قراءة في زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية

دكتورة نادية الجدوع
خبير ستراتيجي

تشكل زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية محطة سياسية ودبلوماسية مهمة في مسار السياسة الخارجية العراقية، لكونها جاءت في مرحلة إقليمية دقيقة تتطلب تعزيز قنوات الحوار، وترسيخ مبادئ حسن الجوار، وبناء شراكات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية. وقد التقى الزيدي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران، حيث بحث الجانبان ملفات التعاون الثنائي، والتحديات الإقليمية، وآفاق التكامل الاقتصادي والتنموي بين البلدين.

ولم تكن الزيارة ذات طابع بروتوكولي فحسب، بل أسفرت عن توقيع أربع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تعكس توجهاً عملياً نحو تطوير العلاقات الثنائية، شملت:

* اتفاقية الشحن والنقل الدولي البري للبضائع.
* مذكرة تفاهم لمدّ مشروع السكك الحديدية (كرمنشاه – خسروي – خانقين – بغداد).
* مذكرة تفاهم للتوأمة بين أمانة بغداد وبلدية طهران.
* مذكرة تفاهم في مجال الإدارة الحكومية وتدريب الموارد البشرية.

وتحمل هذه الاتفاقيات أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب الإداري، إذ تمثل خطوة نحو تعزيز الربط الاقتصادي واللوجستي، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية، وتوسيع التعاون في مجالات النقل والاستثمار، بما يسهم في تنشيط الحركة التجارية بين البلدين ويدعم التنمية المستدامة.

كما أكدت المباحثات بين الزيدي وبزشكيان أهمية استمرار الحوار السياسي، واحترام سيادة الدول، ورفض التصعيد، واعتماد الحلول الدبلوماسية لمعالجة أزمات المنطقة، مع التأكيد على أن استقرار العراق وإيران يمثل ركيزة مهمة لاستقرار الإقليم بأسره.

وتأتي هذه الزيارة بعد تحركات دبلوماسية عراقية نشطة مع شركاء دوليين وإقليميين، في إطار سياسة خارجية تسعى إلى تنويع الشراكات وبناء علاقات متوازنة تخدم المصالح الوطنية العراقية، وتعزز مكانة العراق بوصفه جسراً للحوار والتعاون الإقليمي.

إن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس بعدد الزيارات الرسمية فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل الحوار إلى مشاريع حقيقية، والاتفاقيات إلى إنجازات تنعكس على الاقتصاد والخدمات وفرص العمل. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاقيات الأربع الموقعة في طهران تمثل بداية لمرحلة جديدة من التعاون المؤسسي، ويبقى نجاحها مرهوناً بسرعة تنفيذها ومتابعتها وفق برامج زمنية واضحة تحقق المنفعة المتبادلة للشعبين.

واليوم، يقف العراق أمام فرصة لتعزيز دوره الإقليمي من خلال دبلوماسية متوازنة تنفتح على الجميع، وتحافظ في الوقت ذاته على استقلال القرار الوطني، ليكون شريكاً فاعلاً في صناعة الاستقرار والتنمية، لا ساحةً للصراعات أو التنافسات الإقليمية.

قد يعجبك ايضا