حوار عطا درغام_كاتب وصحافي من مصر
خلال مسيرة امتدت لتقديم أربعة عشر عملاً إبداعياً تنوعت بين المجموعات القصصية والنصوص الطويلة والدواوين الشعرية، نجحت الكاتبة إيناس عبد الحميد في صياغة أسلوب سردي يعتمد على الواقعية النفسية والرمز. من مجموعتها “هسيس الأرض” وحتى عملها الروائي الجديد المنتظر، تخوض الكاتبة تجارب سردية متجددة. في هذا اللقاء، تكشف لنا عن تفاصيل كتاباتها، وتحدثنا عن تجربتها في دمج الشعر بالسرد، وتجربتها المستمرة في الصحافة الثقافية من خلال زاويتها الأسبوعية.
من هي “إيناس محمد عتمان” في لحظة ما قبل الحبر، وكيف قادكِ البحث عن جوهر الروح إلى محراب الكتابة؟
هي ابنة المنصورة ، كانت ملكة الكتابة ،متحفظة في بعض الكتابات على حوائط الجامعة في مجلاتها وكذلك بعض المطبوعات الورقية فيها ، بدأت ظهور حب اللغة العربية منذ الصغر منذ أولى إعدادي ، كنت أدرس مناهج أكبر من عمري في عمر أخواتي الأكبر . كان مدرس اللغة العربية يجلسني معهم في حصة الدرس ،كي أتعلم وكان فخورًا بي جدًا.. من هنا كان أول حرف الجامعة .
لكل مبدع تميمة بداية؛ ما هي الحكاية الأولى أو المشهد الذي شكّل وعيكِ وجعلكِ تدركين أنكِ تحملين مشروعاً أدبياً؟
التيمة . تيمة البداية ، كانت مجموعة يوسف إدريس القصصية كاملة ، هي أول مرتبة جعلتني أتحمس كي أمسك ورقة وقلم كي أشخبط فيها ، تعلمت كثيرًا منه حتى صرت أكتب قصة كاملة بمفردي بسمتي وطبعي القصصي المميز ، تأثرت بالرمز ، والواقعية أحيانا في قصصه ، بساطته وعمقه ..
تتنقلين بمرونة بين اسمكِ الرسمي (إيناس محمد عبد الحميد) واسمكِ الأدبي (إيناس محمد عتمان)، هل يعكس هذا الفصل مساحة حرية خاصة بالذات المبدعة؟
اسمي الأدبي هو اسمي الحقيقي فأنا ابنة محمد عتمان بالفعل ، بداية ظهوري ٢٠١١ ،كانت إيناس عتمان وعرفت في الوسط الثقافي بإسمي ، غيرت اسمي لإيناس محمد عبد الحميد كما هو بالبطاقة حتى لا يتعارض هذا مع مشروعي باسمي الأدبي ، الكتب تأخذ طابع الإسم الرسمي وإبداعي هو هو سواء باسمي الأدبي الحقيقي أم اسمي الرسمي بالبطاقة.
هل واجهتِ في بداياتكِ عائق “التصنيف” المجتمعي لما يُسمى “الأدب النسوي”، وكيف تمردتِ عليه؟
لم أواجه تصنيف ما يسمي ب”الأدب النسوي” ،؛لأنني فرضت نفسي ككاتبة متنوعة وشاملة تهتم بالإنسان وقضايا المجتمع وقضاياه في عصره ..
طقوس الكتابة لدى المبدعين عالم غامض؛ أين ومتى تولد نصوصكِ، وهل تفضلين العزلة التامة أثناء مخاض الفكرة؟
تولد نصوصي على ورقة وقلم في أجندة خاصة، كفكرة وروتوش ثم تولد مكتملة في جروب أسميه “تجلي” على هاتفي أنا صاحبته وأنا بمفردي الآن ، وهناك حيث تولد النصوص كاملة أكون بمفردي تمامًا في جو ليلي ، لا يعكر صفوه أي رنة هاتف أو أي شيء آخر في الوجود .
“الكتابة رتق لثقوب الذاكرة”.. هل تكتب إيناس عتمان لكي تَتذكّر أم لكي تُداوي جراح ما لا يُنسى؟
الكتابة رتق لثقوب الذاكرة ، ذاكرتنا الحقيقة محفظة كبيرة تستوعب العالم ، ذاكرة خاصة وذاكرة عامة ، ودائمًا أقول : “بعض الكلمات تكتبنا، والبعض الآخر نكتبه، لذلك نكتب لنتذكر، ولنذكر في آن” ..
لو طُلب منكِ اختزال مسيرتكِ الطويلة في كلمة واحدة أو عنوان قصة، ماذا تختارين؟
مسيرتي كلها في لفظة واحدة ، قد تكون الإنسان.
ما بين الموهبة الفطرية والصقل المعرفي، كيف ساهمت دراساتكِ وقراءاتكِ الأولى في تشكيل هويتكِ الحالية؟
دراستي علمية بحتة ، أسهمت في ترتيب أفكاري ، والخيال ، في القراءة والتحليل ، فقد أسهمت قراءاتي المتعددة في مجالات كثيرة في انصهار كل معرفة داخلي ،وجعلها محرك أساسي للفهم والوعي المجتمعي ، الذي أفرز ذائقة خاصة وكذلك قلم له ما يميزه ..
كيف أثرت البيئة المحلية (مدينة المنصورة وتاريخها الثقافي العريق) في تكوينكِ الأدبي والوجداني؟
المنصورة وقصور ثقافة المنصورة ونوادي القصة والأدب صرح كبير أفرز أسماء كبار ، وأحسب أنني بنت المنصورة بطابعها الثقافي المميز الدافيء ، شكلت هوية محلية أدت بي إلى أن أكون ما عليه الآن.
من هم الآباء الروحيون في الأدب (عربياً وعالمياً) الذين تجدين أصداء أرواحهم بين دفتي كتبكِ؟
الآباء الروحيون في الأدب هم يوسف إدريس ، نجيب محفوظ ، محمد المخزنجي وغيرهم

تمتلكين خمس مجموعات قصصية متميزة؛ ما الذي يغرِيكِ في فضاء القصة القصيرة مقارنة بالرواية؟
كل هذا تحدي كبير ، كنت أحب أن أخوضه ، حريصة على تميز الأسلوب باللغة الرشيقة الجديدة الحلوة ،إلى جانب أنني اكتب الرواية. فعلًا وقريبًا سيكون لي رواية في الأسواق ،وهذا سبق صحفي أخصكم به.
في مجموعتكِ “هسيس الأرض”، ثمة رصد رقيق لأصوات الصمت والوجع؛ كيف يحول الأديب “الهسيس” الخافت إلى صرخة سردية؟
الهسيس هو صوت خفي ، وكل صوت خفي وراءه صخب ، من الأرض من الإنسان ، فعندما يعلو الصوت ويتحول إلى سرد فهناك حقا ما يُقال ..
جدلية الظاهر والباطن تتجلى في “جدران ومرايا”؛ هل ترين أن القاص يعمل كـ “مرآة” تكشف للمجتمع عيوبه خلف الجدران المغلقة؟
الأديب هو جزء أصيل من بيئته ومجتمعه ومن العالم ، الإنسان بصفة عامة هو مرآة للمجتمع ، ولنفسه من العمق ، لذلك الأديب هو مرآة لجسد المجتمع وعقله ، هو وعي في وعاء القلم الذي ينسكب ليعبر عن نفسه وعن الآخرين ويعبر عن بيئته وعن العالم في صورة تعكس ما هية الإنسان، وما هو المكان والزمان الذان يحوياه .
كيف تختارين شخوص قصصكِ؟ هل هم بشر من لحم ودم تلتقين بهم، أم أخيلة تسكن وعيكِ؟
شخوص قصصي من وحي خيال وبعض من الحقيقة ، الخيال يلعب دورًا هامًا جدًا في الحكي والأدب والكتابة عمومًا ، الخيال يعبر عن الواقع ولكن في قالب محتمل ..
ما هي التقنيات السردية (مثل الفلاش باك، والمونولوج) التي ترينها الأنسب لإبراز أزمات الإنسان المعاصر؟
التقنيات السردية متنوعة جدًا ، منها (المونولوج)، وهذا الطرح الذي يكون فيه في سيكولوجية نفسية مهم جدا لمعرفة ذواتنا ، وكذلك (الفلاش باك )في سرد الأحداث ، كلاهما تقنيات سرد تكمل بعضها البعض وهي مهمة ..
هل تعتقدين أن القصة القصيرة في عالمنا العربي ما زالت تحظى بمكانتها، أم سحبت الرواية البساط من تحتها؟
الرواية سحبت البساط من القصة منذ زمن ، ولكن في الآونة الأخيرة ، قد تتهيأ القصة في الرجوع بقوة إلى جادة الإبداع نظرًا لطبيعة العصر السريع ، وذائقة القاريء الذي يريد شيئا سريعا يقرأه وهكذا ..
قصة “بافي وتراتيل الذاكرة” تحمل بعداً زمنياً؛ كيف تديرين عنصر “الزمن” داخل مساحة القصة القصيرة المحدودة؟
“بافي وتراتيل الذاكرة”، قصة تحمل زمنًا ممتد من الحكاية ؛ شعرًا وسردًا وقولًا ، يتعمق الزمن في الحكاية بلمحات إنسانية تجمع شاعرة ومدرسة في عداد المواجهة ضد كائن يريد محو الحقيقة ، ويقتل الأطفال .. لذلك الزمن الممتد هو زمن رمزي ، عقلي بالأساس ..
ما هو المفهوم الحقيقي لـ “الواقعية النفسية” التي ينتهجها قلمكِ في تشريح أبطال مجموعاتكِ؟
الواقعية النفسية مصطلح يوضح الأبعاد السيكولوجية – النفسية لأبطال القصص ، أو الرواية ، هو ينتج بطلا قصصيا أو روائيا يريد قول شيء ..
كيف تصيغين نهايات قصصكِ؟ هل تفضلين النهايات المفتوحة التي تترك القارئ في حالة تساؤل، أم النهايات الحاسمة؟
أصيغ نهايات قصصي بقفزات متنوعة منها المدهش المفتوح، ومنه باستخلاص الحكمة من الحكي وهكذا ..
أصدرتِ مجموعة “قالوا مضمض عينيك” وهي من نوع (ق.ق.ج)؛ ما هي التحديات التي تواجه الكاتب عند تكثيف رواية كاملة في سطرين؟
القصة القصيرة جدا قائمة على الدهشة والاكتمال ، من الصعب جدا في بضعة اسطر او كلمات ولكن التكثيف الذي نستطيعه جعلها سهلة وموحية ..
العنوان “قالوا مضمض عينيك” يحمل دعوة للتعامي النفاقي؛ كيف توظفين المفارقة الساخرة لتعرية هذا النفاق؟
قالوا مضمض عينيك هي دعوة لتعرية شوائب العين من أدران العصر ، تلك العين التي هي بوابة لما هو أكبر وتلاحظه في العالم وفي نفسك ..
يرى البعض أن القصة القصيرة جداً مجرد “خواطر”؛ كيف تدافعين عن هذا الجنس الأدبي وما هي شروطه الصارمة لديكِ؟
القصة ليست خاطرة ، بل هي حدث وحبكة وشخوص وزمن ومكان ، احيانا ينقص احدى تلك العناصر وهذا لا ينقص من كونها قصة مادام هناك حدث وهناك حبكة .. وهناك قصصا وجدانية تعبر عن لحظة او لقطة في الحياة ، ليست خاطرة وجدانية بل قصة اللقطة ..

كيف تصنعين “ضربة النهاية” أو الـ (Shock) في نصوصكِ المكثفة لتبقى عالقة في ذهن القارئ؟
النهاية دائما بداية الدهشة ، القفلات توحي ولا تعبر ، وإن عبرت فهي محكمة البناء السردي في قفلة دائرية تشرح لماذا من البداية ..
هل أثر عصر السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي على توجهكِ نحو هذا الفن السردي الخاطف؟
لا، أنا أحب الكلمة ، والكلمة المختصرة المعبرة هي أصعب أنواع الكلم ، لذلك إجادتها هو تحدي ، ومن بعدها السهل يأتي في الشرح الذي في الرواية أو القصة الطويلة ..
كيف توازنين في الـ (ق.ق.ج) بين غموض الرمز ووضوح الفكرة حتى لا يسقط النص في طلاسم غير مفهومة؟
اعتمد على اللغة السهلة البسيطة مع وجود تراكيب موحية ، أحب الاستعارات وأكثر منها ، وتحمل قصصي الكثير من التشبيهات والاستعارات الموحية والمفهومة في آن ..
هل يتطلب كتابة هذا النوع من السرد حالة شعورية تختلف عن كتابة القصة العادية أو الرواية؟
القصة القصيرة فن أدبي مهم وثقيل ، لا يمكن استسهاله ، بل يجب علينا أن ندرسه بوعي ونكتب فيه بوعي أكبر من دراسته..بعيدا عن الترهل ،
والركاكة ..قدمتِ قصتين طويلتين هما “ليلاه” و”حديث المدينة”؛ هل كانتا بمثابة جسر وتمهيد للانتقال نحو كتابة الرواية الطويلة؟
“ليلاه” و”حديث المدينة” في كل هي قصة واحدة طويلة ، طريقتها ، طريقة كتابة الرواية القصيرة مع الاختلاف ، أقدر أقول نعم ، كانت بداية لكتابة الرواية ، التي بالفعل كتبت لاحقًا ..
في “ليلاه”، هل نلمح إسقاطاً لأسطورة قيس وليلى، أم هي معالجة معاصرة لاغتراب العاطفة في زمن مادي؟
“ليلاه”، ليست قصة رومانسية كقيس وليلى ، هي قصة بالفعل فيها لمحة رومانسية ،ولكن القصة قائمة على مفارقة الصورة والحدث .. حيث توثق كثيرًا من أحداث العصر في مصر وبلداتنا العربية ..
“حديث المدينة” يحمل نفساً ملحمياً واجتماعياً؛ كيف رصدتِ في هذه القصة تحولات المدينة المصرية وتشوهاتها؟
حديث المدينة هي قصة طويلة تتناول بلدان المنطقة العربية وليست مصر فقط ، بل تظهر مصر على استحياء في السرد ، وتبقى مهمة رغم صغر المساحة التي تتحدث عنها القصة ، فهي بداية ونهاية للقصة ذاتها في حدث موحي في تشابك مع أساس ديني مختلف في ارض الوطن ..
هل تمنحكِ القصة الطويلة حرية أكبر لتطوير أبعاد الشخصيات الفسيولوجية والسيكولوجية؟
بالتأكيد تفسح القصة الطويلة الحرية للقلم كي يعبر عن الشخصية الإنسانية بكل ما لها وما عليها ، فسيولوجيًا ونفسيًا ..
كيف تحافظين على تدفق الإيقاع وتماسك حبكة السرد في “ليلاه” و”حديث المدينة” دون السقوط في فخ الترهل؟
تعلمت منذ زمن أن الكلمة في موضعها يحب أن تعبر عن معنى ، لذلك الكلمات الزائدة عن المعنى كنت أحذفها ولست باكية ..
هل ترين أن القصة الطويلة (النوڤيلا) مظلومة نقبائياً وتسويقياً في سوق النشر العربي؟
اعتقد في الأمانة الأخيرة، القصة الطويلة أو النوفيلا أصبح لها من يقرأونها ويحبونها جدًا ،ومن المنتظر أن تلقي من دور النشر ترحاب ..

ما هي الأزمة المحورية التي تدور حولها شخوص “حديث المدينة”، وهل انتهت الأزمة بانتهاء النص؟
الأزمة المحورية هي الهوية ، الأرض والدفاع عنها ، التمرد المصاحب للعمى المجتمعي الناتج من تدهور حال الأمة عموما ..
هل تفكر إيناس عتمان حالياً في خوض غمار كتابة رواية ضخمة متعددة الأجيال؟
أعتقد أنني بعيدة عن حكاية الرواية الضخمة ، فأنا أكتب الرمز أو الواقعية السحرية ، وهذا النوع من الأدب يناسب العديد من الأجيال ، ولا داعي للكتابة الضخمة التي قد تجهد القاريء وتجعله يمل الرواية قبل أن يتمها ..
لديكِ إنتاج غزير يدمج بين (الشعر والسرد)؛ كيف تفسرين هذا المزيج أو ما يُعرف أدبياً بـ “النصوص العبر-نوعية”؟
أنا أحب الكلمة شعرا ونثرا ، قراءتي القديمة والحديثة أكسبتني قريحة جيدة في الشعر والسرد ، أكتب القصة شعرًا وأكتب الشعر نثرًا ، كلاهما يكملان بعضهما البعض في أعمالي ..
ديوانكِ “قيامة السنابل” يفيض برمزية التجدد؛ ماذا تعني لكِ السنبلة، ولماذا ربطتها بفعل “القيامة” والبعث؟
السنبلة رمز النماء منذ قديم الأزل من أيام الفراعنة وفي بردياتهم وأعمالهم الجدارية الموحية ، رمز الخير ، والنمو ، وقد ربطتها بالقيامة والبعث لأن رمزية السنبلة عكس ما نتوقع دائما . تبدأ بكونها لاشيء وتثمر في بعض الأحيان إلى لا شيء كما ذكرت في القرآن في سورة يوسف (عليه السلام) ، منها الرخاء ومنها العطش للرخاء ذاته ، قيامة الإنسان في مكانه كسنبلة تشق طريقها من التراب ، لترى النور .. هي بعث جديد وأمل .
في كتبكِ: “تحج الحياة”، “الضوء الأول”، و”وطن في زجاجة شاي”؛ هل السرد يخدم الشعر فيها أم أن الشعر يجمّل قسوة السرد؟
السرد والشعر كلاهما يكملان بعضهما ويعبران عن بعضهما؛القصيدة مكثفة مبهمة ،والقصة ( السرد ) يشرح ويوضح ..
كيف تفصلين بين “إيناس الشاعرة” و”إيناس القاصة” أثناء الجلوس أمام الورقة البيضاء؟
للأمانة أكتب بشاعرية القصة ، وأكتب الشعر بطريقة الحكاء في أحيان كثيرة .لفتني مرة تعبير قيل عن دكتور محمد المخزنجي أنه شاعر القصة القصيرة ، وأحسب انني أخذت من هذا الملمح فيما أسرد من قصص .
عناوينكِ الشعرية لافتة جداً، مثل “عباءة على السياج” و”شفرة الدقيقة ١٤”؛ كيف تولد هذه العناوين وما هي شفراتها السرية؟
العناوين تولد بالإلهام من جنس القصة المكتوبة ، فهناك مضمون دائما تعبر عنه العناوين ..
هل ترين أن قصيدة النثر والدمج السردي هما المستقبل الحقيقي للمشهد الشعري المعاصر؟
أرى أن قصيدة النثر جنس جميل، ومبدع جدًا ومؤثر في المشهد الشعري المعاصر ،كما أن له اصل في الأعمال القديمة، ولكن ليست القديمة جدًا ؛ أي في جيل الوسط وما قبله قليلًا .. الدمج بين السرد والشعر النثري ليس منتشرًا في عالمنا، ولكنني أخذته شيئًا يعبر عني وعن أعمالي ..
“وطن في زجاجة شاي”؛ عنوان يحمل بساطة وعمقاً شديدين، ما هي الفلسفة الإنسانية والسياسية وراء هذا النص؟
الفلسفة الإنسانية والسياسية وراء السرد في “وطن في زجاجة شاي” ؛ هي فكرة مشاعر الإنسان التي تتسع أحيانًا لتشمل القوة في التعبير عن قربة كاملة تمشي في الظلام وتعيش فيه ، ويبقى الدفء من منظور إنساني هو النور الذي يشعل الضوء في عالم القرية ونفس الإنسان معًا ..
كيف يتقبل القارئ التقليدي هذا التداخل والسيولة بين الأجناس (شعر وسرد) في كتاب واحد؟
القاريء العربي ذكي ، ومثقف ، يحمل من عبق التاريخ ومن سيولة الواقع الرقمي معا الكثير ، فتاريخ الأدب مليء بتلك الأجناس ولا أرى أن التجربة دخيلة ..يتقبل الشعر بروعة الكلام وينشرح صدره للسرد الذي يحكي كلام الشعر المبهم أحيانا.

ترفعين في مشروعكِ شعار “الرمزية السيكولوجية”؛ كيف يمكن للرمز الأدبي أن يفكك العقد النفسية للإنسان؟
الرمز الأدبي مرآة سحرية تخدع في أحيان كثيرة العقل والنفس؛ لتعبر إلى عمق اللاشعور وتجسد الصراعات المكبوتة في صور مجازية تجعل العقدة النفسية كيانًا خارجيًا يمكن تأمله وتفكيكه وتحقيق التطهير الانفعالي من خلاله..
يعيش الإنسان المعاصر أزمة اغتراب حادة؛ كيف تشتبك نصوصكِ مع هذا الاغتراب وتطرح سبل تفكيكه؟
البحث عن الهوية الشعرية والسرية هما أساس الانطلاق ، عندما تتجسد الكلمة في وجدان المتلقي ويربطها بتراثه هنا لا يعيش الاغتراب ، هنا يعيش الدفء وإن كان مجازًا ، حاولت في أعمالي البحث عن الذات الحقيقية في وعي الإنسان ، عن وجوده الدال في فعل أو كلمة ، يراه متجسدًا أمامه ، عن غرس معنى الوطن الدال على القيمة ، دون أن تفرض عليه مساحة تواجده فيه ..
هل تلجأين إلى القراءة في علم النفس ومدرسة التحليل النفسي (فرويد، يونغ) لبناء خلفيات أبطالكِ؟
إنني لا اقرأ علم النفس بشكل جاف منفصل عن الواقع ، بل يوجد قراءات معاصرة تحلل النفس وتدمج هذا التحليل بمظاهر الواقع المعاصر حاليًا مثل :(أديب الواقعية النفسية)ويليام جلاسر (مؤسس العلاج الواقعي)، يوسف الحسني (طبيب ومؤلف عربي)،عماد رشاد عثمان (طبيب ومعالج نفسي)،إيرفين يالوم (رائد علم النفس الوجودي)،دانيال كانمان (عالم النفس السلوكي)،وأعيش التجارب الحياتية القريبة والمارة بالقرب مني، وأطبق عليها نظريات من قرأت ، ويلعب الخيال هنا لعبة جديدة هو نسج مثال غير حقيقي من واقع حقيقي وهكذا ..
هل تجدين في الكتابة نوعاً من الدعم النفسي والتطهير لذاتكِ قبل أن تكون علاجاً للقارئ؟
أجد في الكتابة نوعًا من الدعم النفسي لشخصياتي المتخيلة ، وطريقة لعلاج القاريءكن اذرانه النفسية عندما يواجهها في مرآة القصص .. أو المحكي عنه في القصة والمسكوت عنه في واقعه ..
تلتقين بالقراء كل ثلاثاء في مجلة “مصر المحروسة” عبر زاوية «أبعد من الحكاية»؛ ما هو الهاجس الأساسي وراء هذه السلسلة؟
ألتقي بقرائي في المحروسة في سلسلة أبعد من الحكاية ،أو نقول الحياة بين دفتي رواية ؛لأن الأدب هو مرآة للذات ، للآخر ، للإنسان عمومًا في كل الثقافات والأديان ؛فأحاول أن أسقط من الرواية القديمة والحديثة المحلية والعالمية على واقعنا وأهمية ما نتناوله في السرد ومرتبط بالسيولة الرقمية وغيرها من القضايا المعاصرة.
تشتبكين نقداً مع قضايا “السيولة الرقمية”؛ كيف أثرت التكنولوجيا الذكية ومواقع التواصل على أصالة النص الأدبي؟
أثرت التكنولوجيا الذكية ومواقع التواصل على أصالة النص الأدبي بجعله أكثر إيجازاً وتكثيفاً ليناسب سرعة القراءة الرقمية ومقاييس الخوارزميات، مما أفقد الأدب أحياناً عمقه اللغوي والفلسفي التقليدي، كما أدى السعي وراء التفاعل السريع والإعجابات إلى توجيه الكتابة نحو القضايا الرائجة بدلاً من الإبداع الذاتي الخالص. وفي المقابل أحدثت الرقمية ديمقراطية في النشر بكسرها احتكار دور النشر، ومكنت الأدباء من دمج الوسائط البصرية والسمعية مع الكلمات لإنتاج نصوص تفاعلية مبتكرة ،لكنها في الوقت ذاته سهلت السرقات الأدبية وانتحال النصوص ،وضاعفت من تحديات حماية الملكية الفكرية وصولاً إلى أزمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يهدد الهوية الإنسانية للنص، ويعيد تعريف الأصالة لتصبح مرتبطة بالوعي والتجربة البشرية الحية وليس بمجرد حبك الألفاظ وصياغتها.
هل يظلم “الناقد” داخل إيناس عتمان “المبدعة” فيها أحياناً، ويجعلها تفرط في مراقبة نصوصها وحذفها؟
أحيانا، الناقد داخل إيناس يظلم المبدع وأحيانًا ينصفه، ولكن في الأغلب يظلمه؛ لأنه دائما ما أرضى عن نصوصي، وأعتبر أنني مازلت في بداية التجربة الإبداعية. ومازال أمامي الكثير كي أتعلمه وأنجزه.
قصة “نادي المخاوف العام” نُشرت في أنطولوجيا عالمية (أدباء العالم – تحكي الرصافة)؛ كيف جاءت هذه المشاركة الدولية؟
المشاركة جاءت قدرًا من متابعتي لصفحة المجلة على الفيس بوك ،حيث أعجبتني الفكرة ،وتناولت موضوعًا فيه يعبر عن حال خاص ، ولاقت ذائقته المسؤل عن النشر وتم اعتماده.
ما هي رسالة وفكرة قصة “نادي المخاوف العام”، وكيف عكست مخاوف الإنسان في شتى بقاع الأرض؟
فكرة القصة أعتبرها سرًا حربيًا ، فعندما تنشر سأفصح عنها لأنني سألاقي مسؤلية تجاه ذلك من دار النشر. ولكن هي هموم عامة وخاصة في قالب سردي مميز.
يُقال إن “الأديب كلما كان مغرقاً في المحلية، كلما وصل للعالمية”؛ كيف تطبقين هذه المقولة في نصوصكِ المترجمة؟
اللغة الأم هي أصل كل إبداع وخاصة لو هي اللغة العربية ؛لذلك الحفاظ على هويتي يبدأ من الحفاظ على اللغة ،ومن ثم اهتمامي بالسرد باللغة العربية الفصحى وهي لغتي الأم والأساسية،و بالتأكيد يكسبني تواجد مصري وعربي وبالترجمة النصوص الإنجليزية أو أي لغة أخرى؛فالعربية أجملها وتساعد المترجمين على الإبداع أيضًا.
ما الذي ينقص المبدع المصري والعربي لكي يتواجد بقوة في منصات الجوائز العالمية مثل نوبل أو البوكر؟
ما ينقص المبدع المصري والعربي هو اليقين في لغته الأم ، واليقين في خياله ، الذي يفرز كتابة مغايرة في صلب الواقع تناقش قضايا العصر بطريقة مبتكرة.
قصة “جناحان من ذهب” نُشرت مؤخراً باليمامة وحققت صدى طيباً؛ ما هي الثيمة الفكرية التي ناقشتها هذه القصة؟
ناقشت جناحان من ذهب ، الإبداع والفن التشكيلي في وعي الإنسان ، وكيف أنها حررت الطائر رمز الحرية ، من خلال ريشة الفنان ..
تنشرين بانتظام في “مجلة اليمامة” السعودية؛ كيف تقيمين النهضة الثقافية والأدبية الحالية في المملكة والخليج؟
الكاتب السعودي كاتب ثري ، ومن الأسماء الكثيرين منهم : غازي القصيبي: عملاق الأدب الدبلوماسي والاجتماعي الساخر (أبرز أعماله: شقة الحرية).عبده خال: رائد الواقعية الفائز بالبوكر، الغائص في البيئات الشعبية والمهمشة (أبرز أعماله: ترمي بشرر).محمد حسن علوان: صاحب الأسلوب السردي التاريخي والنفسي العميق الفائز بالبوكر (أبرز أعماله: موت صغير).رجاء عالم: المتميزة بالواقعية السحرية التي تمزج تاريخ مكة بالأسطورة (أبرز أعمالها: طوق الحمام).أميمة الخميس: البارعة في توظيف الرواية التاريخية بقالب فلسفي واجتماعي (أبرز أعمالها: مسرى الغرانيق في مدن العقيق).محمد الثبيتي: “شاعر البيداء” وأيقونة شعر الحداثة والتجديد في الخليج (أبرز أعماله: ديوان تضاريس).عبد الله الغذامي: المفكر والناقد الأبرز لتفكيك الثقافة وتحولات المجتمع (أبرز أعماله: النقد الثقافي).
هل تفكرين في جمع نصوصكِ وقصصكِ ذات الصبغة والاهتمام الخليجي والعربي في كتاب مستقل؟
بصراحة، أفكر جديًا بجمع كل ما أكتب في الصحف والمجلات العربية عمومًا في كتاب، ولكن ليس الآن.
أنتِ عضو بارز في اتحاد كتاب مصر ونادي القصة بالمنصورة؛ كيف تخدم هذه الكيانات المؤسسية الكاتب على أرض الواقع؟
الكيان المصري الجامع، وهو اتحاد كتاب مصر به من المشكلات ما به ولا أتدخل في ذلك ، ولكن أحمل صفة كاتب به ،وهو مسؤلية أتحمل كامل الأسباب تجاهها ،وأعبر عنها في حدود إمكانياتي العلمية والمعرفية والأدبية . وكذلك نادي القصة بالمنصورة هو صرح كبير وفعلا انتج كتابا ونقادا عظام ويشرف عليه قامات أدبية ..وجودي في الكيانين أكسبني الكثير من الانتماء للقلم والفكرة ..
صالون “أقلام أون لاين” فضاء تفاعلي؛ كيف ساهمت الصالونات الرقمية الافتراضية في تعويض غياب الصالونات الأدبية التقليدية؟
صالون “أقلام أون لاين” ؛صالون باذخ الجمال والتنوع ،تتلاقي فيه من مشارب مختلفة الاستفادة منه في أقصاها ،من معرفة الآخر وثقافته. وقلمه مؤثر جدًا في الذائقة والفكر والقلم ،جنبًا إلى جنب في “صالون أقلام ذهبية”، وغيره من اللقاءات الأدبية الجميلة والمؤثرة في الحركة الثقافية المصرية والعربية ..
بعد 14 عملاً إبداعياً غزيراً؛ ما الذي تبحث عنه إيناس محمد عتمان اليوم ولم تحققه بعد في عالم الحرف؟
أبحث عن الكلمة التي لم تُقال دائمًا وهناك الكثير منها …أبحث عن الحرف الذي يضيف للجمال جمال أعمق وأكثر حضورا ..أبحث عن الوطن فيما اكتب وكيف أكون جزء منه ويكون هو كلي ..أبحث عن الهوية العربية المشتركة ،وأتمنى أن اصل للعالمية.
“والقادم أجمل وأبهى بمحبتكم ودعمكم”.. ما هي الملامح الأولى للمشروع القادم الذي تطبخينه على نار هادئة؟
مشروعي القادم سيكون تحولًا في مساري كله .بداية النقد المعاصر عن طريق إسقاطات من عالم الرواية إلى عالمنا المعاصر ،( أبعد من الحكاية .. الحياة بين دفتي رواية )
كلمة أخيرة توجهينها من خلال هذا الحوار لكل الأصدقاء، والمبدعين، والمتابعين الأعزاء في مساحتكِ المخصصة للكلمة؟
اقول لكل زملاء الحرف والقراء الأعزاء والمبدعين من كل مكان ..الكلمة أمانة ومسؤلية ، من اخلص لها ، أعطته ومن لم يخلص .. هذبته …نلتقي على مأدبة الحرف كالغرباء ، فتصير أحباباً ..أحبكم