نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس جديداً أن تتحول أي زيارة لرئيس الحكومة العراقية إلى واشنطن إلى مادة للقراءة في طهران قبل غيرها. فالعراق، منذ أكثر من عقدين، لم ينجح في التحرر الكامل من موقع (ساحة الاشتباك) بين القوى الإقليمية والدولية، بل ظل في كثير من الأحيان صندوق بريد تتبادل عبره العواصم الكبرى رسائلها السياسية والأمنية.
في هذا السياق جاءت زيارة رئيس الحكومة الاتحادية علي الزيدي، حاملة رسائل طمأنة إلى الولايات المتحدة بشأن استقرار العراق وإقليم كوردستان، والتأكيد على المضي في معالجة الملفات العالقة بين بغداد وأربيل. غير أن هذه الرسائل، مهما كانت صياغتها متوازنة، لم تكن كافية لطمأنة طهران، التي تنظر إلى أي تقارب عراقي ـ أمريكي بوصفه تقليصاً محتملاً لنفوذها، وتسعى إلى احتوائه أو توظيفه في إطار صراعها المفتوح مع واشنطن.
المشكلة ليست في حساسية إيران، ولا في حرص الولايات المتحدة على حماية مصالحها، فذلك جزء من طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة الحقيقية تكمن في أن العراق ما زال يدفع ثمن هذا الصراع، بينما يفترض أن يكون منشغلاً ببناء اقتصاده، وتعزيز مؤسساته، وترسيخ استقراره الداخلي.
وفي خضم هذه التوازنات المعقدة، يبقى السؤال الجوهري: هل تكفي التصريحات الإيجابية لحل الأزمات المزمنة؟ الواقع يقول: لا.
فمنذ أكثر من عشرين عاماً، تعاقبت الحكومات، وتكررت الوعود، وتشكلت اللجان، وأُبرمت التفاهمات، لكن الملفات الأساسية بين بغداد وأربيل بقيت تراوح مكانها. النفط، والغاز، والموازنة، والرواتب، والصلاحيات الدستورية… جميعها تحولت إلى أزمات دورية تدار سياسياً أكثر مما تحل قانونياً.
لقد استهلكت الحكومات رصيد الكلمات، ولم يعد أمامها سوى رصيد الأفعال. فالمواطن في بغداد كما في أربيل لم يعد يقيس نجاح الدولة بعدد المؤتمرات الصحفية أو دفء اللقاءات الدبلوماسية، بل بقدرتها على تنفيذ التزاماتها واحترام الدستور وتثبيت الشراكة الوطنية على أسس العدالة والمساواة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحروب في المنطقة يمثل تهديداً يتجاوز حدود الدول المتحاربة. فالشرق الأوسط يقف على حافة استنزاف طويل، والخليج يعيش تحت ضغط أمني واقتصادي متزايد، بينما يواجه العالم مخاطر اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل التجارة الدولية. لذلك فإن أي سياسة عراقية رشيدة يجب أن تنطلق من مصلحة العراق أولاً، لا من حسابات المحاور المتصارعة.
إن التوازن الحقيقي لا يعني الوقوف في منتصف الطريق بين واشنطن وطهران، بل يعني امتلاك قرار وطني مستقل، يحفظ سيادة العراق ويمنع تحويله إلى ورقة تفاوض أو ساحة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك.
لقد آن الأوان لأن يغادر العراق مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الحلول. فالتاريخ لا يتذكر كثرة التصريحات، بل يتذكر الحكومات التي امتلكت شجاعة القرار، وحولت الوعود إلى واقع، والدبلوماسية إلى إنجاز، والسيادة إلى ممارسة يومية لا إلى شعار يتردد في المناسبات.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، لم يعد العراقيون بحاجة إلى رسائل تطمين ترسل إلى الخارج، بقدر حاجتهم إلى رسالة واحدة تصل إلى الداخل، مفادها أن زمن الوعود قد انتهى، وأن دولة المؤسسات والقانون بدأت بالفعل، لا بالبيانات.