غمضة عين (مرثية بخمسة شبّان )

ماهين شيخاني

أخبروني…
وكان الخبرُ أثقلَ من قدرة القلبِ على التصديق،
أثقلَ من صمتِ الأمهاتِ عند عتباتِ المشافئ.
قالوا: كانوا خمسة.
خمسةُ شبّانٍ،
يحملون أعمارَهُم في حقائبَ من قماشٍ رخيص،
ويحملون لأمهاتِهم أحلامًا أكبرَ من جدرانِ الغرفِ الضيقة.
كانوا يتشاجرونَ على المقاعدِ كالعصافير،
ويتقاسمونَ الرغيفَ كالإخوةِ في حروبٍ قديمة،
ويضحكونَ…
كما لو أنَّ الموتَ لا يعرفُ طرقَ المدارسِ،
وكما لو أنَّ الغدَ وعدٌ لا يُكسر.

خرجوا في صباحٍ ككلِّ الصباحاتِ،
لوّحوا لأهاليهمْ بلا مبالاة،
وأغلقوا خلفَهُم أبوابَ البيوتِ،
دون أن يعلمَ أحدٌ أنَّ بعضَ الوداعِ… لا يتكررُ،
وأنَّ بعضَ الأبوابِ تفتحُ للريحِ فقطْ.
كان الطريقُ منهكًا،
حفرتْه الحوادثُ قبلَ العجلاتِ،
والإشاراتُ غائبةٌ،
كأنَّها استقالتْ من واجبِها مُنذُ زمنٍ،
أو كأنَّها اختارتْ أن تكونَ متفرجةً.

وكان الموتُ…
واقفًا عندَ المنعطفِ،
لا يحملُ منجلًا، ولا بندقيةً،
بل ينتظرُ إهمالًا صغيرًا…
يكفي.

وفي…
غَمْضَةِ عَيْنٍ.
انقلبتِ الضحكاتُ إلى صراخٍ،
وتحوّلتِ المقاعدُ إلى حطامٍ،
وكتبٌ مبعثرةٌ كأنَّ المعرفةَ نفسَها سقطتْ على الإسفلتِ.
وفي لحظةِ انكسارِ الزجاجِ،
انكسرَتْ ألفُ قلبٍ تحتَ الغبارِ،
لم تلتقطْها الكاميراتُ،
لكنَّ السماءَ رأتْها،
فاختارتْ أن تمطرَ باكيةً
ببطءٍ… كمنْ يقرأُ رثاءً فوقَ جثثٍ لا تُدفنُ.

استقبلَهم المشفى…
لا بأبوابِه المزدحمةِ،
بل بأنينِ ممراتِه القديمةِ،
وبصمتِ الأجهزةِ التي تراقبُ النبضَ،
كما تراقبُ الأمهاتُ السماءَ.
ركضتْ أمهاتٌ حافياتِ الدعاءِ،
يفتشْنَ في الوجوهِ عن وجهٍ واحدٍ يقولُ:
“إنها إشاعةٌ…”
لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أسرعَ من الدعاءِ،
وكانتْ أكثرَ إيلامًا من الصمتِ.

اثنانِ…
سبقَتْهما الملائكةُ إلى السماءِ،
قبلَ أن يسمعا كلمةَ: “مبروك”،
وقبلَ أن تكحلَ أعينُ أمهاتِهما بمشهدِ القلنسوةِ.
وثَلاثةٌ بَقُوا…
معلَّقينَ بينَ نبضِ الأجهزةِ،
ودعاءِ الأمهاتِ المصلوبةِ فوقَ الأسقفِ،
ورحمةِ ربٍّ لا يُساومُ.

ومنذُ ذلكَ اليومِ…
لم يَعُدِ المُنعَطَفُ مجرَّدَ طريقٍ.
صارَ شاهِدَ قبرٍ مفتوحًا على شارعٍ مزدحمٍ،
كلُّ سيارةٍ تعبرُه تسمعُ صدى ضحكاتِهم،
وكلُّ طالبٍ يحملُ حقيبتَه يمشي فوقَ أثرِ خطواتِهم.
أما المقاعدُ في الصفِّ…
فما زالَ اثنانِ منها فارغينِ،
لا يجلسُ عليهما أحدٌ،
ليس احترامًا للنظامِ،
بل لأنَّ الغيابَ صارَ أكبرَ من أنْ يملأَه طالبٌ آخرُ،
وكأنَّ الفراغَ نفسَه صارَ طالبًا.

ويقولُ الناسُ:
“قضاءٌ وقدرٌ.”
لكنَّ الطريقَ يرفضُ هذا العذرَ،
والإشارةُ المفقودةُ ترفضُه،
والحفرةُ التي لم تُرْدَمْ ترفضُه.
فالقَدَرُ لا يَسرِقُ الأرواحَ…
الإهمالُ هوَ الذي يَفعلُ.
الإهمالُ الذي ينامُ في مكاتبِ المسؤولينَ،
ويستيقظُ على جثثِ أطفالِنا،
ثمَّ يعودُ للنومِ تحتَ غطاءِ العباراتِ الجاهزةِ.

سلامًا لكمْ…
يا من رحلتمْ قبلَ أن تكتبوا آخرَ صفحةٍ من دفاترِ العمرِ،
يا من نمتمْ تحتَ ترابِ الوطنِ،
لكنَّ أسماءَكُم ستبقى سؤالًا
يطاردُ كلَّ مسؤولٍ،
وكلَّ من مرَّ من هنا ورأى الخطرَ…
ثم مضى صامتًا.
لأنَّ بعضَ الحوادثِ لا تقتلُ خمسةَ شبّانٍ فقطْ،
بل تفضحُ وطنًا بأكمله،
إذا اعتادَ أن يعلِّقَ أخطاءَه على شماعةِ القَدَرِ،
ويكتبَ على جبينِ الضحايا:
“ماتوا شهيدًا”،
لكنَّه ينسى أنَّ الشهادةَ لا تُمنحُ للإهمالِ.

وكلَّما مررْنا بذلكَ المُنعَطَفِ،
لا نرى إسفلتًا فقطْ،
بل نرى خمسةَ أرواحٍ تجلسُ على الرصيفِ،
تُرتِّبُ دفاترَها،
وتسألُ المارَّةَ:
“هل انتهى الإهمالُ؟”
فنُخفضُ رؤوسَنا خَجَلًا،
ونمضي كأنَّنا لم نسمعْ.

لكنَّ السماءَ…
ما زالتْ تمطرُ باكيةً،
وما زالتِ القلوبُ الألفُ تحتَ الغبارِ،
تخفقُ كلَّما مرَّتْ سيارةُ إسعافٍ جديدةٍ،
وتسألُ:
“هل آنَ الأوانُ… لنُدفنَ بأيدٍ غيرِ مُهملةٍ؟”

قد يعجبك ايضا