سيناريو التاريخ البديل: كيف كان لو انضم الكورد لاتفاقية “فيصل – وايزمان” عام 1919؟

د.خليل مصطفى عثمان

في الثالث من كانون الثاني عام 1919، وفي أروقة مؤتمر باريس للسلام، شهد العالم توقيع وثيقة دبلوماسية فريدة من نوعها في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وهي اتفاقية فيصل – وايزمان. وبعيداً عن التفسيرات التقليدية التي اختزلت هذا الحدث في إطار “المناورة السياسية” أو “حُسن النية المفرط”، تُكشف القراءة التحليلية لنص الاتفاقية وسياقها الزمني عن لحظة فكرية واستراتيجية غير مسبوقة؛ لحظة سعى فيها الطرف العربي لإعادة تعريف آليات الشراكة الإقليمية وإدارة المصالح في مرحلة ما بعد الدولة العثمانية.
لم يكن التفاهم بين الأمير فيصل بن الحسين (ممثلاً عن المملكة الحجازية والولايات العربية) وحاييم وايزمان (رئيس المنظمة الصهيونية العالمية) مجرد اتفاق حسن جوار، بل كان قائماً على رؤية اقتصادية وتنموية متبادلة. ففي تلك اللحظة المفصلية، كان المشروع الهاشمي يطمح لتأسيس دولة عربية حديثة وممتدة، لكنها كانت تفتقر إلى البنية التحتية ورأس المال والخبرات التقنية اللازمة لإعادة بناء المنطقة. ومن هنا، تبدّت في بنود الاتفاقية رؤية عربية متقدمة ارتكزت على معادلة تقوم على تقديم العرب للمشروعية السياسية، الجغرافيا التناغمية، وحق التعايش السلمي في إطار المنطقة، مقابل جذب الاستثمارات، والخبرات الزراعية والصناعية، والتقنيات الغربية التي وعدت بها الحركة الصهيونية لتطوير الاقتصاد العربي العام.
لقد نصت المادة (7) من الاتفاقية صراحة على إرسال خبراء اقتصاديين لمعاونة الدولة العربية الحديثة، مما يعكس تعاطياً عربياً مبكراً مع الحركة الصهيونية كـ “مُحفز تنموي” يمكن التنسيق معه لبناء تكتل إقليمي قوي يخدم التنمية المستدامة.
وإلى جانب البعد التنموي، حملت الاتفاقية بُعداً دبلوماسياً نادراً ما يُسلّط الضوء عليه؛ ففي وقت كانت فيه عواصم القرار الغربية (مثل لندن وباريس) تتلكأ في تنفيذ تعهداتها للعرب بالاستقلال، كان الصوت والترابط الصهيوني في تلك العواصم يمتلك نفوذاً متزايداً. سعى الأمير فيصل من خلال هذه الاتفاقية إلى ممارسة ما يُعرف بـ “الدبلوماسية الإقليمية الذكية”، وهي توظيف هذا النفوذ الصهيوني للضغط على بريطانيا والحلفاء للوفاء بوعودهم بمنح العرب استقلالهم الكامل. فالاتفاق المباشر بين الطرفين كان يبعث برسالة جازمة لمؤتمر باريس للسلام مفادها أن الطرفين المعنيين في الشرق الأوسط قد وصلا إلى صيغة للتفاهم والتعاون، مما يسقط أي حجة للدول الكبرى في حجب الاستقلال السيادي عن العرب.
كما أظهر النص الإنجليزي للاتفاقية انضباطاً عالياً في صياغة مفهوم التعاون والتكامل. فبينما نصت المادة (4) على التسهيلات الخاصة بتشجيع هجرة اليهود وتوطينهم، أدرجت صياغة متوازنة تنص صراحة على ضرورة حماية حقوق الفلاحين والمزارعين العرب وصيانة حرياتهم الدينية والاقتصادية.
جعلت هذه الصيغة من التعاون العربي-الصهيوني نموذجاً مبكراً قائماً على مبدأ المصلحة المتبادلة دون إجحاف، حيث أبدت القيادة العربية مرونة فائقة وقبولاً مبدئياً بالهجرة والتوطين اليهودي المنظم، بشرط أن يندمج ذلك في إطار التنمية العامة للمنطقة ولا يمس أصحاب الأرض الأصليين.
تظل اتفاقية “فيصل – وايزمان” وثيقة تاريخية استثنائية تشهد على أن الموقف العربي الأول لم يُبنَ على عداء مُسبق أو رفض دغمائي، بل على رؤية براغماتية متكاملة تتطلع لشراكة تنموية ودبلوماسية متكافئة.
لقد رسمت الاتفاقية نموذجاً مبكراً لكيفية إدارة العلاقات الإقليمية بناءً على المصالح المشتركة والسيادة المتبادلة والاحترام المشترك للحقوق.

غير أن القراءة العميقة في التاريخ البديل تفتح باباً لتساؤل استراتيجي مغفول عنه؛ ماذا لو انضم الكورد كـ “ضلع ثالث” في تلك اللحظة المفصلية لتتحول الوثيقة إلى اتحاد إقليمي ثلاثي يجمع العرب والكورد واليهود قبل أن تترسخ حدود سايكس بيكو؟
إن انضمام الكورد إلى هذه المعادلة كان سيغير وجه الشرق الأوسط الجيوسياسي بشكل جذري، إذ كان سيتشكل “تكتل شرقي ثلاثي” ناد المكونات يقف في وجه الهيمنة الأوروبية، يرتكز على العمق الجغرافي والشرعية السياسية العربية، والنفوذ الدبلوماسي ورأس المال والتكنولوجيا التي يمتلكها اليهود، بالإضافة إلى العمق الجيواستراتيجي والموارد الطبيعية والمائية والنفطية الهائلة التي يمتلكها الكورد في جبال زاگروس وتوروس.
هذا التوازن كان سيمنح المنطقة كتلة مفاوضة صلبة أمام الدول الكبرى في باريس تجعل من الصعب فرض نظام الانتداب أو تقسيم التركة العثمانية بقسوة.
وعلى الصعيد السياسي والمؤسسي، كان هذا المنعطف سينهي “المسألة الكوردية” في مهدها، ويمنع نشوء عقدة الشتات الكوردي الموزع بين أربع دول. فدخول الكورد في هذا التفاهم كان سيضمن اعترافاً إقليمياً ودولياً مبكراً الكيانية الكوردية، سواء في إطار دولة ذات حكم ذاتي أو ضمن كنفدرالية مشرقية جامعة متحالفة مع الدولة العربية الموحدة، مما كان سيوفر على المنطقة عقوداً طويلة من الصراعات المسلحة واستنزاف الطاقات البشرية والاقتصادية بين أبنائها.
كما أن هذا الحلف الثلاثي كان سيُحدث قفزة تنموية واقتصادية غير مسبوقة بفضل التكامل الفريد بين مثلث الإنتاج المتمثل في نفط ومياه كوردستان، والأراضي الزراعية والموانئ المشرقية، والخبرات التقنية والرأسمالية المجلوبة. وكان هذا التكتل المتماسك سيقطع الطريق على أطماع فرنسا في الشام وشماله، ويضع حداً للمشاريع القومية الإقليمية المجاورة التي استغلت الملف الكوردي، مثبتاً حدوداً جنوبية استراتيجية وآمنة للمنطقة برمتها.
ختاماً، كان دخول الكورد سيعيد صياغة الفلسفة الحاكمة للهوية المشرقية؛ فبدلاً من صعود القوميات الأحادية والإقصائية كردود أفعال متقابلة، كان الشرق الأوسط سيُبنى كـ “فضاء حضاري متعدد القوميات” تتكامل فيه الطاقات تحت مظلة التنمية والسيادة المتبادلة. إنها فرصة تاريخية ضائعة تحول فيها الشرق الأوسط من مشروع قطب تنموي عالمي متكامل إلى ساحة للصراعات الاستعمارية والإقليمية التي لا نزال نعيش آثارها حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا