريخي والسياسي للجريمة
منذ ثورة أيلول 1961 بقيادة _الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني_، ارتبط اسم “بارزان بالحركة التحررية الكوردية. وبذلك تحولت المنطقة إلى رمز للمقاومة في مواجهة السلطة المركزية.

أدى ذلك إلى تبني النظام البائد لسياسة العقاب الجماعي كأداة لإخضاع المناطق المعارضة. وجاءت حملة 1983 لتحقيق هدفين رئيسيين:
1. الهدف المباشر : توجيه ضربة استباقية لعائلة البارزاني وكوادرها الاجتماعية.
2. الهدف الرمزي : بث الرعب في المجتمع الكوردي والعراقي وإرسال رسالة مفادها أن معارضة السلطة ستقابل بإبادة جماعية.

وبذلك يمكن اعتبار حادثة البارزانيين البروفة الأولى لحملات الأنفال الموسعة 1986-1989.

ثانياً: وقائع الحادثة وتوثيقها
في فجر 31 تموز 1983 نفذت القوات العسكرية والأمنية عملية تطويق شامل لقرى: بارزان، بلان، بيروز، كلي، خليفان ، قوشتبه ومحيطها في محافظة أربيل.
تم اعتقال جميع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 13 – 70 سنة ، وجرى فصلهم قسراً عن النساء والأطفال، ونقلهم بشاحنات عسكرية إلى جهات مجهولة.

تشير شهادات الناجين ووثائق المحكمة الجنائية العراقية العليا إلى أن المعتقلين احتجزوا مؤقتاً في معسكرات بـ تكريت، الرمادي، ديالى ، قبل أن يختفي أثرهم نهائياً.
وبذلك أصبح عدد 8000 مفقود من البارزانيين قضية اختفاء قسري جماعي لم يُكشف عن مصير ضحاياها حتى الآن.

ثالثاً: الأبعاد الإنسانية والقانونية للجريمة
لا يمكن تصنيف ما جرى على أنه إجراء أمني بل هو إبادة منهجية بأبعاد متعددة:

1. البعد الاجتماعي : تفك البنية الأسرية. تحولت آلاف النساء إلى معيلات، ونشأ جيل كامل من الأيتام في ظروف حصار وحروب لاحقة.
2. البعد النفسي : تميزت الجريمة بـ الاختفاء القسري مما خلق صدمة مزدوجة: فقدان العائل + غياب الجثمان ومكان للدفن.
3. البعد القانوني : صنفت المحكمة الجنائية العراقية العليا في حكمها عام 2007 جرائم الأنفال ضمن جرائم الإبادة الجماعية و الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 11 من قانون المحكمة. كما وثقتها تقارير لمنظمات مثل هيومن رايتس ووتش و العفو الدولية .

رابعاً: الأنفال في الذاكرة الوطنية العراقية
من الخطأ إطارنة جريمة الأنفال بالبعد القومي فقط. فالمنطق الإجرامي ذاته الذي استهدف البارزانيين، هو الذي أنتج المقابر الجماعية في جنوب العراق ، و*قصف حلبجة الكيميائي 1988 ، وإعدام المعارضين السياسيين.
عليه، فإن جرح البارزانيين هو جرح وطني جامع ، ويشكل اختباراً لمشروع الدولة المدنية القائم على مبدأ لا تمييز ولا إفلات من العقاب .

خامساً: التوصيات والدروس المستخلصة
إن إحياء ذكرى هذه الجريمة يجب أن يتجاوز البعد العاطفي إلى أهداف مؤسساتية:
1. الوفاء التاريخي : توثيق أسماء الضحايا وإنشاء نصب تذكاري وطني.
2. كشف الحقيقة : تفعيل عمل لجنة المفقودين، فتح الأرشيف، وتعويض ذوي الضحايا وفق قانون المؤسسة السياسية.
3. ضمان عدم التكرار : ترسيخ دولة القانون، وتجريم سياسة العقاب الجماعي دستورياً، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المناهج.

الخاتمة
إن اختفاء 8000 من البارزانيين يمثل علامة فارقة في تاريخ العنف السياسي بالعراق.
فهي لم تستهدف أفراداً، بل استهدفت فكرة المواطنة المتساوية .
إن بناء عراق قوي ومستقر لا يمكن أن يتم عبر النسيان، بل عبر الاعتراف، والإنصاف، والمصالحة .
فالوطن الذي لا يكرم شهداءه، ولا ينصف ضحاياه، هو وطن عاجز عن صناعة مستقبله.

رحم الله شهداء الأنفال من البارزانيين وشهداء العراق جميعاً.

قد يعجبك ايضا