مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
سبق أن كتبتُ العديد من المقالات التي تناولت حجم التدخلات الخارجية في العراق، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي. بعض هذه التدخلات كان معلناً ورسميّاً، بينما جرى بعضها الآخر خلف الكواليس، عبر قنوات غير مباشرة أو من خلال وكلاء محليين ينفذون أجندات خارجية.
ولا يخفى على أحد أن المؤسسات الأمنية والاستخباراتية تؤدي دوراً أساسياً في حماية الأمن القومي، ومواجهة التحديات، وبناء علاقات التعاون والتنسيق مع الدول الأخرى. لكن عندما تتحول أجهزة الاستخبارات الأجنبية إلى أدوات للتأثير في القرار السياسي لدولة أخرى، فإن الأمر يصبح تدخلاً يمس سيادة تلك الدولة واستقرارها.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، كان للمملكة المتحدة دور بارز في رسم ملامح النظام السياسي العراقي خلال العهد الملكي. وبعد قيام النظام الجمهوري، ثم وصول حزب البعث إلى السلطة، وصولاً إلى سقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان/أبريل 2003، مرّ العراق بمحطات سياسية وأمنية معقدة، كان كثير منها مرتبطاً بصراعات إقليمية ودولية، ولعبت فيها أجهزة الاستخبارات أدواراً متفاوتة.
وبعد عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة اتسمت بالانفتاح والتعددية الحزبية. فظهرت عشرات الأحزاب والحركات السياسية والدينية تحت مسميات وشعارات مختلفة، مستفيدة من سهولة الحصول على إجازات تأسيس الأحزاب والمنظمات. وفي الوقت نفسه، أصبحت الساحة العراقية أكثر انفتاحاً أمام النفوذ الخارجي، الأمر الذي أتاح لبعض القوى الإقليمية والدولية توسيع نفوذها عبر دعم شخصيات أو أحزاب أو جماعات تعمل بما ينسجم مع مصالحها.
وقبل سقوط النظام السابق، كانت قوى المعارضة العراقية معروفة إلى حد كبير. فقد كانت الأحزاب الكوردية تنشط في إقليم كردستان، بينما كانت غالبية الأحزاب الإسلامية الشيعية تعمل من إيران وسوريا، إلى جانب شخصيات وقوى سنية معارضة تقيم خارج العراق. أما بعد عام 2003، فقد شهد العراق ولادة مئات الأحزاب والمنظمات، وانشقاق العديد من القوى السياسية وتأسيس كيانات جديدة، الأمر الذي خلق بيئة سياسية معقدة ومتشابكة، يسهل فيها اختراق المشهد السياسي من قبل أجهزة استخبارات خارجية.
إن هذا التشابك في المصالح، وتعدد الولاءات، حول العراق إلى ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية، وأصبح الشعب العراقي هو من يدفع الثمن، سواء من أمنه أو اقتصاده أو استقراره الاجتماعي.
وفي هذا السياق، استوقفني تصريح الخبير الأمني العراقي (عدنان الكناني)، الذي قال؛ إنه خلال عمله في المجال الأمني كان هناك 28 جهاز استخبارات دولي وإقليمي ينشط داخل العراق.
وإذا صحّ هذا الرقم، فإنه يمثل مؤشراً بالغ الخطورة، لأنه ينقل الحديث عن وجود نشاط استخباراتي أجنبي من دائرة التحليلات والتكهنات إلى مستوى تصريح صادر عن شخصية عملت في المؤسسات الأمنية العراقية.
لقد مضى أكثر من اثنين وثلاثين عاماً والعراق لم يحقق الاستقرار الكامل، لا أمنياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً. كما أن الصراعات المتواصلة تركت آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي والثقافي، وأضعفت الثقة بين مكونات المجتمع، وأعاقت مسيرة التنمية وبناء الدولة.
ويبقى السؤال المشروع: إذا كانت عشرات أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية تنشط داخل العراق، فهل يمكن أن يكون البلد بمنأى عن صراعات المنطقة؟ وهل ستسهم هذه الأجهزة في حماية استقرار العراق، أم أنها ستجعله ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة؟
إن العراق اليوم بحاجة إلى ترسيخ سيادته الوطنية، وتعزيز مؤسساته الأمنية بعيداً عن الولاءات الخارجية، واعتماد سياسة متوازنة تحفظ مصالحه أولاً. فاستمرار تحوّل العراق إلى ساحة للصراعات لن يخدم إلا القوى المتنافسة، بينما يبقى المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن الأزمات والحروب وعدم الاستقرار.
ويبقى المستقبل مرهوناً بقدرة الدولة العراقية على حماية قرارها الوطني، ومنع أي جهة خارجية من تحويل أرض العراق إلى ميدان للصراع بالوكالة، لأن أمن العراق واستقراره يجب أن يكونا فوق جميع المصالح الإقليمية والدولية.