في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الرابع عشر
أبجديّةُ الوَفاء

تُخطِئُ الظنون حين تحسبُ أن المرء يكتشف محبوبته بفعل الصدفة؛ إنما هو انجذابُ أرواحٍ أزلِيّ، تماماً كما يهتدي “ندى الفجر” إلى قَلبِ الوردةِ الغافية، لا ليقتحمَ خِدرَها، بل ليمتزجَ بأنفاسِها ويستحيلَ معها عطراً واحداً. ومن ذا الذي زعم أن للحب ساحلاً يُدرَك؟ إنكِ بحرٌ بلا أفق ، كلما غُصتُ في مجاهلِ حُسنهِ، أدركتُ أنني لا أزالُ على شِفاهِ المبتدأ… فما أبهى ضياعي فيكِ، وما أروعَ الفناءَ في أمواجكِ الدافئة….

عوالِمُكِ السريةُ حقولٌ من الياقوتِ الغارقِ في أثيرِ البهاء؛ تنكسرُ عندها السطور، وتستحي الحروفُ أن تدّعي الإفصاح أمامَ سَكينةِ وجهكِ. وليس للروحِ حينها إلا أن تلوذَ بلغةِ الوجد… لغةِ العناقِ الصامت. لعلنا عرفنا هذا السرَّ منذ نعومةِ أحلامنا؛ يومَ كانت الطفولةُ تبتكرُ لنا ضحكاتٍ غَضّة، وتنسجُ من ورق الشجرِ جدراناً تسلّقناها لنطلَّ منها على غدِنا المُشترك، حتى غدت محبتُنا ميثاقاً قُدسيّاً لا تحلُّه الأيام.

يا ملهمتي…لقد نفثْتِ في صدري لغةً لم تكن في قواميس البشر؛ رفعتِني بها إلى أفقٍ يجلُّ عن الخصام، وينأى عن العِتاب. كنتِ وما زلتِ تنادينني بأسماءٍ ابتكرها الشوقُ وحدَه، تمائمَ دافئة تُحصّنُ فؤادي من هجيرِ الحياة وسَوداويةِ الفراق.

وفي وسط هذا الوجد، أجدُ روحي في هواكِ كأنها النحلة العاشقة؛ لا تكتفي بجمع الشهد، بل تهبُ زهرتها الأثيرية عهداً سرمدياً بالوفاء، تدور في فلكها، وتستمد من أريجها طاقة الحياة والحنيـن….

أترُكُ الأوهامَ خلفي حين أذكرُ عينيكِ؛ تلكما العينان اللتان طالما هَمَسَتا لي بأمانٍ عميق: “إنّ روحينا كُتِبَتا في صحيفةٍ واحدة، فلن يفرّقَنا مسار.”

قولي لي … أين الطريقُ إلى لغةِ العصافير التي تتقنين السحرَ بها؟ أين الأبجديةُ التي تبادلناها في لفتاتِنا، وتلك الرقصةُ الأثيريةُ التي تعزفُها نغمات صوتك فتستكينُ لها شجوني ….

أنا في عشقكِ كعابرِ سبيل وجدَ طريقٍ ينبوعَهُ الأبدي؛ كلما ارتوى منه، تلاقت في أعماقهِ لوعةُ الشوقِ مع حلاوةِ الوصول، في سرٍّ لا يفهمه إلا من سَكَنَ الحُبُّ فؤاده….

إن كان جنونُ الشوقِ يحملُنا أحياناً إلى أبعادٍ تعجزُ المعاجمُ عن تعليلها، فإن بين مَدِّ حنانكِ وجَزرهِ موجةً دافئةً تضمُّنا معاً، تستردُّنا من غُربةِ الكلماتِ إلى أمانِ الحضن. كوني معي دائماً… فالروحُ بغيرِ نورِكِ طائرٌ غريبٌ يبحثُ عن سماء….

قد يعجبك ايضا