د اميمة منير جادو
استاذ باحث اكاديمي- عضو أتحاد الكتاب بمصر
مقدمة:
لم تعد الكلمة في الشعر العربي الحديث مجرد أداة للتعبير عن الوجدان، بل غدت كيانًا ثقافيًا وأخلاقيًا ينهض بوظيفة الإصلاح، ويقاوم الزيف، ويعيد تشكيل وعي الإنسان. ومن هنا تبرز قصيدة «لسان» للشاعر روماني صبحي بوصفها نصًا ينتمي إلى شعر الحكمة، لكنه يتجاوز الموعظة التقليدية إلى بناء رؤية أخلاقية متماسكة، تجعل اللسان معادلًا رمزيًا للضمير الإنساني، وميزانًا تُقاس به قيمة الإنسان ومكانته.
ولا تنشغل القصيدة بوصف اللسان من حيث هو عضو للنطق، بل تتخذه رمزًا للوعي والمسؤولية؛ فالكلمة ليست عند الشاعر صوتًا عابرًا، وإنما موقف، واللغة ليست زخرفًا بل رسالة، ومن ثم يغدو اللسان حاملًا لمشروع أخلاقي يقوم على العدل والصدق والعلم والحرية.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز القصيدة بعدها الوعظي المباشر لتدخل في دائرة الشعر القيمي الذي يعيد الاعتبار للكلمة بوصفها فعلًا حضاريًا قادرًا على مقاومة الظلم، وإحياء الضمير، وصناعة الإنسان.
أولًا: دلالة العنوان… من العضو إلى الرمز:
يشكل عنوان القصيدة «لسان» أول مفاتيح القراءة، إذ جاء مفردًا، نكرة، خاليًا من كل قيد وصفي، وهو اختيار فني يحمل دلالة تتجاوز ظاهر اللفظ.
فالشاعر لم يقل: «لسان الحق» أو «اللسان الصادق»، وإنما ترك الكلمة مفتوحة على احتمالاتها، ليجعلها عنوانًا عامًا لكل إنسان، ولكل كلمة، ولكل موقف. فالتنكير هنا ليس إبهامًا، بل توسيع لدائرة الدلالة، حتى يصبح اللسان رمزًا للإنسان في كليته، لا جزءًا من جسده.
ومنذ المطلع يخرج اللسان من دلالته المادية ليغدو ذاتًا أخلاقية فاعلة:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ويهجو الظلمَ حين يراه قاما
فاللسان لا ينطق فحسب، بل يختار، ويحاكم، ويرفض، ويقاوم. إنه ضمير يقظ لا يسكت على الباطل، حتى إذا خفت صوت العدل، نهض ليملأ هذا الفراغ الأخلاقي.
ثم تتسع دائرة الرمز في قوله:
لسانٌ في رحابِ الصدقِ يحيا
وبين شعائر الدنيا تسامى
فاللسان لا يعيش في فضاء اللغة، وإنما يعيش في «رحاب الصدق»، وهو تعبير ينقل القارئ من المجال اللغوي إلى المجال القيمي، إذ يصبح الصدق وطنًا يقيم فيه اللسان، لا صفة عابرة من صفاته.
وتتأكد هذه الرؤية في البيت التالي:
فإن يروِ؛ تعلّق في صوابٍ
وإن ينأى عن الأخطاء صاما
وهنا يخرج الشاعر من الوصف إلى الرمز؛ فاستعارة فعل «صام» توحي بأن اجتناب الخطأ ليس مجرد مهارة لغوية، بل عبادة أخلاقية، وكأن اللسان يتقرب إلى الفضيلة كما يتقرب المؤمن إلى ربه بالصيام. وهي صورة تمنح الفعل الأخلاقي بعدًا روحيًا، وتكشف عن وعي الشاعر بالعلاقة الوثيقة بين نقاء الكلمة ونقاء النفس.
ولذلك فإن العنوان لا يظل معلقًا في بداية النص، بل يستمر في إنتاج دلالاته حتى البيت الأخير، حين يقول:
لسانُ المرءِ زينتُه وتاجٌ على عرشٍ تربّع واستقاما
فاللسان الذي بدأ رمزًا للحق، ينتهي رمزًا للكرامة الإنسانية، ليكتمل البناء الدائري للقصيدة؛ إذ تبدأ بالحق وتنتهي بكرامة الإنسان، وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الطريق إلى المجد لا يبدأ من القوة ولا من المال، وإنما يبدأ من الكلمة.
ثانيًا: النسق القيمي وبناء الرؤية الأخلاقية
لا تقوم القصيدة على قيمة أخلاقية واحدة، وإنما تبني نسقًا متكاملًا من القيم، يرتبط بعضه ببعض في تدرج منطقي يكشف عن وعي الشاعر ببنية الإصلاح الإنساني.
فالبداية تأتي مع العدل:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ثم ينتقل مباشرة إلى رفض الظلم:
ولا يرضى بما صنع لئيم
ولا يرضى إذا الظلم استداما
واللافت أن الشاعر لا يكتفي برفض الظلم حين يقع، بل يرفض استدامته؛ أي رفض تحوله إلى عادة اجتماعية أو نظام مستقر، وهو ما يمنح البيت بعدًا إنسانيًا يتجاوز المناسبة الآنية.
ومن العدل ينتقل إلى الصدق:
لسانٌ في رحابِ الصدقِ يحيا
ثم إلى الصواب:
فإن يروِ؛ تعلّق في صوابٍ
ثم إلى العلم:
إذا جالستَه تزدادُ علمًا
وتلقى عند قامته احتراما
ولم يجعل الشاعر العلم منفصلًا عن الأخلاق، بل قرنه بالاحترام، في إشارة إلى أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن السلوك، وأن العالم لا يُوقَّر لعلمه وحده، وإنما لسمو أخلاقه.
ثم يرتقي النسق إلى قيمة أعمق، هي الفكر:
يضيءُ الفكرَ في عقلٍ تخلّى
عن النورِ الذي سحق الظلاما
ورغم أن تركيب البيت يحمل قدرًا من الكثافة يحتاج إلى تأمل، فإن دلالته العامة واضحة؛ إذ يجعل الفكر نورًا يبدد ظلمات الجهل، وهو امتداد للثنائية الكبرى التي تحكم النص كله: النور في مواجهة الظلام، والوعي في مواجهة الجهل، والحق في مواجهة الباطل.
وتبلغ هذه المنظومة ذروتها في الخاتمة:
فإن صنتَ الهوى أمسيتَ حرًّا
وإن أهملتَه؛ جلبَ الندامى
وهنا يصل الشاعر إلى نتيجة فلسفية لافتة؛ فالحرية لا تتحقق بإطلاق العنان للسان، وإنما بالقدرة على تهذيبه وضبطه. إنها حرية تنبع من الانتصار على الهوى، لا من الخضوع له، وبذلك تتحول القصيدة كلها إلى رحلة تبدأ بالعدل، وتنتهي بالحرية، مرورًا بالصدق والعلم والفكر.
وهذا التدرج يمنح النص وحدة عضوية واضحة؛ إذ لا تبدو الأبيات حكمًا متناثرة، وإنما حلقات متصلة في بناء قيمي متكامل، يجعل من الكلمة أساسًا لبناء الإنسان والمجتمع.
ثالثًا: الوحدة العضوية والتدرج الفني في بناء القصيدة
تتميز قصيدة «لسان» بوحدة عضوية واضحة، إذ تنتظم أبياتها حول فكرة مركزية واحدة هي سلطة الكلمة وأثرها في بناء الإنسان، فلا تبدو الأبيات حكمًا متفرقة أو خواطر مستقلة، وإنما تتساند لتشكّل بناءً فكريًا وفنيًا متماسكًا.
وقد اعتمد الشاعر في تشييد هذا البناء على تدرج دلالي يبدأ بإبراز رسالة اللسان في قول الحق ومناهضة الظلم:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ويهجو الظلمَ حين يراه قاما
ثم ينتقل إلى بيان الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها هذا اللسان، من صدقٍ وصوابٍ ونزاهة، فيقول:
لسانٌ في رحابِ الصدقِ يحيا
وبين شعائر الدنيا تسامى
فإن يروِ؛ تعلّق في صوابٍ
وإن ينأى عن الأخطاء صاما
ولا يقف البناء عند حدود الصفات الفردية، بل يتسع ليبرز أثر الكلمة في المجتمع، وقدرتها على نشر العلم، وإحياء الفكر، وربط الحاضر بتراثه، كما في قوله:
إذا جالستَه تزدادُ علمًا
وتلقى عند قامته احترامًا
وقوله:
تقرّبُنا بحورُ الشعرِ بيتًا
فيسكنُ صمتَهُ صوتُ القُدامى
ثم يبلغ النص ذروته الفكرية حين يجعل من تهذيب اللسان سبيلًا إلى الحرية الداخلية، فيختم بقوله:
فإن صنتَ الهوى أمسيتَ حرًّا
وإن أهملتَه؛ جلبَ الندامى
وبذلك تتخذ القصيدة مسارًا تصاعديًا يبدأ بالحديث عن الكلمة، ثم ينتقل إلى أثرها في الفرد، ثم في المجتمع، ثم ينتهي إلى بناء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا. وهذا التدرج منح النص تماسكًا داخليًا، وجعل الخاتمة نتيجة طبيعية للمقدمة، لا حكمة منفصلة عنها، وهو ما يؤكد نجاح الشاعر في تحقيق وحدة عضوية تجمع بين الفكرة والبناء والإيقاع في نسيج واحد.
رابعا: الحقول الدلالية وبناء المعجم الشعري
يكشف التأمل في معجم القصيدة أن الشاعر لا يوزع مفرداته توزيعًا عفويًا، وإنما يبني شبكة دلالية تتضافر عناصرها لتشكيل رؤيته الفكرية. فالألفاظ لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تنهض بدور بنائي يربط بين الأخلاق والمعرفة والجمال.
ويبرز أولًا حقل القيم الأخلاقية، وهو أكثر الحقول حضورًا، إذ تتكرر ألفاظ: الحق، العدل، الظلم، اللئيم، الصدق، الصواب، الأخطاء، الاحترام، الحرية، الندامة. ولا تأتي هذه المفردات متجاورة اعتباطًا، وإنما تؤسس ثنائية مركزية تقوم على الصراع بين الفضيلة والرذيلة، حتى يصبح اللسان أداة لترجيح كفة الخير.
ويتجلى ذلك منذ المطلع:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ويهجو الظلمَ حين يراه قاما
فالفعلان «يقول» و«يهجو» يرسمان وظيفتين متكاملتين؛ الأولى إيجابية تتمثل في إعلان الحق، والثانية دفاعية تتمثل في مقاومة الظلم، وهو ما يمنح اللسان دورًا إصلاحيًا لا يكتفي بالبيان، بل يمارس فعل المقاومة.
ويواصل الشاعر هذا النسق بقوله:
فلا يرضى بما صنع لئيم
ولا يرضى إذا الظلم استداما
واللافت أن الاعتراض هنا لا يتجه إلى الفاعل وحده، بل إلى استدامة الظلم، وكأن الشاعر يرى أن أخطر صور الظلم ليست وقوعه، وإنما تحوله إلى واقع مألوف يفقد الناس حساسية رفضه.
وإلى جانب المعجم الأخلاقي، يحضر المعجم المعرفي من خلال ألفاظ: العلم، اللغة، الحرف، الفكر، الشعر، البحور. ويكشف هذا الحضور أن الكلمة في تصور الشاعر لا تنفصل عن المعرفة؛ فاللسان الحق هو الذي يبني عقلًا، لا الذي يملأ الأسماع ضجيجًا.
ويبدو ذلك واضحًا في قوله:
إذا جالستَه تزدادُ علمًا
وتلقى عند قامته احتراما
فالزيادة هنا ليست في المتعة أو المؤانسة، وإنما في العلم، ثم يعقبها الاحترام، بما يوحي بأن المعرفة الحقيقية تثمر هيبة ووقارًا، لا استعلاءً أو ادعاءً.
ثم ينتقل المعجم إلى مستوى أكثر عمقًا حين يقول:
يقيسُ الحرفَ في المعنى طبيبٌ
فيُشفي الحرفُ ما نال السّقامى
ويعد هذا البيت من أنضج أبيات القصيدة؛ إذ تتجاور فيه ثلاثة حقول دلالية: اللغة، والطب، والإصلاح. فالحرف يصبح دواء، والمعنى يصبح موضع تشخيص، والمتلقي مريضًا يحتاج إلى علاج. ومن ثم تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية لتغدو وسيلة للشفاء الفكري والأخلاقي، وهي صورة تمنح الكلمة سلطة تتجاوز حدود البلاغة إلى مجال التغيير.
ويستدعي الشاعر بعد ذلك المعجم التراثي في قوله:
تقرّبُنا بحورُ الشعرِ بيتًا
فيسكنُ صمتَهُ صوتُ القُدامى
وهذا البيت من أكثر أبيات النص كثافةً دلالية؛ فـ«بحور الشعر» ليست مجرد أوزان عروضية، وإنما رمز للتراث الشعري العربي كله. أما «صوت القدامى» فليس صوت أفراد، بل صوت الحضارة والخبرة الإنسانية المتراكمة. وهكذا يجعل الشاعر من الشعر جسرًا يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الصمت ذاكرة تنطق من داخله، وهي مفارقة فنية جميلة تجمع بين السكون والصوت في صورة واحدة.
كما يبرز معجم النور بوصفه أحد المحاور الأساسية للنص، وذلك في قوله:
سيعلمُ من به جهلٌ بأنّا
كنورٍ في الضحى تبعَ الغُلاما
ثم قوله:
يضيءُ الفكرَ في عقلٍ تخلّى
عن النورِ الذي سحق الظلاما
ويغدو النور هنا رمزًا للوعي والهداية، بينما يتحول الظلام إلى معادل للجهل والانحراف. وهي ثنائية ذات جذور راسخة في الثقافة العربية والإسلامية، استثمرها الشاعر ليمنح قصيدته بعدًا رمزيًا يتجاوز ظاهر الألفاظ.
خامسا: الصورة الشعرية بين التشخيص والرمز:
لا تعتمد القصيدة على الصور البلاغية المركبة أو الخيال الكثيف بقدر اعتمادها على التشخيص، وهو التقنية التي منحت النص حيويته.
فاللسان في القصيدة ليس شيئًا جامدًا، بل كائن حي يقول، ويهجو، ويحيا، ويتسامى، ويروي، ويصوم، حتى يبدو وكأنه الشخصية الرئيسة التي تتحرك داخل النص.
ومن أرق الصور قوله:
فصيحُ القولِ في لغةٍ، كشيخٍ
على الطرقاتِ خطوتُه سلاما
يشبه الشاعر اللغة بشيخ وقور تمشي السكينة معه حيث سار. وليس التشبيه هنا قائمًا على الشكل، وإنما على الأثر؛ فالشيخ رمز للحكمة والتجربة والوقار، كما أن اللغة الفصيحة تمنح صاحبها مهابة واحترامًا. لذلك جاءت عبارة «خطوتُه سلامًا» موحية بأن الحكمة لا تفرض نفسها بالصخب، وإنما بهدوء الحضور وقوة الأثر.
كما تتجلى الرمزية في الاستعارة الدينية في قوله:
وإن ينأى عن الأخطاء صاما
إذ ينتقل فعل الصيام من مجاله التعبدي إلى المجال الأخلاقي، فيصبح الامتناع عن الخطأ لونًا من ألوان الزهد والتطهر، وهي صورة تضفي على اللسان بعدًا روحيًا ينسجم مع رسالة القصيدة كلها.
أما البيت:
علامَ استغفلتنا كلُّ دنيا
عن الأحلامِ والنّجوى علاما؟!
فيمثل لحظة فارقة في البناء؛ إذ يخرج الخطاب من التقرير إلى التساؤل، ومن اليقين إلى مراجعة الذات. والاستفهام هنا ليس طلبًا للجواب، بل صرخة احتجاج على انشغال الإنسان بزخارف الحياة حتى غفل عن أحلامه وحواره الداخلي، وهو ما يضفي على النص بعدًا تأمليًا يتجاوز الوعظ المباشر.
سادسا: البنية الحجاجية وسلطة الخطاب :
لا يكتفي الشاعر في قصيدة «لسان» بعرض منظومة من القيم الأخلاقية، وإنما يسعى إلى ترسيخها في وعي المتلقي عبر خطاب يقوم على الإقناع والحجاج أكثر من اعتماده على الوصف أو السرد. ومن ثم تتخذ القصيدة مسارًا منطقيًا يبدأ بطرح الفكرة، ثم يدعمها بالأدلة والشواهد، لينتهي إلى نتيجة أخلاقية واضحة.
ويبدأ هذا المسار بإعلان موقف حاسم من الكلمة ورسالتها، فيقول:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ويهجو الظلمَ حين يراه قاما
فالبيت لا يصف اللسان، بل يمنحه وظيفة رسالية تجعله حارسًا للحق، ومقاومًا للباطل، وهو ما يضع القارئ منذ البداية أمام موقف أخلاقي لا يحتمل الحياد.
ثم تتوالى أدوات الإقناع من خلال أسلوب الشرط الذي يربط بين الفعل ونتيجته، كما في قوله:
فإن يروِ؛ تعلّق في صوابٍ
وإن ينأى عن الأخطاء صاما
وقوله:
فإن صنتَ الهوى أمسيتَ حرًّا
وإن أهملتَه؛ جلبَ الندامى
فلا تبدو النتائج هنا أحكامًا مجردة، وإنما تأتي بوصفها ثمرة طبيعية للسلوك الإنساني، وهو ما يمنح الخطاب قوة حجاجية مؤثرة.
كما يوظف الشاعر الاستفهام توظيفًا تداوليًا في قوله:
علامَ استغفلتنا كلُّ دنيا
عن الأحلامِ والنّجوى علاما؟!
فلا ينتظر جوابًا، وإنما يدفع المتلقي إلى مراجعة ذاته، ويحول القصيدة من خطاب تعليمي إلى مساحة للتأمل والمساءلة، وهو ما يكسر رتابة التقرير ويضفي على النص حيوية فكرية.
ومن ثم تتجاوز القصيدة حدود الوعظ، لتصبح خطابًا إصلاحيًا يتوسل بالشعر من أجل إعادة الاعتبار للكلمة الصادقة، وإيقاظ الضمير الإنساني.
سابعا: الثنائيات الضدية وبناء المعنى :
اعتمد الشاعر على شبكة من الثنائيات الضدية التي شكلت البنية العميقة للقصيدة، وأسهمت في إبراز رؤيتها الأخلاقية من خلال الصراع بين القيم ونقائضها.
وتبرز هذه الثنائيات في صور متعددة، منها:
الحق عكس الظلم.
الصدق عكس الأخطاء.
العلم عكس الجهل.
النور عكس الظلام.
ولا تؤدي هذه التقابلات وظيفة بلاغية فحسب، وإنما تكشف عن رؤية فكرية تجعل الفضيلة لا تتجلى إلا في مواجهة الرذيلة، كما يتضح في قوله:
ولا يرضى بما صنع لئيم
ولا يرضى إذا الظلم استداما
وقوله:
يضيءُ الفكرَ في عقلٍ تخلّى
عن النورِ الذي سحق الظلاما
وقوله:
فإن صنتَ الهوى أمسيتَ حرًّا
وإن أهملتَه؛ جلبَ الندامى
ومن خلال هذه الثنائيات يغادر النص دائرة التقرير الأخلاقي المباشر إلى فضاء المفاضلة بين طريقين متقابلين، تاركًا للقارئ أن يدرك قيمة الكلمة الصادقة من خلال ما تقابله من صور الزيف والجهل والظلم، وهو ما أضفى على القصيدة تماسكًا دلاليًا ووحدة فكرية واضحة.
—-
ثامنا: التناص والمرجعيات الثقافية:
لا ينهض نص «لسان» في فراغ ثقافي، بل يتحاور مع منظومة واسعة من المرجعيات الدينية والأدبية والحِكمية التي جعلت من الكلمة معيارًا للأخلاق وميزانًا للإنسان. غير أن هذا التفاعل لا يأتي في صورة اقتباس مباشر، وإنما في صورة تناص دلالي وثقافي يعيد إنتاج المعاني في سياق شعري جديد.
فأول ما يستدعيه النص هو الموروث الإسلامي الذي قرن بين الإيمان وضبط اللسان، وجعل الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا. وتكاد القصيدة بأكملها تتحاور مع هذا الأفق الفكري، ولا سيما في خاتمتها:
لسانُ المرءِ زينتُه وتاجٌ
على عرشٍ تربّع واستقاما
ثم قوله:
فإن صنتَ الهوى أمسيتَ حرًّا
وإن أهملتَه؛ جلبَ الندامى
فالحرية هنا لا تنبع من إطلاق العنان للكلمة، وإنما من تهذيبها، وهي رؤية تتقاطع مع القيم الإسلامية التي تجعل مجاهدة الهوى سبيلًا إلى اكتمال الشخصية.
كما تتجاوب القصيدة مع التراث العربي الذي ربط قيمة الإنسان بلسانه، حتى أصبحت الحكمة المأثورة: «لسان المرء ترجمان عقله» واحدة من أكثر الحكم رسوخًا في الوجدان العربي.
غير أن الشاعر لا يكرر هذه الحكمة، بل يطورها، فيجعل اللسان ترجمانًا للعقل والضمير معًا.
ومن المرجعيات الأدبية التي تستدعيها القصيدة، على مستوى الرؤية لا على مستوى الاقتباس، المقطع الشهير لعبد الرحمن الشرقاوي:
«الكلمة نور… وبعض الكلمات قبور… والكلمة فرقان بين نبي وبغي.»
فالشرقاوي يجعل الكلمة قوة تكشف الحقيقة وتفضح الزيف، بينما يمنحها روماني صبحي وظيفة موازية حين يقول:
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
ويهجو الظلمَ حين يراه قاما
ثم يوسع هذا الدور بقوله:
يقيسُ الحرفَ في المعنى طبيبٌ
فيُشفي الحرفُ ما نال السّقامى
فالكلمة هنا، كما عند الشرقاوي، ليست أداة للتوصيل، بل أداة للإحياء والإصلاح. غير أن التناص لا يقوم على التشابه اللفظي، وإنما على وحدة الرؤية التي تؤمن برسالة الكلمة وقدرتها على مقاومة الفساد وإحياء الضمير.
وتستدعي القصيدة كذلك روح شعر الحكمة عند زهير بن أبي سلمى، والمتنبي، وشوقي، من حيث الاحتفاء بالقيم الأخلاقية وصياغتها في قالب شعري، لكنها لا تقف عند حدود الحكمة المجردة، بل تمنحها بعدًا اجتماعيًا واضحًا، يجعل الكلمة مسؤولة عن إصلاح المجتمع لا عن تهذيب الفرد وحده.
تاسعًا: الموسيقى الشعرية ولغة الخطاب:
حافظ الشاعر على وحدة الوزن والقافية، فجاء الإيقاع متماسكًا، متوافقًا مع الطابع التأملي للقصيدة. ولم تكن الموسيقى عنصرًا زخرفيًا، بل أسهمت في تثبيت المعاني وإبرازها.
ويلاحظ أن الشاعر يلجأ إلى التكرار بوصفه وسيلة إيقاعية ودلالية، كما في تكرار الفعل:
ولا يرضى… ولا يرضى…
فالتكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يعمق الإحساس بثبات الموقف الأخلاقي ورفض التنازل.
كما يكثر من الجمل الشرطية:
فإن يروِ…
فإن صنت…
وهو ما يضفي على الخطاب طابعًا حجاجيًا، يجعل القارئ ينتقل من المقدمة إلى النتيجة في نسق منطقي متدرج.
أما اللغة، فقد اتسمت بالوضوح والجزالة، وابتعدت عن الغموض المفتعل، مع محافظة الشاعر على معجم عربي أصيل، تتجاور فيه مفردات مثل: العدل، الصدق، الصواب، الفكر، البحور، القدامى، التاج، العرش، وهي ألفاظ تمنح النص نبرة تراثية محببة دون أن تفقده معاصرته.
ومن السمات اللافتة أن الشاعر يراوح بين الخبر والإنشاء؛ فبعد أن يقرر القيم في معظم الأبيات، يفاجئ المتلقي بالاستفهام:
علامَ استغفلتنا كلُّ دنيا عن الأحلامِ والنّجوى علاما؟!
وهذا التحول يكسر رتابة التقرير، ويفتح باب التأمل، ويشرك القارئ في مساءلة الواقع بدل الاكتفاء بتلقي الحكمة.
عاشرا :ملخص رؤية نقدية:
تنجح قصيدة «لسان» في تقديم خطاب شعري ينحاز إلى القيم الكبرى في زمن تتعرض فيه الكلمة لكثير من الابتذال والتزييف. وتتمثل أبرز نقاط قوتها في وضوح رؤيتها، ووحدة موضوعها، وتماسك بنائها، وقدرتها على توظيف الرمز الأخلاقي دون أن تفقد صلتها بالمتلقي.
كما يُحسب للشاعر نجاحه في تحويل اللسان من عضو مادي إلى رمز للإنسان الواعي، وجعل الكلمة محورًا تدور حوله منظومة من القيم تبدأ بالعدل، وتمر بالصدق والعلم، وتنتهي بالحرية، وهو تدرج منح القصيدة وحدة عضوية واضحة.
ومن أجمل ما يميز النص أيضًا قدرته على استثمار التشخيص، ولا سيما في الأبيات التي منح فيها الحرف واللغة واللسان صفات الإنسان، مثل قوله:
يقيسُ الحرفَ في المعنى طبيبٌ
فيُشفي الحرفُ ما نال السّقامى
وقوله:
تقرّبُنا بحورُ الشعرِ بيتًا
فيسكنُ صمتَهُ صوتُ القُدامى
إذ يرتقي الشعر هنا من مجرد بناء لغوي إلى وسيط حضاري يحمل ذاكرة الأمة ويصل حاضرها بماضيها.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى بعض الملاحظات الفنية. فقد مالت بعض الأبيات إلى المباشرة التقريرية، بحيث اقتربت من لغة الحكمة أكثر من اقترابها من الإيحاء الشعري، كما في بعض العبارات التي تقدم الفكرة صريحة دون أن تتيح للصورة مساحة أوسع للعمل. وكان من الممكن أن يزداد الأثر الفني لو اعتمد الشاعر في هذه المواضع على الرمز أو المفارقة أو الصورة المركبة.
كما أن بعض التراكيب تحتاج إلى مزيد من الإحكام اللغوي والإيقاعي، وهو أمر لا ينتقص من القيمة العامة للنص، بقدر ما يشير إلى إمكانية الارتقاء به إلى مستوى أكثر كثافة وإشراقًا.
حادي عشر : خاتمة:
تكشف قصيدة «لسان» عن شاعر يدرك أن الكلمة ليست زينة للقول، وإنما مسؤولية أخلاقية وحضارية. وقد استطاع روماني صبحي أن يبني نصًا متماسكًا يجعل من اللسان رمزًا للضمير، ومن الحرف وسيلة للإصلاح، ومن الشعر جسرًا يصل الإنسان بقيمه وتراثه.
وإذا كانت القصيدة تنتمي في ظاهرها إلى شعر الحكمة، فإنها في عمقها تنتمي إلى الشعر الذي يؤمن بأن الكلمة قادرة على بناء الوعي، ومقاومة الظلم، وصيانة الكرامة الإنسانية. ومن ثم لا يخرج القارئ منها بحكمة جاهزة فحسب، بل يخرج بسؤال دائم عن مسؤوليته تجاه الكلمة التي يقولها، والكلمة التي يصغي إليها، والكلمة التي يورثها للأجيال.
—–
ملحق القصيدة
لسان – روماني صبحي
…….
يقول الحق: صوتُ العدلِ ناما
و يهجو الظلم حين يراه قاما
فلا يَرضى بما صنع لئيم
ولا يرضى إذا الظلم استداما
لسانٌ في رحابِ الصدقِ يحيا
وبين شعائر الدنيا تسامى
فإن يروي؛ تعلّق في صَوابٍ
وإن ينأى عن الأخطاء صاما
فصيحُ القول في لغةٍ، كشيخٍ
على الطرقاتِ خطوته سلاما
إذا جالستَهُ تزدادُ عِلمًا
وتلقى عند قامتهِ احتراما
يقيسُ الحرف في المعنى طبيب
فيُشفي الحرفُ ما نالَ السّقامى
علامَ استغفلتنا كلُّ دنيا
عن الأحلامِ والنّجوى علاما؟!
تقرّبُنا بُحورُ الشعرِ بيتًا
فيسكنُ صمتَهُ صوتُ القُدامى
سيعلمُ من به جهلٌ بأنا
كنور في الضّحى تبِــعَ الغُلاما
يضيءُ الفكرَ في عقلٍ تخلّى
عن النّورِ الذي سحق الظلاما
لسانُ المرءِ زينتهُ وتاجٌ
على عرشٍ تربّعَ واستقاما
فإن صنتَ الهَوى امسيتَ حرا
وإنْ إهملتهُ؛ جلبَ النّدامى.
——