الراوي والكاتب 2 : باب لمريسة

محمد محضار الدارالبيضاء

اختفى المهدي، اختُطف المهدي، وبقي بقَرُ علال تائهاً بين المراعي والمداشر

والجبال والسهول،يجترُّ تاريخاً مهترئاً . ً
كان يجلس بمقهى ضارب في القدم مواجه لباب المريسة، مردداً بيت الشاعر

العباسي البحتري:
عَلَيَّ نَحـتُ القَوافـي مِن مَقاطِعِها … وَمـا عَلَيَّ لَهُم إِذا لَم تَفهَمِ البَقَرُ
يمد رجليه وهو يرتشف من كأس الشاي الشمالي المنعنع، سادراً ببصره نحو

الباب التاريخي، منتظراً حضور صديقيه: عمر البحراوي، وحسن بن التايك.

موعدهم كان شبه يومي بعد العصر، وحديثهم يكاد ينحصر في استعادة الماضي وتفكيك تفاصيله؛ فتارةً تغلب عليه الذاتية والعاطفة، وتارةً أخرى تهيمن عليه

الموضوعية المشفوعة بمقاربات نقدية تستند إلى سياقات الوضع السائد حالياً.
كان هو أكبرهم سناً، إذ يوشك على إتمام عقده الثامن وهما في منتصفه، وكانا

يلقبانه بـ«الحكيم»؛ لأنه قضى سنوات طويلة مناضلاً ومدرساً بمختلف مراحل

التعليم الممتدة من الابتدائي إلى الجامعي. كما أنه دخل السجن خلال فترتي

الاستعمار وما بعد الاستقلال، وحتى وهو في أرذل العمر، ظلت نزعة التحدي

والرفض حاضرة بقوة في تعامله مع محيطه.”

لم يطل انتظاره حتى حضر صديقاه على التوالي وأخذا مكانهما بمواجهته، حدق

بهما ثم ابتسم وقال بنبرة ساخرة:

-تأخرتما عن موعد حضوركما المعتاد أكثر من اللازم، ماذا منعكما أيها

الشريران؟

رد حسن بن التايك بصوت متهكم :

-التأخر في الحضور لا يعني بأي حال يا سيد درويش أننا ننتمي لعصبة

الأشرار .

وأيد كلامه علال ، بحركة استنكارية من رأسه ثم قال :

-نحن نسميك الحكيم، والحكمة تقتضي ألا تصدر أحكام قيمة

ضحك بملء فيه وقال:

-هذه ليست أحكام قيمة، بل مجازات ولعبة ألفاظ واستفزاز لروح الدعابة الكامنة

شاركه صديقاه ضحكَه، متجاوزين شغبه المقصود، وسأله عمر البحراوي:

هل من جديد عن المهدي؟
رد بصوت تشوبه نبرة ساخرة:

أي المهديين تعني؟ المنتظر أم ابن تومرت؟
سايره عمر في لعبة التلاعب بالألفاظ والمعاني وقال:

بل ذاك الذي يحمل شارعٌ اسمه في الرباط، ويمتد بين حي السويسي وحي

الرياض

ما يسعده كثيراً هو هذا التجاوب السريع من صديقيه، وقدرتهما على مسايرته في البحث عن المعنى التواصلي للكلمات الذي يتجاوز معناها الحرفي، ويقوي

الاستلزامَ الحواري الذي يُعْنَى بالمعاني المستنتجة التي تتجاوز التصريح المباشر وتُفهم من خلال السياق. ورغم كون عمر طبيباً سابقاً للجهاز العصبي، وحسن

مهندسَ قناطرَ متقاعداً، كانت لديه دائماً قناعة بأن الإنسان خُلق ليَتعلّم ويُعلّم،

ويتقاسم الأفكار؛ لصقل الرؤى، وتفكيك روافد الابتكار والإبداع، وتحويل

الإشارات الذهنية إلى حقائق محسوسة تصنع الرفاهية وتسعد البشرية.

كسر درويش الصمت الذي كان يهيمن على المكان وقال:

المهدي لم تعد ذكراه ترِد إلا لماماً، أما علال فلا يُذكر إلا مع إرثه الفكري والثقافي، وأحياناً بترديد نشيد الحزب:
مغربنا وطننا روحي فداه … ومَن يَدُسْ حقوقه يَذُقْ رَداه
دمي له، روحي له … وما ملكتْ يدايَ في كل آن
للحرية جهادنا حتى نراها … والتضحية سبيلنا إلى لقاها

قاطعه حسن بن التايك:

وماذا عن بقر علال يا حكيم؟

ردّ الحكيم ساخراً:

-البقر غيّر النهج وصارت له صفات البشر، انتهى زمن القطيع وبدأ عهد العقل والتفكير، لم يعد أحد يثق بتجار الشعارات ولا بسادة الظلام.

فعلاً تغيرت الأحوال، وتبددت سذاجة الأمس، ولم تعد حيل السياسيين ولا تجارة الدين تجدان صدى عند أجيال تواقة للتحرر والتخلص من ربقة الخطب الرنانة، التي لا توفر الخبز لجائعٍ ولا العلاج لمريض. لكن المعضلة الكبرى تكمن في

اللامبالاة التي تواجه بها الأجيال الحالية هذا الوضع، رغم وعيها العميق،

وقدرتها الكامنة على وأد ظواهر الفساد المتفشية في النخب السياسية، وبعض

الجماعات التي تتاجر بمآسي العباد والبلاد.

مساره الأكاديمي أتاح له فرصة التعامل مع أجيال متعددة، تباينت أفكارها

وتعددت رؤاها وتطلعاتها، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، وهي روح الابتكار

والرغبة في تطوير مهاراتها الذهنية واليدوية بشكل يسمح لها بالاندماج في سوق العمل بأسرع وقت. قليلون هم الذين يطمحون إلى دخول مجال البحث العلمي

لحل مشكلات المجتمع المستعصية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، والمساهمة في صناعة القرار. كان دائماً يحاول أن يطور لديهم الفكر النقدي؛ باعتباره المحرك

الأساسي لتقدم المجتمعات، ويشجعهم على تحويل الأفكار النظرية إلى منتجات

تكنولوجية وصناعية، ومشاريع ريادية ناشئة.

أيقظه من سهوه صوت صديقه حسن بن التايك، وهو يتساءل:

أين سافرت يا حكيم؟

ضحك درويش وهو يحدق في وجهي صديقيه، ثم قال:

هي لحظة انفلات ذهني، وتساؤلات مرت عابرة كنسمة هواء عليلة.

ثم تابع وهو يمد رجليه على الكرسي المواجه له:

عذراً إن مددت رجليَّ في حضرتكما، فأنا أشعر ببعض الوجع في الركبتين

و الكاحلين.

قاطعه عمر قائلاً:

هذه أعراض تيبس المفاصل، تحتاج فقط إلى استخدام بعض المكملات الغذائية

الطبيعية، التي تلعب نفس دور مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.

رد الحكيم بصوت تشوبه نبرة تساؤل:

ربما كانت أعراضَ مرض النقرس، الذي عانيت منه في السابق؟

استدرك عمر البحراوي:

سأكتب لك بعض التحاليل لمعرفة نسبة حمض اليوريك، وبروتين (سي) التفاعلي لمعرفة درجة الالتهاب، وبعد ذلك نحدد طريقة العلاج.

افتر ثغر الحكيم عن ابتسامة ماكرة وقال:

-لا يصلح العطار ما أفسد الدهر، وللسن أحكامه التي لا نستطيع تجاوزها.”

تدخل حسن بن التايك ملوحاً بيديه:

-يا حكيم، نحن نعتبرك معلمنا وقدوتنا، وأنت كنت دائماً مفكراً وقامة علمية نعتز بمساهماتها في تربية الأجيال، وما وصفه لك الدكتور عمر ليس عطارة، بل نتاجٌ لأبحاث ودراسات علمية وتجارب سريرية دامت سنوات.

رد درويش ممتناً:

عذراً صديقيَّ، أحياناً تنتابنا حالة من الاستسلام تتسبب في قولنا أي شيء يخطر على البال، لا تنسَيا أنني إنسانٌ قبل أن أكون أستاذاً أو مفكراً.

صدحت المآذن معلنة دخول وقت صلاة العصر، نظر درويش إلى باب

المريسة فبدا له سامقاً شامخاً، وكان وجع ساقيه قد خفّ بعض الشيء.

دخول وقت صلاة العصر كان بمثابة لحظة جنون وحمق بالنسبة للسلاويين

قديماً؛ لأن الأبواب كانت تُغلق حينها خوفاً من هجمات القراصنة.

قال الدكتور عمر:

-ترى لو عادت بنا آلة الزمن إلى القرن السابع عشر، هل كنت يا حكيم تستطيع

الركض بقدميك العليلتين حتى لا تُوصد أبواب سلا في وجهك؟

استقام درويش في جلسته ولوح بيده في وجه صديقيه وهو يقول:

-كأني بكما تستخفان بقدراتي أيها الشريران!

تدخل حسن بن التايك مبتسماً:

-الدكتور فقط يحفزك ويستحث فيك تلك القدرات الرهيبة التي عودتنا عليها،

ما رأيك لو مارسنا لعبة الركض من ضفة أبي رقراق نحو أبواب سلا السبعة؟

قاطعه عمر:

-لعبة الركض هي نوستالجيا دافئة تربط بين الماضي الجميل والحاضر الرائع.

ابتسم الحكيم وهو يداعب زغب لحيته البيضاء الكثة وقال:

-أنتما توقظان شموع تاريخ غني، قد لا يخطر على بال هذه السابلة المتدفقة في

شوارع المدينة مستسلمة لضجيج العربات والدراجات البخارية، غير آبهة بتلك

الصراعات البحرية التي عرفها نهر أبي رقراق بين قراصنة جمهورية سلا، التي

أسسها الموريسكيون المطرودون من الأندلس، والأساطيل الأوروبية القادمة من

أجل الرد على هجمات قراصنة سلا بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

توقف الحكيم لحظة، ثم استدرك متابعاً كلامه:

من الناحية التاريخية المحضة، كانت الأبواب تُغلق لحماية ثروات قراصنة سلا، وتأمين المدينة من الردود الانتقامية للأساطيل الأوروبية.

تدخل حسن بن التايك بحماس زائد قائلاً:

-الحكيم بقوة الكاريزما التي يتمتع بها، حوّل الركض الفعلي إلى ركض ذهني بين محطات تاريخ العدوتين!

توقف لحظة، ثم واصل الحديث بروح مرحة:

-من غرائب الصدف أن مدينة سلا، وبسبب نوبة الجنون التي كانت تنتاب أهلها حينذاك، تحول ضريح الولي الصالح “سيدي أحمد بن عاشر” فيها إلى مقصدٍ لكل المغاربة الذين يفدون إليه قديماً طلباً للشفاء من الأمراض العقلية أو “المس”،

واليوم عوّضه مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية.

كان الدكتور عمر ينصت باهتمام لتدخل صديقيه وما لبث أن قال:

-أنا أرى أن نوبة الجنون تلك لم تكن إلا استجابة فيزيولوجية لضغط الخوف

والترقب الذي عاشه السلاويون تحت تهديد المدافع وقراصنة البحر، وضريح

سيدي أحمد بن عاشر كان يلعب دور البيمارستان الذي يوفر العلاج الروحي

بالسكينة والعزل، قبل أن نصل اليوم إلى مرحلة مضادات الذهان ومضادات القلق ومستشفى الرازي.

ثم التفت نحو درويش وثغره يفتر عن ابتسامة عريضة:

لكن، لا تنسَ يا حكيم أن هذا الولي لا يرتبط بالجنون فقط، بل يرتبط أيضاً

بـموكب الشموع الذي ينير ليل سلا كل مولد نبوي؛ تلك الشموع التي تُحمل على الأكتاف كصروح ملونة تشهد على براعة وإبداع الإنسان المغربي، وكأن أهل

سلا أرادوا أن يثبتوا للعالم أن مدينتهم قادرة على بعث وهج الجمال من قلب

العتمة والخوف.

أمسك درويش بخيوط الحديث واعتدل في جلسته ثم قال:

يبدو أننا كلما أوغلنا في تاريخ المنطقة نكتشف كنوزاً منسية، وأسراراً مغيبة.

دعوني أحدثكما عن برج الدموع؛ أتعلمان لِمَ سُمي هذا الحصن بهذا الاسم؟ ليس لأن الأسوار تبكي حالها، بل لأن السلطان المريني أبا يوسف يعقوب، حين

وضعت الحرب أوزارها وهمَّ بتدشين هذه القلعة، خطف الموت منه زوجته،

فأذرف الدموع الغزيرة، وامتزجت دموع النصر بدموع الفراق.

أخذ الدكتور عمر نفساً عميقاً وهو يشخص ببصره إلى لوحة زيتية معلقة بمدخل

المقهى تُبدي جزءاً من برج الدموع وقال بصوت عالٍ:

– مفارقة عجيبة يا حكيم.. برج الدموع ارتبط في العهد المريني بدموع السلطان أبي يعقوب، ثم تحول بعد قرون في عهد جمهورية القراصنة الموريسكيين إلى

حصن لصد حملات الأساطيل الأوروبية، ودك بوارجهم، وحماية غنائم البحر

وأسرى المعارك.

وفيما الأصدقاء الثلاثة مندمجون في حديثهم، ظهر فجأة شخصٌ في عقده السادس يرتدي لباساً يشبه ألبسةَ الممثلين في الدراما التاريخية، جذبَ الكرسي المواجهَ لدرويش وجلس، ثم قال بصوت تشوبه نبرة ثقة كبيرة بالنفس:

-حياكم الله

“ردّ عليه حسن بن التايك:

كيف تسمح لنفسك أيها الرجل باقتحام جلستنا دون إذن؟

ابتسم الرجل وقال:

-أنا هنا لأنكم في حاجة إليّ، فحديثكم الشيق من سيوثقه؟

ثم تابع كلامه:

-أنا الراوي أو السارد الذي هو ضرورة واجبة لنقل مكامِن الصدور، وما يصدر عن كل الشخوص من أفعال وسلوكيات، وتوثيق الأحداث والوقائع بما لها وعليها للمتلقي العاشق لسحر الكلمة، التوّاق للمعرفة. وأنتم أهل علم ومعرفة، ولكم إلمام بخبايا التاريخ، واطلاع واسع على ما جرى به ذكر الركبان، وصدحت به

الحناجر من فصاحة وبيان.

بدت علامات الاستفهام على وجوه الأصدقاء الثلاثة؛ لأن وجود هذا الشخص

الغريب الأطوار بينهم لم يكن مُقنعاً ولا ذا جدوى، فهو يُمثل وضعاً ناشزاً وغير مقبول، ولباسه يوحي بأنه شخص بدون أهلية ولا عقل، وكان من المستحسن أن

يُجَاروه في هرطقاته حتى يُغادر المكان غير مأسوفٍ على ذهابه.

سأله الحكيم:

من سمح لك باقتحام جلستنا وأنت لا تعرفنا؟

رد الراوي:

أنا لا أعرفكم؟! قل شيئاً غير هذا يا سيد درويش، يا أستاذ الأجيال! أنا مطلع على سرائركم وأحوالكم؛ السّيد عمر دكتور متقاعد، والسيد حسن مهندس قناطر

توقف عن العمل منذ سنتين.

تدخل الدكتور عمر مستنكراً ما قاله الراوي:

اسمع أيها البهلوان! ما قُلته يدخل في باب العموميات، ونحن كأشخاص لنا مكانتنا الاعتبارية في المجتمع، من السهل على أي كان أن يَتعرف على أسمائنا ومِهننا، فلا تحاول أن تفرض علينا سياسة الأمر الواقع، وتقايض معلوماتك الشخصية بالتدخل في حياتنا.

ظل الراوي صامتاً، ومكتفياً بالابتسام في وجه الأصدقاء الثلاثة، فاندفع حسن بن التايك مؤيداً كلام الدكتور عمر:

-ما دمنا غير راغبين في توثيق الوقائع والأحداث التي نعيشها أو نتداول في أمرها، فلا رغبة لنا في أن نكون أبطالاً لسرديتك، ولا شخوصاً تمارس عليها سلطتك الاعتبارية، وتتحكم بعاملي الزمن والمكان للتأثير على شخصياتنا وتحديد مسارها.

تريّث الراوي لحظة ثم قال بصوت واثق:

-يا أصدقائي الأوفياء، أنا لست هنا لإزعاجكم، أو محاولة مصادرة حقكم في ممارسة حريتكم في التصرف والفعل. وجودي محدود ومحدد في ‘الرؤية السردية’ التي ترتكز على المراقبة من خلفٍ دون تدخل في سيرورة الأحداث؛ فأنا الحاضر الغائب الذي ينقل تفاعل الشخصيات وصراعاتها الداخلية والخارجية بلا تأثير

خاص. فرجاءً لا تهتموا لأمري، وعيشوا حياتكم بهدوء وسكينة وكأني غير

موجود .

تبادل الأصدقاء الثلاثة النظرات؛ كان الراوي قد اختفى تماماً. وقال الحكيم لصديقيه إنّ رده الأخير كان مقنعاً، وإنه قد يظهر في وقت لاحق، ثم تابع قائلاً:

ظهوره المفاجئ في هذا التوقيت يُبرهن على أن زمن السرد، الذي أيقظنا جذوتَه، قد بلغ ذروته الجمالية؛ ليحوّل زمن القصة الواقعي إلى متعة.

وجد حديث الحكيم صدى لدى صديقيه فحركا رأسيهما موافقَيْن، وأعاد هو مدّ ساقيه على الكرسي الذي كان يجلس عليه الراوي.

هو يعلم مسبقاً أن الراوي، باعتباره كينونة لغوية، يلعب دوراً أساسياً في إدارة اللعبة السردية، والتلاعب بالزمن السردي عبر الاسترجاع، والاستباق، والتلخيص؛ وهم في أشد الحاجة إليه لضمان وجودهم الفعلي والتخيلي؛ لأنه لا يسرد في فراغ، بل يوجه خطابه نحو مستهلك للنص، وهو قارئ يُفترض أنه ضمنيٌّ وصاحب مرجعية ثقافية وفكرية تسمح بملء فراغات النص وبياضاته، فيتحول من

مستهلكٍ سلبي إلى منتج مشارك، قادر على تحديد أفق التوقعات، والتحكم في

في المسافة الجمالية، مما يسمح له بإرضاء ذائقته.

ارتد بصر الحكيم مجدداً نحو الأسوار العتيقة، وأشرقت في ذهنه ذكريات طفولته بسوق الغزل، هناك مارس شغب العنفوان صحبة أقرانه، وعاش لحظات من أنشطة السوق؛ حين كان يبدأ بعد كل صلاة عصر نشاطُ المزاد العلني تحت مسمى ‘سوق الدلالة’، فيتحول الفضاء إلى حلقة بشرية نابضة بالحياة، وتأتي النسوة

حاملاتٍ لمنسوجاتهن كالحايك والزرابي والمناديل المطرزة، فأخذها الدلال

ويطوف بها في الساحة منادياً: ‘باسم الله بدينا وعلى النبي صلينا، عطاوا (…)

شكون يزيد .

وانتابته فجأة نشوة غريبة، أحيت في داخله رغبة قوية لربط الماضي بالحاضر، وملء البياضات والفراغات المسكوت عنها، بشكل يعيد للساحة والمعالم المحيطة بها مكانتها الروحية وامتدادها الوجداني في القلوب قبل العقول. إن هذا السوق لم يكن مجرد ساحة لبيع الصوف، بل عرفت ساحته يوماً صخب المزادات العلنية لبيع غنائم البحر، وافتداء أسرى المعارك البحرية الشرسة.

تراءى له من خلف بياضات النص الفكري خيال المجاهد العياشي، وهو يقود الجموع بصلابته الصوفية المعهودة، ذائداً عن ثغور الوطن ضد الأساطيل الأجنبية والفتن الداخلية؛ وبمحاذاته طيف القرصان الموريسكي الشهير

‘مراد رايس’، بنظراته الحادة الثاقبة وهو يديرُ جمهورية سلا الفتية.

شعر درويش بأن تلك الأرواح البعيدة لا تزال تسكن شقوق الحجارة السامقة،

وكأن دويّ المدافع القديمة وصراخ البحارة في لجج المحيط ما زال يتردد صداه

في عمق الصمت المهيمن على باب المريسة، محدثاً عن سيرورة ممتدة ضاربة

في القدم تشهد أن جينات الأجيال المعاصرة هي امتداد لجينات الأجيال السابقة، وأن الحمض النووي الذي تفجر في عمق المجاهدين الأسلاف ما زال مفعوله

سارياً في شرايين أبناء الحاضر وبناته.
أيقظ صوتُ الدكتور عمر درويشاً من سهوه الماتع، وهو يقول:

أحس بأنك تستمتع بلحظات تأملك وحوارك الداخلي، فأرجو أن تتقاسم معنا هذه

المتعة.

ابتسم الحكيم وهو ينظر في وجهي صديقيه، ثم قال بصوت تشوبه نبرة ابتهاج:

-نحتاج في بعض الأحيان إلى حوار داخلي مع الذات، نستعيد من خلاله إشارات

من الماضي تمنح الحاضرَ دفئاً يسمح بتدفق متناسق للصور البصرية والتاريخية والحسية دفعة واحدة، ويساهم في عرضها بشكل يخدم الذائقة ويسعد النفس.

علق حسن بن التايك على كلام الحكيم قائلاً:

-كأنك تعتبر الانفلات الذهني الذي يداهمنا بين الحين والآخر، لحظة استراحة

للمحارب، وحافزاً للعودة بقوة إلى ساحة الوعي الشقي.

“يا له من تعبير بليغ هذا الذي جاد به لسان حسن بن التايك! لقد ربط بين الانفلات الذهني كلحظة استراحة تحفز على العودة إلى ساحة الوعي الشقي، التي ترتبط بجدلية الوعي والواقع والسؤال الجوهري: مَن يصنع الآخر؟ هل الوعي (الأفكار، العقل، الروح) هو الذي يخلق الواقع ويشكله؟ أم أن الواقع المادي (المجتمع،

الاقتصاد، البيئة) هو الذي يحدد وعي الإنسان ويصنعه؟”

خرج درويش من صمت تفكيره ليرد على حسن بن التايك:

نعم يا حسن، العودة إلى ‘الوعي الشقي’ معضلة حقيقية؛ لأن هذا الوعي يظل شقياً وممزقاً طالما أنه يتسبب في فجوة بين الفكرة والواقع. والسؤال الجوهري الذي

يفرض نفسه هنا: مَن يصنع الآخر؟ هل وعينا وأفكارنا هي التي تخلق واقعنا

وتشكله؟ أم أن الواقع المادي والبيئة المحيطة بنا هما اللذان يصنعان وعينا؟ إن

شقاء الوعي يكمن في عجز الأفكار النظرية عن تغيير الواقع المحسوس، وهنا

يتولد الاحتقان الذهني.

رد حسن على تساؤلات الحكيم قائلاً:

الواقع يضغط بثقله على عقولنا، لكن وعينا وفكرنا النقدي هما اللذان يقرران إما

الاستسلام لهذا الضغط، أو إعادة ترميم الواقع وتغييره.

التقط الدكتور عمر خيط الحديث، وعدل نظارته الطبية قائلاً:

إذا سمحتما، لدي تفسير بيولوجي؛ الدماغ البشري لا يعمل بمعزل عن محيطه.

الواقع المادي والمثيرات الخارجية هي التي تغذي الخلايا العصبية بالمعلومات،

لكن الوعي هو ذلك التفاعل الكيميائي المعقد الذي يُحلل هذه البيانات ويعيد

صياغتها. نحن لا نملك وعياً مجرداً في الفراغ، بل وعياً يتنفس ويتحرك داخل

شروط الواقع، تماماً كما كانت نوبة جنون أسلافنا التاريخية بعد العصر استجابة

حتمية لواقع الحصار وقراصنة البحار.”

نبّه الحكيم درويش صديقيه إلى أن الحديث قد جرّهم إلى مناطق ظلّ شبه منسية، وكانت النتيجة أنهم عَبَرُوا بين محطات متداخلة؛ بدأت بالتاريخ المعاصر ثم

التاريخ الغابر، وتذكّروا الطّقوس والعادات، وفتحوا باب الفكر والعلوم الإنسانية، وخاضوا في العلوم الطبيعية، وتدخل مَن يزعم أنه الراوي ليؤكد أنهم كانوا قيد

متابعة ٍواهتمامٍ، وأن حضوره غير المؤثر كان من أجل توثيق ما دار بينهم من

حديث وحوار بصيغة تخصُّه، لإرضاء ذائقة مُتلقّين عاشقين للسرد الذي يشد

الأنفاس، ويسعد عشاق الحكي السلس الجزل.

أعلن المؤذن دخول وقت صلاة المغرب، وقال الدكتور عمر إنه يُستحسن أن

يُؤدوا الصّلاة في المسجد المجاور، ثم يذهبوا إلى بيوتهم بعد ذلك.

دفع الحكيم ثمن مشروباتهم، وفيما هم يستعدون للمغادرة، ظهر الراوي من جديد، ووجّه لهم التحية، ثم قال بصوت خافت:

جئتُ لتحيتكم، وأعدكم بما يرضي ذائقتكم ويليق بمستواكم الفكري، قبل أن أذهب لملاقاة الكاتب؛ فهو جالسٌ في مارينا سلا.

حديث الراوي:
”غادرتُ المقهى بهدوء خلف الأصدقاء الثلاثة، واكتفيت بما رأيت وسمعت،

وكان لا بد أن أعود لأقابل صديقي الكاتب المعروف بلامبالاته وقلة اهتمامه في

بعض الأحيان؛ فهو يكتفي برؤوس الأقلام والكلمات المفاتيح يُدوّنها على صفحة خاصة في هاتفه النقال.

عندما وصلتُ إلى مارينا سلا، بحثتُ عن صديقي الكاتب فوجدته جالساً في ركن قصيّ بمطعمٍ مختصٍّ في تقديم وجبات السمك، وكان يتحدث في هاتفه النقال بصوت مرتفع، ومن خلال حديثه اكتشفتُ أنه يُكلم زوجته، وكان ينقل لها مشهداً يخص مجموعة من السياح الإيطاليين، بعددٍ كبيرٍ يتجاوز الأربعين شخصاً من الذكور والإناث، وأغلبهم من المتقاعدين كانوا سعداء فرحين. قال الكاتب لزوجته إنّ هؤلاء الغربيين يعشقون الحياة، ولا يعيرون اهتماماً لثقل السنين. كان يتحدث بفرح ويُبدي امتعاضه من سلوك كبار السن بين مواطنيه، الذين يعتبرون هذه المرحلة مرحلة نهاية وشيكة، وركوناً على الرفّ!

انتظرتُ انتهاءه من الحديث ثم تقدمتُ منه وهتفتُ به:

صديقي العزيز، ليس كل كبار السن في بلادنا بذلك الشكل النمطي الذي تتصوره، وأرجو أن نشتغل على هذا الموضوع؛ لأن كبار السن، وأنت واحد منهم، يستحقون حياة أفضل.

ابتسم الكاتب الذي تجاوز الستين من عمره وقال:

أنا لا أعتبر نفسي كبيراً في السن، وأعيش حياتي مسافراً، زادي الابتسامات وقَدْحُ الفكر والكتابةُ بسخاء، وحديثي إلى الزوجة هو تحصيل حاصل ومحاولة لبث روح التغيير.

ثم تابع قائلاً:

لكل مرحلة نكهتها التي تستحق أن نعيشها ونهتم بها دون شعور بالخذلان.

واستدرك مُفسّراً:

الحياة تقتضي أن نبتعد عن المنغصات، ونستمر في النشاط وتقاسم المشاعر والأفكار مع محيطنا.

رَدَدْتُ بصوت عميق:

من محاسن الصدف أنني هنا وفي جعبتي ما يرضيك؛ سردٌ متماسك وحديثٌ شيق لثلاثة مثقفين من هذه الفئة العمرية، التي لا تزال مؤثرة في صيرورة الحياة

العامة.

لمعت عينا الكاتب ببريق غريب، وقرأتُ على ملامح وجهه تلك الرغبة المعتادة التي عودني عليها كلما تفجر عنده شغف المبدع، ثم التفتَ نحوي وقال بنبرة ملؤها التحدّي:

-أنا مستعد لسماع ما في جعبتك من كشفٍ لسرائر الشخوص، وتطورٍ للأحداث،

فأنا أعتبرك منذ اللحظة رَاوياً عليماً تتحكم في زاوية الرؤية بشكل مطلق ومن

موقع فوقي، وسأترك بث رسائلي الخاصة للقارئ، لتقديم التفسيرات الاجتماعية والأحكام الأخلاقية والفلسفية حول تصرفات الشخصيات، إلى آخر العمل السردي.

انتابتني نشوة لا حدود لها وأنا أحظى بهذا التقدير من صديقي الكاتب، الذي اختار أخيراً أن يخرج من منطقه الراحة السلبية، ويشتغل على موضوع ذي أهمية

قصوى في حياة الناس.

وفي تلك اللحظة، كانت الشمس توشك على الرحيل وهي تنثر آخر شظايا ذهبها

فوق مياه أبي رقراق، لتمتزج الألوان عند ضفة مارينا سلا؛ معلنةً ليس فقط نهاية النهار، بل ولادةَ سردية جديدة تنتصر للحياة والحكمة ضد صمت السنين.

قد يعجبك ايضا