أفق التنوير.. الفيلسوف زهير الخويلدي يفكك علل العقل العربي ويستنطق الكونية

 

أجرى الحوار عطا درغام- كاتب من مصر
حين يستبد السبات التاريخي بالوعي وتتكدس أطباق التكرار على عاتق الذاكرة، يتحول الفكر إلى ساحة معركة حقيقية بين التوق للحرية والبقاء أسيراً للكهوف الموروثة. فالعقل العربي اليوم لا يعاني مجرد أزمة عابرة في أدواته، بل يواجه مأزقاً بنيوياً تمثل في استقالته عن الفعل البرهاني وانغماسه في “مشهدية الناس” السطحية، متخندقاً خلف أسوار الخطابات الاعتذارية والتبعية الإبستمولوجية.
في مواجهة هذا المأزق، يأتي هذا الحوار المكاشف ليفتح كوة في جدار الركود، مسلطاً الضوء على عقول نقدية لا تهاب تشريح الداء ووصف الدواء. وفي قلب هذا المشهد، يقف الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي صوتاً فلسفياً جريئاً يرفض الاستسهال المعرفي ويناضل من أجل استعادة فاعلية الكونية المغايرة.
بين ثنايا أسئلة عميقة ومقاربات تفكيكية، يأخذنا الحوار لنغوص في أطروحات الخويلدي التي تدعو إلى مغادرة موقع “الشارح” إلى أفق “نحت المفاهيم”، وتأسيس أروقة معرفية جديدة تعيد لـلغة الضاد القها الكوني، لتصبح الفلسفة — كما يرى بحق — ضرورة وجودية كالهواء الذي لا غنى عنه لليقظة والاستئناف الحضاري.

إليكم تفاصيل الحوار…
السؤال الأول: انطلاقاً من كتابكم “كونية القول الفلسفي عند العرب”، كيف يرى زهير الخويلدي إمكانية فك الارتباط بين “العقل العربي” و”اللامفكر فيه” الإيديولوجي؟
نرى في كتابنا كونية القول الفلسفي عند العرب (وتشريح العقل العربي الإسلامي) إمكانية فك الارتباط بين “العقل العربي” و”اللامفكر فيه” الإيديولوجي ممكنة وقابلة للتحقيق عبر إحياء الكونية الفلسفية كمشروع نقدي وتأسيسي. بهذا المعنى يمكن للكونية أن تكون كمخرج من الإيديولوجيا؛ إذ يُعرّف “الكونية” (الكوني/الشمولي) في القول الفلسفي العربي بأنها قدرة على تجاوز الخصوصيات الضيقة والإيديولوجيات المغلقة، مع الحفاظ على التنوع داخل الوحدة. هي ليست كونية “مماثلة” (تقليد غربي أو تكرار) بل كونية مغايرة وتنويعية، تستمد جذورها من الشعر الجاهلي، القرآن، الأفلاطونية المحدثة، والحنفية، مروراً بالمنطق والعلوم العربية التي تجاوزت اليونانيين ومهدت للثورة العلمية. “اللامفكر فيه” الإيديولوجي هنا هو ذلك الجزء المكبوت أو الممنوع من التفكير: التصورات الجاهزة، التقليد المذهبي، التبعية الثقافية، والأساطير السياسية/الدينية التي تحول العقل إلى أداة تبرير بدلاً من أداة نقد وإبداع. يرتبط هذا بالعقل “البياني” أو “الأيديولوجي” الذي يركز على النص دون الواقع (كما عند الجابري)، مما يؤدي إلى انفصال بين العلم والمجتمع والفكر. أما آليات فك الارتباط فهي النقد الفلسفي والاجتهاد: إذ ندعو إلى الاحتكام إلى العقل كمعيار لأمور الدين والدنيا، مع رفض التقليد المذهبي. الفلسفة هنا “علم بالكلي” (أرسطو) و”علم الغايات” (كانط)، تدرء التعارض بين الكونية والخصوصية عبر التنوير الأصيل (مثل الثعالبي وحسن حنفي). وكذلك تحويل الضاد إلى لغة فكر: اللغة العربية (فلسفة الضاد) ليست مجرد هوية بل أداة كونية للتوسع والانصهار بالثقافات، مع التركيز على الشعرية، السرد، والمقابسات (كعند التوحيدي). بعد ذلك يأتي البراكسيس والمقاومة: الفلسفة مقاومة للسائد والابتذال والعولمة المتوحشة. يحتاج العرب إليها “كحاجتهم للهواء” للخروج من الانحطاط، عبر اليقظة، التعويل على الذات، والانفتاح على الغيرية دون تبعية. كما أشرنا إلى تشريح العقل بشكل نتجاوز فيه نقد الجابري بتأكيد إمكانية “الاستفاقة الكبرى” عبر إنتاج مقولات جديدة، تنشيط الخيال، وتحويل التراث إلى مورد حي (لا ميت). أما الرهان الذي يحدده منذ البداية والإشكال الذي يطرح فيمكن صياغته على النحو التالي: هل الكونية واقع أم رهان؟ هل الإنسان غاية أم وسيلة؟ الجواب عندنا إيجابي: القول الفلسفي بالضاد تجاوز منطق الخصوصية فعلاً، ويمكنه أن يعانق الكونية اليوم عبر مشروع تنويري يجمع بين الديمقراطية/الشورى، الإصلاح الاجتماعي، وحب الحكمة. لذلك نحن نحتاج فك الارتباط ممكن عبر تحويل العقل العربي من أسير “اللامفكر فيه” الإيديولوجي (التقليد، التبعية، الإغلاق) إلى فاعل كوني نقدي، يعيد اكتشاف كونيته الخاصة (التوحيد، المنطق، العلم، الشعر) ويشارك في بناء الحضارة الإنسانية. هذا ليس تقليداً بل مقاومة وتجديداً، يتطلب إرادة جمعية وتفلسفاً مستمراً. الفلسفة هنا ليست ترفاً بل ضرورة وجودية لليقظة.

السؤال الثاني: أشرتم في نصوصكم إلى أن العقل العربي يعاني من “سبات واستقالة”؛ ما هي الإجراءات الإبستمولوجية الفورية لإعادة هذا العقل إلى الفاعلية البرهانية؟
لقد عاني العقل العربي من “سبات” (خمول تاريخي وانحطاط) و”استقالة” (تخلي عن الفعل النقدي والبرهاني، كما عند الجابري في هيمنة البيان والعرفان على حساب البرهان). هذا يجعله أسيراً للتكرار، التبعية، والإيديولوجيا، بدلاً من أن يكون فاعلاً كونياً مبدعاً. إن الإجراءات الإبستمولوجية الفورية لإعادته إلى الفاعلية البرهانية تتمثل في أن الخروج يتطلب تثوير آليات إنتاج المعرفة، لا مجرد إصلاحات جزئية. أبرز الخطوات التي يجب القيام بها: تتمثل في تثوير آليات إنتاج الحقيقة عبر عمليات متكررة من مساءلة الواقع، تجويد طرح المشكلات، والتنقيب في المعضلات والعلل. هذا يعني الانتقال من التفكير التكراري/الغيبي إلى برهاني نقدي يُعيد صياغة مقولات الثقافة ويؤسس فلسفة الثورة/التغيير. لذلك تم نقد التراث وتأصيل الحداثة عبر خلخلة العقل الإسلامي، تاريخية الفكر، تفكيك الأنساق المعرفية، كشف الذهنية المحرمة، والمسكوت عنه. في هذا الصدد نستلهم مشاريع الجابري، أركون، حنفي وغيرهم، لكن ندعو إلى تجاوزها نحو ثقافة حية تؤثر في الشأن العام (لا مجرد أكاديمية). إضافة الى إحياء الكونية في القول الفلسفي بواسطة تحويل الضاد (اللغة) إلى أداة فكر كوني يجمع الخصوصية بالشمول، عبر الاحتكام إلى العقل كمعيار، الاجتهاد، والانفتاح على الغيرية دون تبعية. يتطلب ذلك تدريباً على المقاومة، النقد، والبراكسيس (الفعل المرتبط بالنظر). كما ننادي بتثوير التربية والتعليم عبر إصلاح تعليم الفلسفة ليخرج من الثيولوجيا القديمة والتكرار، نحو مناهج معاصرة تدرب على الاستشكال، الهرمينوطيقا، والفينومينولوجيا، وتنتج وعياً نقدياً وإبداعياً. على هذا الأساس حصل ارتباط بين الثقافة التنويرية الملتزمة بالحراك الاجتماعي والديمقراطي ، كما أن الفلسفة عندنا تقاوم التبديد الديمقراطي، تنؤسن الخطاب الديني، وتربط بين الحرية والكينونة. كما تحتاج إلى “يقظة” جماعية عبر الانتفاضات الفكرية المتكررة، بناء دولة مدنية، وفك الارتباط بالتبعية. لكن الفاعلية البرهانية التي نتبناها ليست عودة ميكانيكية بل استئناف حضاري يعيد العقل إلى دوره الكوني: مقاومة السائد، إنتاج المعنى، وتحقيق إرادة الحياة. الفلسفة ضرورة وجودية “كالهواء” للخروج من الكهوف والانحطاط نحو التنوير الأصيل والإبداع. هذا مشروع جماعي يتطلب التزاماً وممارسة يومية، لا تنظيراً منفصلاً.

السؤال الثالث :هل ترى أن المشاريع النقدية السابقة (كالنهوض الرشدي أو التفكيك الأركوني) كانت مجرد استعارات، بينما نحن بحاجة إلى “أروقة معرفية جديدة على دعائم معاصرة”؟
نعم، نرى أن المشاريع النقدية السابقة — مثل النهوض الرشدي (ابن رشد كقمة البرهان العقلاني في الغرب الإسلامي) والتفكيك الأركوني — كانت خطوات أساسية وملهمة، لكنها لم تكن كافية في حد ذاتها، وغدت في بعض جوانبها استعارات تاريخية تحتاج إلى تجاوز. هذه المشاريع ساهمت في تثوير التراث، نقد العقل، وخلخلة الأنساق (كما في أركون والجابري وحنفي)، لكنها تعثرت أو بقيت أكاديمية، لم تتحول إلى ثقافة حية مؤثرة في الشأن العام، ولم تقم بـ”الاستئناف الحضاري الثاني” الكامل.
لذلك نحن بحاجة ماسة إلى “أروقة معرفية جديدة على دعائم معاصرة”. هذا يعني:
إعادة بناء كل الأروقة الأصيلة (الفقه، الكلام، البلاغة، التفسير، التصوف، الفلسفة) على أسس عصرية.
تحريك وهج السؤال والبدء من جديد في كل شيء.
إطلاق حركة الخلق والإبداع التي تدمج بين الكونية والخصوصية، وتجاوز الثنائيات الميتة (تراث/حداثة، شرق/غرب).
التركيز على البرهان العقلاني المعاصر المرتبط بالديمقراطية، الحرية، المواطنة، التنمية، والمدنية، مع أنسة الخطاب الديني وتجاوز التبعية.
الرؤية الإيجابية الرشدية تمثل ذروة البرهان، والأركونية تفكيكاً جريئاً، لكنهما يظلان محطتين في مسار أطول. المهم اليوم هو الاستمرارية النقدية التي تبني جيلاً جديداً قادراً على التواصل مع ما بعد الحداثة، الرقميات، والتحديات العالمية، مع الحفاظ على الهوية السردية لـ”حضارة اقرأ”. بهذا المعنى المشاريع السابقة ليست مجرد استعارات بل أعمدة أولية، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء أروقة معرفية جديدة تُحيي الكونية الفلسفية بالضاد، وتجعل الفلسفة مقاومة فاعلة وأداة لليقظة الحضارية. هذا يتطلب تثوير التربية، النقد المستمر، والانخراط في الواقع الاجتماعي — لا الاكتفاء بالتنظير. الفلسفة هنا ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية لاستعادة الفاعلية.

 

السؤال الرابع: كيف يمكن للعقل العربي أن يوازن بين أصالته وبين الانفتاح النقدي على الفكر العالمي دون السقوط في ثنائية التبعية أو الانغلاق الهوياتي؟
يوازن العقل العربي بين أصالته (خصوصيته) والانفتاح النقدي على الفكر العالمي من خلال كونية مغايرة — كونية تنويعية لا تقليدية — تتجاوز الثنائية الميتة (تبعية/انغلاق).
أساس التوازن يقوم على ما يلي:
الأصالة ليست انغلاقاً: الأصالة هي جذر حضاري (الضاد، التراث البرهاني الرشدي، البياني، العرفاني) يغذي الهوية السردية. لكنها تحتاج تثويرًا وتطهيرًا من الجمود والتقوقع، لتصبح لغة فكر حية لا مجرد لغة هوية.
الانفتاح ليس تبعية: الانفتاح النقدي يعني الترجمة، الحوار، والاطلاع على الغرب وما بعد الحداثة دون إعجاب أعمى أو انبطاح. يستوعب الكوني الإنساني (حرية، ديمقراطية، عدالة) مع نقده وإعادة صياغته داخل السياق العربي.
الآلية الرئيسية: الكونية كحل الكونية هي عالمية فعلية تحفظ الخصوصية داخل الوحدة، وتجعل الذات الجمعية قادرة على المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية. تتحقق عبر:
إعادة بناء الأروقة المعرفية (فقه، فلسفة، علوم) على دعائم معاصرة مع تحريك السؤال وإطلاق الإبداع.
البراكسيس النقدي: مقاومة العولمة المتوحشة والانغلاق المذهبي، فك الارتباط بالتبعية البنيوية، والتعويل على الذات.
جيل جديد يمارس نقدًا موضوعيًا ويضع مفاهيم خاصة (ثورة، مواطنة، سيادة) ضمن حوار عابر للثقافات.
بهذا المعطى التوازن ليس هجينًا أو وسطًا، بل استئناف حضاري يحول الخصوصية إلى مدخل للكوني، والانفتاح إلى أداة لتعزيز الأصالة. العقل العربي يخرج من السبات بالكونية الفلسفية بالضاد: مشاركة نقدية خلاقة، لا انصهار ولا انعزال. هذا الطريق الوحيد لليقظة والاستقلال الحضاري.

السؤال الخامس:طرحتم تمييزاً مهماً بين “مشهدية الناس” و*”منظورية العالم”*؛ كيف يوظف الخويلدي هذا التمييز في تفكيك آليات الوعي العربي الراهن؟
تم توظيف التمييز بين “مشهدية الناس” (الرؤية السطحية، الإدراك الحسي المباشر، الروايات اليومية والمرويات الجمعية المبنية على الظواهر الخارجية) و”منظورية العالم” (الرؤية الشمولية، البناء النشط للمعنى، الوعي النقدي بالمرشحات الثقافية والإبستمولوجية) كأداة فكيكية قوية لتحليل آليات الوعي العربي الراهن. إن تفكيك الوعي العربي يتم بتفكيك مشهدية الناس التي تهيمن على الوعي العربي المعاصر: تركز على “المشهد” (الإعلامي، السياسي، الاجتماعي) كسطح مرئي، روايات جاهزة، انفعالات جمعية، وتفسيرات مباشرة للأحداث (ثورات، أزمات، صراعات). هذا يجعل الوعي سلبيًا أو دفاعيًا، يبني واقعًا مشوهًا بالعواطف، الخوف، أو الوهم، ويؤدي إلى “سبات” أو “استقالة” حيث يُرى العالم “كما هو” دون نقد.
منظورية العالم غائبة أو ضعيفة: هي القدرة على بناء المعنى نشطًا، تحدي المرشحات (الثقافية، التاريخية، الإيديولوجية)، ورؤية العالم “كما نحن” — أي كبناء إبستمولوجي يدمج التراث مع الكوني. غيابها يفسر التناقض بين الثراء الحضاري والتردي الراهن: الوعي يبقى أسير “القصص” السلبية (انحطاط، تبعية، انقسام) بدلاً من روايات تمكينية.
تم استخدام هذا التمييز ليكشف كيف يشكل الوعي العربي الراهن نبوءات ذاتية :
مشهدية الناس تحول التحديات إلى تهديدات، بينما المنظورية تحولها إلى فرص للنمو والإبداع. يدعو إلى تحويل المشهدية إلى منظورية عبر:
الوعي الذاتي النقدي (تنمية البصيرة العقلية).
تحدي الافتراضات والروايات السلبية.
تبني عقلية نمو كونية تجمع الأصالة بالانفتاح.
ممارسة فلسفية تحول الإدراك من سلبي إلى بنّاء (تأمل، نقد، سرد بديل).
على هذا النحو يبدو الوعي العربي الراهن أسير مشهدية سطحية تجعله يرى “العالم كما هو” (مشهد فوضى وانحطاط)، بينما الخلاص في منظورية فلسفية تجعله يراه “كما نحن” — أي كمشروع كوني قابل للإعادة بناء. هذا التحول ضروري لليقظة الحضارية، إنتاج المعنى، واستعادة الفاعلية. العالم ليس مشهدًا ثابتًا، بل منظورًا يُصنع بالتفكير النقدي.

 

 

السؤال السادس:هل أزمة العقل العربي اليوم تكمن في “عجزه عن نحت مفاهيمه الخاصة” واكتفائه بدور الشارح للمفاهيم الغربية؟
نعم، تكمن أزمة العقل العربي اليوم — إلى حد كبير — في “عجزه عن نحت مفاهيمه الخاصة” واكتفائه بدور “الشارح” للمفاهيم الغربية (أو إعادة إنتاج الموروث بألفاظ مستحدثة). هذا يُعمق التبعية الإبستمولوجية ويحول العقل إلى مستهلك أو مترجم لا مبدع. غني عن البيان أن أسباب الأزمة تتجلى في
النقاط التالية:
الاكتفاء بالشرح: يغلب على الخطاب الفكري العربي المعاصر دور الشارح أو المفسر للمفاهيم الغربية (حداثة، ما بعد حداثة، عولمة) أو إعادة تأويل التراث بطريقة تبريرية، دون إبداع مفاهيمي أصيل ينبع من الواقع العربي ويُخصبه.
عجز عن النحت: ينتج عن “آفة إعادة الإنتاج”، الذاتية المتضخمة، والانغلاق، مما يمنع تشكل كونية مغايرة قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة (ثورة، تنمية، هوية).
حول سبل التجاوز ندعو إلى ما يلي:
إبداع مفاهيم خاصة: نحت مفاهيم جديدة (مثل “الهوية السردية”، “الكونية المغايرة”) تجمع الأصالة بالانفتاح، وتُحوّل الضاد إلى لغة فكر كوني.
التثوير والنقد: تجاوز الشرح إلى الكشف والمواجهة عبر تثوير التراث، نقد الأنساق، وإطلاق حركة الخلق (كما في مشاريع أركون والجابري، مع تجاوزها).
الكونية كأفق: بناء عقلانية عربية علمية حرة تنتج مفاهيمها الخاصة، تُشارك في الحوار العالمي دون تبعية، وتُعيد للعقل فاعليته البرهانية.
من هذا المنظور الأزمة ليست في التراث أو الحداثة بحد ذاتهما، بل في عجز العقل عن الإبداع المفاهيمي الذي يجعله فاعلاً لا شارحًا. التجاوز يتطلب استفاقة فلسفية تحول العقل من مستهلك مفاهيم إلى منتج كوني، شرط أساسي للاستئناف الحضاري والخروج من التبعية الفكرية. الفلسفة هنا أداة نحت وتحرير.

السؤال السابع: كيف يمكن تجاوز “الاستسهال المعرفي” وطغيان ثقافة الاستهلاك التي أصابت بنية التفكير العربي المعاصر بالسطحية؟
يمكن تجاوز “الاستسهال المعرفي” (التبسيط السطحي، الاكتفاء بالظواهر دون الغوص في الأعماق) وطغيان ثقافة الاستهلاك (التي تحول التفكير إلى سلعة سريعة الزوال، سطحية إعلامية، وانفعالية) — اللذين أصابا بنية التفكير العربي المعاصر — عبر تثوير آليات الوعي وإحياء الكونية الفلسفية كمقاومة جذرية. من بين أسباب الاستسهال والاستهلاك يمكن أن نذكر أن ثقافة الاستهلاك تحول المعرفة إلى “محتوى” سريع، يغلب عليه الإعلامي والتبسيطي، فيؤدي إلى تلف الوعي (مثل تلف الأعصاب): فقدان القدرة على الإدراك الحقيقي، استبدال التأمل بالانفعال، والنقد بالتكرار. هذا يعمق “السبات” و”الاستقالة”، ويحول العقل من فاعل برهاني إلى مستهلك سلبي.
سبل التجاوزيكون من خلال يلي :
التثوير المعرفي: إعادة بناء الأروقة المعرفية (فلسفة، تربية، علوم) على دعائم معاصرة، مع التركيز على البرهان والنقد الجذري بدلاً من السطحية. يتطلب ذلك تدريبًا على الاستشكال، الهرمينوطيقا، والفينومينولوجيا لتحويل الوعي من استهلاكي إلى إنتاجي.
الانتقال من المشهدية إلى المنظورية يتطلب القيام بالحركات الفكرية التالية:
تجاوز “مشهدية الناس” (الرؤية السطحية للظواهر) إلى “منظورية العالم” (بناء نشط للمعنى، تحدي المرشحات الثقافية، ورؤية العالم كمشروع قابل للإعادة تشكيل).
الفلسفة كمقاومة: الفلسفة “كالهواء” ضرورية لمقاومة الابتذال والعولمة المتوحشة. تتطلب وعيًا ذاتيًا، تحدي الافتراضات السلبية، وتبني عقلية نمو كونية تجمع الأصالة بالانفتاح النقدي.
دور التربية واللغة: تثوير التعليم ليخرج من التكرار إلى الإبداع، وتحويل الضاد من لغة هوية إلى لغة فكر كوني عميق.
الاستسهال والاستهلاك مرض حضاري يُعالج بالعودة إلى التفكير الفلسفي الحقيقي — الذي يبدأ من جديد، يحرك وهج السؤال، ويطلق الخلق. هذا يعيد للعقل العربي فاعليته، يحوله من مستهلك سطحي إلى منتج كوني، ويمهد لاستئناف حضاري يتجاوز السطحية نحو الأعماق والإبداع. الفلسفة هنا ليست ترفًا، بل علاج وجودي للوعي المريض.

 

السؤال الثامن: إلى أي مدى يعيق “تحالف المقدس الاجتماعي مع السياسي” تشكل عقلانية عربية علمية حرة؟
“تحالف المقدس الاجتماعي مع السياسي” يُعيق بشكل كبير تشكل عقلانية عربية علمية حرة، ويشكل أحد أبرز العوائق البنيوية أمامها. هذا التحالف يحول المقدس (الديني/الرمزي) إلى أداة سلطة سياسية واجتماعية، فيُفرغ العقل من استقلاليته ويُخضعه لمنطق التبرير والإقصاء بدلاً من النقد والبرهان.
لقد ذكرنا أن من بين آليات الإعاقة ما يلي:
احتكار المقدس: يؤدي إلى غلو ديني، لا تسامح مذهبي، وتفسير أحادي يغلب النقل على العقل، ويغلق أبواب الاجتهاد والتأويل. هذا يعمق “السبات” و”الاستقالة” العقلية، ويمنع تشكل عقلانية علمية قادرة على التعامل مع الواقع بموضوعية.
توظيف سياسي: يُستخدم المقدس لتبرير السلطة أو الفتن، فيحول الدين من مصدر أخلاق ومعنى إلى أيديولوجيًا تُخرب العمران وتُعيق التنوير. ينتج تصورات عقائدية مغلقة تُعمق التمزق الاجتماعي والفكري.
ثنائية ضارة: يعيق التوفيق بين الأصالة والحداثة، ويحول العقل إلى أسير ثنائيات (نقل/عقل، مقدس/مدنس) بدلاً من كونية فلسفية تجمع بينهما.
في هذا الإطار نرى أن التجاوز ممكنًا عبر:
أنسة المقدس وتأويله تاريخيًا (لا نهائية التأويل، التركيز على الأبعاد الإيتيقية).
فصل نسبي بين المقدس (كقيم إنسانية) والسياسي (كتدبير عقلاني للشأن العام)، مع الحفاظ على التسامح وحسن الضيافة بين الأديان والمذاهب.
إحياء الكونية الفلسفية: بناء عقلانية علمية حرة تجمع البرهان بالأصالة، تفتح على الحوار، وتدفع نحو الديمقراطية والشورى كممارسة عقلانية.
دور الفلسفة: مقاومة للاحتكار، تدريب على النقد والاجتهاد، وتحويل العقل من أداة تبرير إلى فاعل كوني مبدع.
جملة القول أن التحالف يعيق بقوة تشكل عقلانية عربية علمية حرة لأنه يُسيّس المقدس ويُقدّس السياسي، مما يُعيق الاستقلالية والنقد. التجاوز يتطلب تنويرًا أصيلاً يُعيد المقدس إلى أبعاده الإنسانية، ويُحرر العقل ليصبح برهانيًا كونيًا. الفلسفة هنا ليست رفاهية، بل شرط وجودي للاستيقاظ الحضاري والتحرر من أسر السلطة المزدوجة.

السؤال التاسع: هل ترى أن “الذاتية المتضخمة” في الخطاب الفكري العربي تحول دون التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية؟
نعم، نرى أن “الذاتية المتضخمة” في الخطاب الفكري العربي تُعيق إلى حد كبير التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية. هذه الذاتية (الفردانية المفرطة، النزعة الشخصانية، والانغلاق على الذات الجمعية أو الفردية) تحول المعرفة إلى تعبير ذاتي أو أيديولوجي، بدلاً من بناء معرفة موضوعية برهانية وكونية. كما أن من بين أسباب الإعاقة يمكن أن نذكر ما يلي:
الذاتية المتضخمة تحول العقل من أداة نقد واستكشاف موضوعي إلى مرآة للذات (تجارب شخصية، هويات مغلقة، انفعالات جمعية). هذا يُعمق “الاستسهال المعرفي” و”السطحية”، ويمنع الانتقال من الإدراك الحسي/المشهدي إلى المنظورية النقدية.
في الخطاب العربي: غلبة الذاتية تُفرز خطابًا يركز على الخصوصية الدفاعية أو الاحتفائية على حساب الكونية، مما يعيق بناء إبستمولوجيا علمية حرة قادرة على تجاوز التبعية والانغلاق.
نتائج: تصبح المعرفة نسبية ذاتية أو أيديولوجية، تفتقر إلى الموضوعية (البرهان، المنهج، التحقق)، وتُعيق الاستئناف الحضاري.
أما بخصوص سبل التجاوز فإننا ندعو إلى ما يلي:
الكونية الفلسفية: بناء إبستمولوجيا تجمع الذاتية (كأصالة وتجربة) بالموضوعية (كبرهان وانفتاح نقدي)، عبر تثوير التراث وإعادة بناء الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة.
الوعي الذاتي النقدي: تحدي الذاتية المتضخمة بـ”البصيرة العقلية”، التحول من المشهدية إلى المنظورية، وتبني عقلية نمو كونية.
الفلسفة كممارسة: تدريب على النقد، الهرمينوطيقا، والبرهان لتحرير المعرفة من الذاتية المفرطة وجعلها أداة فهم موضوعي للواقع.
الذاتية المتضخمة تعيق التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية لأنها تحول المعرفة إلى تعبير أناني أو جمعي مغلق، بدلاً من مشروع كوني مشترك. التجاوز ممكن عبر فلسفة نقدية تحول الذات من مركز مطلق إلى فاعل مشارك في بناء المعنى العالمي، مما يُعيد للعقل العربي فاعليته العلمية والحرة. هذا شرط أساسي لليقظة الحضارية.

السؤال العاشر: كيف ننتقل بالعقل العربي من نمط “الخطاب الاعتذاري والتبريري” إلى نمط “الخطاب الكاشف والمواجه”؟
الانتقال بالعقل العربي من “الخطاب الاعتذاري والتبريري” (الدفاعي، التوفيقي، إعادة الإنتاج للماضي بألفاظ مستحدثة) إلى “الخطاب الكاشف والمواجه” (النقدي الجذري، الكاشف للعلل، المواجه للواقع) ممكن عبر تثوير آليات التفكير وإحياء الكونية الفلسفية كممارسة مقاومة.
أسباب الخطاب الاعتذاري تكمن في النقاط التالية:
ينبع من “آفة إعادة الإنتاج” و”الغوغائية الانفعالية” التي تُلبس الموروث ألفاظًا جديدة لتبرير الواقع أو الدفاع عن “الأصالة” دون مواجهة أزماته.
يعكس “السبات” و”الاستقالة”، حيث يغلب التقليد والنقل على الاجتهاد، ويحول الفكر إلى خطاب غوغائي يُخفي التناقضات بدلاً من كشفها.
من بين آليات الانتقال يمكن أن نذكر ما يلي:
النقد الفلسفي الجذري: تبني مشاريع مثل نقد العقل (الجابري، أركون) لكن بتجاوزها نحو تثوير شامل يُكشف المسكوت عنه، يفكك الأنساق، ويواجه الواقع بلا تلقين أو تبرير.
الكونية كأفق: تحول الخطاب من خصوصية دفاعية إلى كونية مغايرة تجمع الأصالة بالانفتاح النقدي، وتُحوّل الضاد إلى لغة فكر مشاركة في بناء الحضارة الإنسانية.
البراكسيس والمقاومة: الفلسفة كفعل (لا مجرد نظر) — مواجهة الابتذال، العولمة المتوحشة، والانحطاط — عبر اليقظة، التعويل على الذات، وإنتاج سرديات تمكينية بدلاً من اعتذارية.
تثوير التربية والإعلام: بناء جيل يمارس النقد الموضوعي، يتحرر من التلقين، ويواجه التحديات بأدوات عقلانية.
من هذا المنطلق يتطلب الانتقال استفاقة كبرى تحول الفكر من دفاع تبريري (يُعيد إنتاج الماضي) إلى كشف مواجه (يُواجه الحاضر ويبني المستقبل). الفلسفة هنا “كالهواء” ضرورية للخروج من الكهوف، وتحقيق الاستئناف الحضاري عبر خطاب كاشف يُعيد للعقل فاعليته البرهانية والكونية. هذا مشروع تنوير أصيل يبدأ بالنقد الذاتي وينتهي بالفعل التحرري.

قد يعجبك ايضا