عبدالكريم مراد
في مَرحلةٍ تَتَشابكُ فيها المصالِحُ وتَتَقاطعُ فيها الرُّؤى، تَبرُزُ الحاجةُ إلى خِطابٍ عَقلانيٍّ يَبتعِدُ عن التوتُّر ويَقتَرِبُ من مُعالَجةِ جُذورِ المُشكلات. وما تَعيشُهُ مُحافَظةُ الحَسَكَةِ اليومَ ليس مُجرَّدَ أَزمةٍ عابرة، بل هو انعكاسٌ لِتَعقيداتٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ تَراكَمَت عبرَ سَنواتٍ طويلة، تَتطلَّبُ مُقارَبةً حَكيمةً ومسؤولةً من جميع الأطراف.
مَن يَسعى إلى التسلُّطِ عبرَ إِذكاءِ نارِ الفِتنةِ، إِنَّما يَزرعُ بُذورَ فَشلِ مُخطَّطاتِهِ بِيَدِهِ؛ فالفِتنةُ كالنارِ في الهَشيم، يُشعِلُها الجُهَلاءُ، ويَعجِزُ العُقلاءُ لاحقاً عنِ احتوائِها. ولذلك، لا يَنبغي للمَرءِ أن يَستنزِفَ نَفسَهُ في تَبريرِ مَواقِفِهِ أو مُحاولةِ إِقناعِ مَن لا يُريدُ أن يَفهَم، لأنَّ الحَقيقةَ لا تَحتاجُ إلى ضَجيجٍ كي تُثبِتَ نَفسَها. كما أنَّ مُحاولاتِ فَرضِ النُّفوذِ عبرَ تَأجيجِ الخِلافاتِ لن تُؤدِّيَ إلّا إلى تَعميقِ الأزماتِ وتَعقيدِ المَشهد، فالتجاربُ أَثبَتَت أنَّ إِشعالَ الفِتَنِ سَهلٌ، لكنَّ احتواءَ نَتائجِها صَعبٌ ومُكلِفٌ على الجَميع. ومن هنا، تَبرُزُ أَهميّةُ تَغليبِ لُغةِ الحِوارِ والعَقل، والابتعادِ عنِ الخِطاباتِ التي تَزيدُ من حِدَّةِ الانقسام.
وعلى الصعيدِ المَعيشيِّ، تُعاني مُحافَظةُ الحَسَكَةِ من أَوضاعٍ صَعبةٍ تُثقِلُ كاهِلَ المواطنين، في ظِلِّ تَراجُعٍ واضِحٍ، أو غِيابٍ شِبهِ كامِلٍ، في مُستوى الخِدماتِ الأَساسيّة. فالكهرباءُ والمياهُ ومَصادِرُ الطّاقةِ تَشهَدُ نَقصاً حادّاً، إِن لم نَقُل شِبهَ مَعدومة، وما يَتوفَّرُ منها يُثقِلُ كاهِلَ المواطنِ بِأَسعارٍ تَفوقُ قُدرَتَه، الأمرُ الذي جَعَلَ الحياةَ اليوميّةَ عِبئاً ثقيلاً على الناسِ الذين أَنهَكَتهُم سَنواتٌ طويلةٌ من المُعاناة، والأزماتِ المُتلاحِقة.
وفي خِضَمِّ هذه الأزمات، تَبرُزُ تَعقيداتُ المَشهدِ السّياسيِّ والاجتماعيِّ، حيثُ تُحاولُ بَعضُ القُوى إِعادةَ إِنتاجِ أَدوارِها القديمةِ بِوُجوهٍ جديدة، دونَ مُراجعةٍ حقيقيّةٍ لِمسؤوليَّتِها عن إِخفاقاتِ المرحلةِ السّابقة. كما أنَّ آليّةَ تَعيينِ المسؤولين، التي تَعتمِدُ في كثيرٍ من الأحيانِ على الانتماءِ السّياسيِّ بدلاً من الكَفاءةِ والخِبرة، تُثيرُ مَخاوفَ مَشروعةً من إِعادةِ إِنتاجِ السّياساتِ ذاتِها التي أَثبتَت فَشلَها سابقاً. وهذا الأَمرُ يَستدعي مُراجعةً جادّةً تَضمَنُ تَحقيقَ التَّوازُنِ بين مُتطلّباتِ الإِدارةِ الفاعِلة وتمثيلِ مُختلِفِ مُكوّناتِ المجتمعِ بشكلٍ عادلٍ ومُنصِف.
وفي هذا السِّياق، تَتحمَّلُ الجِهاتُ الحُكوميّةُ مسؤوليّةً كبيرةً في إِدارةِ هذه المرحلة، سواءٌ من خلالِ تَوسيعِ دائرةِ المُشاركةِ السّياسيّة، من خلالِ حَصرِ تمثيلِ الكُرد، بوصفِهم مُكوّناً أَساسياً، بطرفٍ واحد، أو عبرَ بُطءِ الاستجابةِ لِمُعاناةِ المواطنين. حيثُ يجبُ العَمَلُ على تَحسينِ الواقعِ الخِدميِّ والمَعيشيِّ بشكلٍ مَلموس. كما أنَّ السُّلطاتِ المحليّةَ مُطالَبةٌ بإِعطاءِ الأولويّةِ لِاحتياجاتِ المواطنينَ اليوميّة، بدلاً من الانشِغالِ بِمَظاهرَ شكليّةٍ لا تَمَسُّ جوهرَ مُعاناةِ الناس، بوصفِها المَدخَلَ الأَساسيَّ لاستِعادةِ الثِّقةِ وتَعزيزِ الاستِقرار.
إِنَّ مُعالَجةَ هذه التحدّياتِ لا يُمكنُ أَن تَتمَّ إلّا من خلالِ رُؤيةٍ شاملةٍ تقومُ على الحِكمةِ والتَّوافُق، لأنَّ استِمرارَ هذا الواقعِ يُنذِرُ بِمزيدٍ من الاحتِقان، خاصّةً في ظِلِّ شُعورٍ عامٍّ بِفِقدانِ الثِّقةِ وغِيابِ الأُفُق. تلك الرُّؤيةُ التي تَسعى إلى بِناءِ بِيئةٍ قائمةٍ على التفاهمِ والتَّعايُشِ بين جميعِ مُكوّناتِ المجتمع، بِمُقارَبةٍ شاملةٍ تُعالِجُ جُذورَ المُشكلةِ لا مَظاهرَها فقط، لأنَّ إِزالةَ أَسبابِ التوتُّرِ وتَعزيزَ الثِّقةِ المُتبادَلةِ يُمثّلانِ حَجَرَ الأَساسِ لأيِّ عمليّةِ استِقرارٍ حقيقيّة.
ومن هنا، تَبرُزُ أَهميّةُ إِطلاقِ حِوارٍ وطنيٍّ جامِعٍ يَضمُّ مُختلِفَ الأطراف، بِهدفِ إِزالةِ أَسبابِ الكَراهية، وتَجاوُزِ آثارِ المرحلةِ الماضية، ووَضعِ أُسُسِ مرحلةٍ جديدةٍ تقومُ على الشَّراكةِ والعَدالةِ واحترامِ التنوّع. فبِناءُ مُستقبلٍ مُستقرٍّ ومُزدهِرٍ يَتطلَّبُ إِرادةً جَماعيّةً صادقةً تُعطي الأولويّةَ لِمَصلحةِ المجتمعِ فوقَ كُلِّ اعتبار.
لقد عانى أَبناءُ هذه المنطقةِ ما يَكفي من الظُّلمِ والحِرمانِ خلالَ العُقودِ الماضية، وهم بِأمسِّ الحاجةِ اليومَ إلى خُطواتٍ عمليّةٍ تُعيدُ لَهُم الأملَ بالحياةِ الكريمة. فَقَد آنَ الأوانُ لأن تُمنَحَ لَهُم فُرصةٌ حقيقيّةٌ للحياةِ بِكرامة، بَعيداً عن صِراعاتِ النُّفوذِ ومشاريعِ الهيمنة، نحوَ مُستقبلٍ آمنٍ يَليقُ بِتَضحياتِهِم وصُمودِهِم.
فالتاريخُ لا يَرحمُ مَن يُكرِّرُ أَخطاءَه، ولا يَمنحُ الاستِقرارَ لِمَن يَتجاهلُ دُروسَه.