د.خليل مصطفى عثمان
في القرن السادس عشر، خلد الكاتب الفرنسي فرانسوا رابلي حكاية ساخرة أصبحت فيما بعد واحدة من أهم الاستعارات النفسية والاجتماعية في الأدب السياسي، وهي قصة “خرفان بانورج”. تتلخص الحكاية في أن “بانورج” دخل في خصام حاد مع تاجر مواشٍ جشع يُدعى “دندنو”، وللإنتقام منه، اشترى بانورج الخروف القائد من القطيع وألقاه في عرض البحر. ولأن الخراف تتبع بعضها بدافع الغريزة التلقائية دون إعمال عقل، بدأت بقية الخراف تقفز واحداً تلو الآخر خلف القائد إلى الغرق، حتى سُحب التاجر معها وغرق الجميع في الأعماق. لم تكن هذه القصة مجرد أدب ساخر، بل أصبحت مصطلحاً عالمياً للتعبير عن ظاهرة “الاتباع الأعمى” أو “سلوك القطيع”، حيث تتخلى المجموعات عن التفكير النقدي وتنساق خلف اتجاه واحد دون مراعاة للعواقب.
عند نقل هذه الاستعارة إلى واقع المشهد الإعلامي اليوم، وتحديداً بالنظر إلى الأداء الإعلامي والتعبوي لـ “حراك الجيل الجديد” عبر منصاته ووسائله المقربة، نجد تجسيداً لافتاً لهذه الظاهرة. لقد اعتمد الخطاب الإعلامي للحراك استراتيجية تقوم على محاولة التقليل من شأن الرموز القومية الكوردية والشخصيات التي شكلت التاريخ السياسي والتحرري لكوردستان، واختزال تاريخ كامل من النضال والتضحيات في إطار صراعات سياسية أو شعبوية معاصرة.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في الموقف السياسي للحراك، بل في الميكانيكية التي يُدار بها هذا الخطاب نفسه؛ إذ تبدأ العملية بتصريح أو توجيه مركزي من قيادة الحراك يستهدف رمزا قومياً أو تاريخياً بتشكيك أو تسفيه، لتشكل هذه الإشارة “الخروف الأول” الذي أُلقي في البحر. ودون أدنى محاولة للمراجعة أو التثبت أو قراءة المضمون التاريخي، تتلاقف الكوادر الإعلامية والصفحات والكتّاب المحسوبون على الحراك الرواية نفسها، ليبدأ الترديد المتطابق والتكرار الآلي في المشهد الإعلامي، حيث يغيب التفكير النقدي والمهني ويصبح الهدف الأساسي هو إثبات الولاء عبر المشاركة في الحملة ذاتها.
إن خطورة هذا السلوك الإعلامي الاندفاعي ترتد في كثير من الأحيان على الحراك نفسه. فعندما يتحول الإعلام الموجه إلى مجرد صدى صوت وموجة تقليد، يفقد تأثيره لدى الشارع الرصين ويصبح موجهاً فقط للاستهلاك الداخلي بين الأتباع. كما أن محاولة النيل من الرموز القومية والتقليل من تضحيات أجيال كاملة بغرض تحقيق مكاسب سياسية سريعة، يُظهر إفلاساً في تقديم البديل السياسي الحقيقي. وتماماً كما انتهى المطاف بالتاجر وخرافه في قاع البحر، فإن الخطاب الإعلامي الذي يُدار بغريزة القطيع يوصل صاحبه إلى عزلة فكرية وسياسية، عاجزاً عن بناء جسور أو تقديم خطاب جامع يتجاوز الإثارة الإعلامية.
تذكرنا قصة “خرفان بانورج” دائماً بأن السير خلف الموجة لمجرد التسابق هو أقصر الطرق نحو السقوط المهني والأخلاقي.
إن المعارضة السياسية الشجاعة والحقيقية لا تبنى على أنقاض تسفيه الرموز التاريخية القومية لشعب قدم الكثير من التضحيات، بل تبنى على تقديم رؤية مستقبلية متماسكة. وربما حان الوقت لمنصات “حراك الجيل الجديد” أن تتوقف عن التكرار الأعمى، وتسترد عقلها المهني والسياسي قبل أن تسحبها الخطابات الشعبوية إلى القاع.