شــريف علي
الدبلوماسية الكوردستانية في لحظتها الراهنة تبدو أقرب إلى نار لا تهدأ، تتحرك في محيط سياسي مضطرب وتعيد تشكيل حضور الإقليم في معادلات الشرق الأوسط . هذا النشاط المتصاعد لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة ردود فعل ظرفية ، بل باعتباره انتقالا إلى مرحلة جديدة من الفعل السياسي الخارجي، حيث يسعى الإقليم إلى تثبيت موقعه كفاعل شبه دولتي يمتلك شرعية وظيفية ، وقدرة على المناورة ، وشبكة علاقات تتجاوز حدود العراق .
إن التحولات الإقليمية والدولية، من تشابكات الوضع السوري إلى تفاقم الازمات الداخلية التركية ,ومن تصاعد التوتر الإيراني– الامريكي الإسرائيلي إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة، ومن بروز أدوار خليجية جديدة إلى هشاشة الوضع العراقي الداخلي، دفعت الإقليم إلى إعادة صياغة استراتيجيته الدبلوماسية بما يضمن حماية مصالحه الحيوية .
في هذا السياق، تتخذ الدبلوماسية الكوردستانية طابعاً متعدد المسارات، يجمع بين القنوات الرسمية التي تقودها مؤسسات الإقليم ،و تمثل بالزيارات المتتالية للزعيم الكوردستاني مسعود بارزاني ولفخامة كل من رئيس الاقليم نيجيرفان بارزاني و السيد رئيس حكومة الاقليم مسرور بارزاني الى عواصم القرار الدولية، وهي زيارات تعكس حرص القيادة على تثبيت حضور الإقليم في مراكز القرار الدولي ، وبين القنوات الحزبية التي تستند إلى إرث طويل من العلاقات .
كما تبرز الدبلوماسية الاقتصادية اليوم بوصفها أحد أعمدة التحرك الكوردستاني، إذ يشكل ملف الطاقة محوراً رئيسياً في العلاقات مع أوروبا والخليج، ودول الجوار ويعد استئناف تصدير النفط عبر خط جيهان ومتلبعة المسارات المحتملة لأستئناف التصدير عبر سوريا ، شرطاً حاسماً لاستقرار مالية الإقليم وقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره السياسي.
كما يسعى الإقليم إلى تنويع مصادر الاستثمار عبر جذب رؤوس الأموال الخليجية والأوروبية، بما يخفف من أثر الضغوط الاتحادية ويعزز قدرة الإقليم على بناء اقتصاد أكثر مرونة في مواجهة التقلبات الإقليمية.
ولا تخفى الدبلوماسية الأمنية التي تستند إلى دور البيشمركة في مكافحة الإرهاب والسعي لتوحيد هذه القوة الفاعلة وتطويرها والحفاظ عليها كجزء من الهوية الكوردية ،
آخرما اتخذته قيادة الاقليم في هذا الاتجاه ما أوكل الى السياسي و الدبلوماسي الكوردستاني البارز السيد هوشيار زيباري وتحركه الداخلي والاقليمي .
هذا التعدد يمنح الإقليم مرونة عالية في التحرك، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات تتعلق بتوحيد الرسائل وضبط التوازنات الداخلية، خصوصاً في ظل ابتعاد أطراف كوردستانية باتجاهات لا تخدم القضية الكوردستانية الجمعية .
لقد أسهمت البيئة الإقليمية في دفع الإقليم نحو نشاط دبلوماسي مكثف. فالتوترات المتصاعدة في المنطقة جعلت كوردستان في موقع حساس يتطلب حضوراً سياسياً مستمراً لتجنب التهميش في ترتيبات ما بعد الأزمات. كما أن العلاقة المعقدة مع بغداد، التي تتسم باستخدام الملفات المالية والأمنية كورقة ضغط، دفعت الإقليم إلى تنويع خياراته الدبلوماسية، سواء عبر تعزيز العلاقات مع واشنطن أو توسيع الشراكات مع أوروبا والتفاهمات مع الفاتيكان والخليج .
في الوقت نفسه، أدركت القوى الدولية أن الإقليم يمثل منطقة استقرار نسبي في العراق والمنطقة، وشريكاً موثوقاً فكريا وعسكريا في مكافحة الإرهاب، وبوابة اقتصادية نحو تركيا والعراق، ما جعل الدبلوماسية الكوردستانية جزءاً من شبكة مصالح دولية أوسع.
على المستوى العملي، اتخذ النشاط الدبلوماسي الكوردستاني في الآونة الأخيرة أشكالاً متعددة. فقد شهدت العلاقات مع الولايات المتحدة زخماً واضحاً، تمثل في لقاءات مكثفة مع الخارجية والكونغرس، وطرح ملفات تتعلق بحماية الإقليم من الهجمات الصاروخية والمسيّرات الايرانية وأذرعها العراقية ، واستئناف تصدير النفط عبر خط جيهان، وفتح القنوات الدبلوماسية والاقتصادية مع الحكومة الانتقالية في دمشق وتعزيز التعاون العسكري مع التحالف الدولي.
أما المسار الأوروبي، تميز بزيارات رسمية إلى برلين وباريس ولندن و روما ، ركزت على ملفات الطاقة والاستثمار ودعم الاستقرار، في وقت ترى فيه أوروبا أن الإقليم يمكن أن يكون شريكاً اقتصادياً وأمنياً مهماً. وفي الخليج، اتجه الإقليم نحو بناء شراكات اقتصادية وسياسية جديدة مع الإمارات والسعودية، بهدف جذب الاستثمارات وتعويض الفراغ المالي الناتج عن توقف التصدير.
لقد بدأت هذه التحركات تُترجم فعلياً على الأرض، إذ أسهمت اللقاءات المكثفة مع واشنطن في تثبيت حضور الإقليم داخل دوائر القرار الأميركي، ودفعها نحو مقاربات أكثر توازناً في التعامل مع ملف الهجمات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية وأذرعها العراقية، فضلاً عن فتح قنوات جديدة للحوار الأمني والعسكري .
كما انعكست الزيارات الأوروبية والخليجية في تحريك ملفات الاستثمار والطاقة، وخلق بيئة تفاوضية أكثر مرونة مع بغداد، الأمر الذي منح الإقليم هامشاً إضافياً للمناورة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد .
غير أن هذا النشاط الدبلوماسي يواجه تحديات بنيوية لا يمكن تجاهلها. فابتعاد بعض القوى السياسية الكوردية عن مسؤوليتها الوطنية والقومية والتناغم مع جهات ترى في استقرار الاقليم تهديدا لها ،ينعكس مباشرة على وحدة الخطاب الدبلوماسي وقدرة الإقليم على التفاوض.
كما أن الضغط الإيراني المستمر يجعل الإقليم في موقع حساس بين الحاجة إلى حماية أميركية والحفاظ على علاقة متوازنة مع طهران. وتبقى تعقيدات العلاقة مع بغداد عاملاً مؤثراً في قدرة الإقليم على المناورة، خصوصاً في ظل استخدام الحكومة الاتحادية للملفات المالية والأمنية كأدوات ضغط. وإلى جانب ذلك، فإن هشاشة البيئة الإقليمية تجعل الدبلوماسية الكوردستانية تعمل في محيط غير مستقر، حيث يمكن لأي تصعيد أن يضع الإقليم في قلب العاصفة .
إن مستقبل الدبلوماسية الكوردستانية يتوقف على قدرة الإقليم على تحقيق ثلاثة شروط أساسية: توحيد القرار السياسي الداخلي بما يعزز وحدة الرسالة الدبلوماسية الكوردستانية ، وتنويع الحلفاء لتقليل الاعتماد على طرف واحد في بيئة متغيرة ، وإعادة تعريف دور الإقليم في المنطقة بوصفه فاعلاً إقليمياً يمتلك عمقا استراتيجيا وأدوات تأثير تتجاوز حدود العراق.
فإذا تمكن الإقليم من تحقيق هذه الشروط، فإن الدبلوماسية الكوردستانية ستكون قادرة على الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي، ومن موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صياغة التوازنات الإقليمية.
بهذا المعنى، تبدو الدبلوماسية الكوردستانية اليوم ناراً لا تهدأ ، لكنها ليست ناراً عبثية؛ إنها نار تُستخدم لإضاءة الطريق وسط ظلام سياسي كثيف، ومحاولة واعية لإعادة تثبيت الإقليم في خريطة الشرق الأوسط الجديدة، حيث لا مكان للكيانات الصغيرة ما لم تمتلك صوتاً مسموعاً وعلاقات متينة وقدرة على المناورة.