حين يتحول الأستاذ إلى خصم للتاريخ

ماهين شيخاني

من حق أي باحث أن يراجع التاريخ، وأن يناقش الروايات السائدة، وأن يختلف مع غيره في تفسير الوقائع. لكن ليس من حق أحد، مهما علت درجته العلمية، أن يستبدل البحث العلمي بأحكام ازدرائية تطعن في شعب كامل، وتصفه بالبدائية، وتختزل آلاف السنين من تاريخه في “بضع صفحات”.
إن التاريخ لا يُقاس بعدد الكلمات التي يكتبها المؤرخ، بل بعمق التجربة الإنسانية التي عاشها الشعب.
فهل يمكن اختزال تاريخ الكورد، الممتد على جبال زاغروس وطور عابدين وهكاري وبوتان، في بضع صفحات؟
وهل تُمحى حضارات بأكملها لأن أصحابها لم يؤسسوا إمبراطورية استعمارية؟
إن منطق “الشعوب المتحضرة” و”الشعوب البدائية” تجاوزته الدراسات التاريخية منذ عقود، لأنه ينتمي إلى أدبيات القرن التاسع عشر التي استخدمتها القوى الاستعمارية لتبرير الهيمنة على الشعوب.
أما الادعاء بأن الكورد لم يتركوا أثراً حضاريًا، فهو يتجاهل حقائق موثقة.
فصلاح الدين الأيوبي، الذي وحّد مصر والشام وهزم الصليبيين في حطين، كان قائدًا مسلماً وكوردياً في آن واحد، ولا يوجد تعارض بين انتمائه الإسلامي وأصوله الكوردية، كما لا يُنكر أحد عروبة خالد بن الوليد لأنه كان مسلماً، ولا تُمحى تركية محمد الفاتح لأنه حمل راية الإسلام.
والتاريخ الكوردي لا يبدأ بصلاح الدين ولا ينتهي به.
هناك إمارات كوردية حكمت قروناً، مثل إمارة بدليس، وبابان، وسوران، وبهدينان، وبوطان، وأردلان، وغيرها، وتركت نظمًا إدارية وأدبية وسياسية موثقة في المصادر العثمانية والفارسية والعربية والأوروبية.
أما القول إن الكورد “لا لغة متكاملة لهم”، فهو يتناقض مع الدراسات اللغوية الحديثة التي تُصنف الكوردية ضمن اللغات الهندو-إيرانية، ولها لهجاتها وآدابها وقواعدها، وأنتجت أعمالًا خالدة مثل مم وزين لأحمد خاني في القرن السابع عشر، وشرفنامة لشرفخان البدليسي في القرن السادس عشر، فضلاً عن تراث شعري وأدبي غني يمتد لقرون.
وأما الادعاء بعدم وجود تراث معماري أو ثقافي، فهو يغفل عشرات القلاع والمساجد والمدارس والخوانق والجسور التاريخية المرتبطة بالإمارات الكوردية، كما يتجاهل التراث الشفهي الكوردي، الذي اعترفت الدراسات الأنثروبولوجية بقيمته بوصفه أحد أغنى التقاليد الشفهية في الشرق الأوسط.
وأغرب ما في المقال، محاولة تفسير أصول بعض الأسر الكوردية على أنها عربية، وكأن الأصل العرقي يمنح أو ينزع الهوية القومية. فالتاريخ مليء بالتداخلات والهجرات والمصاهرات بين العرب والكورد والترك والفرس، ولا يمكن بناء استنتاجات قومية على روايات نسب متنازع عليها.
إن الدفاع عن التاريخ لا يكون بتشويه تاريخ الآخرين.
والاعتزاز بالحضارة العربية لا يحتاج إلى نفي الحضارة الكوردية.
كما أن الاعتراف بإسهامات الآشوريين أو الأرمن أو الفرس أو العرب لا يستوجب إنكار إسهامات الكورد.
فالحضارة الإنسانية ليست مسابقة لإلغاء الآخر، بل تراكم مشترك شاركت فيه شعوب المنطقة جميعًا، كل بحسب ظروفها الجغرافية والسياسية.
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يناقش الوقائع، بل يصنع صورة نمطية عن شعب بأكمله، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد البحث الأكاديمي، التي تقتضي التمييز بين النقد العلمي والأحكام المسبقة.
ويبقى السؤال:
إذا كان الشعب الكوردي، كما يدّعي الكاتب، بلا تاريخ ولا ثقافة ولا لغة ولا تراث، فكيف استطاع أن يحافظ على هويته ولغته وذاكرته الجماعية عبر قرون من الانقسام السياسي، وسياسات الصهر، والمنع، والتهجير؟
إن الشعوب لا تبقى حيّة كل هذا الزمن بالفراغ، وإنما تبقى لأن لها جذوراً عميقة، وهوية راسخة، وتاريخاً لا يستطيع مقال، مهما كان عنوان صاحبه، أن يمحوه.

قد يعجبك ايضا