“الوعي الوطني: صراع الهوية المؤسسية والتعصب العشائري”

روژهات رمضان هاجاني

تختلف صياغة الوعي والفهم الوطني من مجتمع إلى آخر، وقد أصبحت هذه الكلمة بحد ذاتها في بداية تاريخ الدول الحديثة (وستفاليا) الأساس الرئيسي، وسبباً لارتفاع مستوى التقدم وحماية هوية الشعوب. الأرض هي مساحة مقدسة تداخلت فيها التاريخ، الثقافة، الهوية والتضحيات التي قدمتها أجيال عديدة. وإن مستوى الاهتمام المجتمعي بالأرض والشوط هو مقياس لقوة واستقرار واستمرارية الدول.
لكن للأسف، عندما نقارن مجتمعنا ببعض المجتمعات المجاورة، نرى أنه لا تزال هناك عوائق وعراقيل وصعوبات كبيرة أمام وجود شعور وطني حقيقي، وأكثرها انتشاراً وخطورة هي “التعصب العشائري”، وهذا بدوره نتيجة مرة لضعف “سيادة القانون” (Rule of Law) وقلة الثقة بالمؤسسات الرسمية.
إذا سلطنا الضوء على مثال مثل دولة إيران، فإن أبسط حقيقة هي أن فهمهم للوطن والنقطة الوطنية قد بلغ مستوى عالياً بحيث أن حماية الدولة والأرض تأتي قبل كل شيء. عندما رأى الفرس قادتهم يُقتلون الواحد تلو الآخر والقصف مستمراً على منازلهم، وفي أتون الأزمات السياسية والصعبة، كان الشعور بحماية الوطن يحث الناس على تقديم تضحيات جسيمة ومواجهة مخاطر الموت، لأن بالنسبة لهم (بقاء الوطن هو بقاء لهويتهم نفسها)، وأثبتوا أنهم مجتمع واعٍ ومدرك؛ وهذا أيضاً شكل من أشكال “الشعور القومي الموجه” الذي تتقدم فيه المصلحة العامة وحماية كيان الدولة على المصالح الخاصة والعائلية وحتى الأحزاب السياسية.
لكن للأسف الشديد، في مناطقنا (كوردستان والعراق)، لا تزال السلوكيات ومفاهيم البنية التحتية الاجتماعية والنفسية للمجتمع في مستوى الوطنية لم تصل بعد إلى مرحلة “النضج السياسي” (Political Maturity). ففي العديد من الأماكن والظروف، تسبق مصلحة واسم العشيرة، أو القيادة والقوة العشائرية، الدولةَ على حساب سيادة القانون والمصلحة العامة. وفي بعض الأحداث، يرى المرء أن “دون-القومية” (Sub-nationalism / القومية الفرعية) أو الهوية العشائرية قد تفوقت على الهوية الوطنية، وهذا بدوره يعيق بناء “دولة المؤسسات” (Institutional State).
هذا السبب لا يضعف الدولة كقوة حامية فحسب، بل يجعل وجود الشعب نفسه موضع تساؤل. عندما يكون الفرد في مجتمع ضعيفاً ولا يشعر بأن الدولة والوطن هما حصنه الحامي، فإنه يلجأ إلى هويات فرعية (مثل العشيرة، الحزبية المتطرفة، أو البدائل المذهبية والدينية)، وهذه السم بحد ذاتها هي سبب تفكك “العقد الاجتماعي” (Social Contract) بين المواطن والدولة. وعندما يفشل العقد الاجتماعي، تزول الدولة ولا يبقى سوى العشيرة والأطراف الوهمية.
لكن لكي نخرج من هذه الأزمة الفكرية والاجتماعية، نحتاج اليوم إلى إدارة عملية وعي وطني، من خلال تعليم صحيح ومحديث، وإعلام وطني ومحايد، وسيادة القانون على جميع قوى البنية التحتية والعشائرية بدون (استثناء). إلى أن نتعلم أن “الدولة” و”الوطن” يأتيان قبل كل شيء، وإلى أن لا تصبح العشيرة داعمة ومساندة للقانون، لا يمكننا اتخاذ خطوة صحيحة نحو بناء “وطن ذي سيادة”.
في النهاية، لا تتمثل الغيرة الحقيقية في أن يفتخر المرء باسم عشيرة أو طرف معين، بل في أن يكون المرء مستعداً للتضحية بروحه وقدراته ووقته من أجل هذه الأرض التي تحمي جميع كياننا دون تمييز بين الفرد ومكونات المجتمع. الوطن هو الحصن الذي إن لم يُحَمَ، فسيكون الفرد غير محمي.

قد يعجبك ايضا