قراءات لبرنامج «نسمات زاكروس»

م.م زيد محمد كاظم

لا تُقاس قيمة البرامج الصباحية بعدد ساعات بثها، بل بقدرتها على أن تكون الرفيق الأول للمشاهد في بداية يومه، وأن تزرع في ذاكرته فكرةً نافعة، أو ابتسامةً صادقة، أو أملاً يخفف من أعباء الحياة. ومن هذا المنطلق، استطاع برنامج «نسمات زاكروس» أن يرسخ حضوره بوصفه مساحة إعلامية تجمع بين المعرفة والإنسان، وتؤمن بأن الصباح ليس مجرد توقيت للبث، بل لحظة لبناء الوعي. يقدم البرنامج، الذي تتولى تقديمه الإعلامية رغدة محمود، نموذجًا هادئًا للإعلام الصباحي، بعيدًا عن الصخب أو الإثارة المصطنعة. فمنذ اللحظات الأولى للحلقة، يشعر المشاهد بأنه أمام حوار إنساني أكثر منه استعراضًا إعلاميًا؛ إذ تتعامل مقدمة البرنامج مع ضيوفها بعفوية وثقة، وتمنحهم المساحة الكافية لعرض أفكارهم، فيتحول الحوار إلى تجربة معرفية تستفيد منها الأسرة العراقية بمختلف فئاتها. لا يكتفي «نسمات زاكروس» بعرض الأخبار الخفيفة أو الفقرات الترفيهية، بل يفتح نافذة يومية على قضايا الصحة، والثقافة، والأسرة، والتنمية المجتمعية، مستضيفًا أطباء وأكاديميين ومختصين يقدمون معلومات مبسطة تستند إلى الخبرة والعلم. وهنا تتجلى إحدى أهم وظائف الإعلام الحديث؛ فبدل الاكتفاء بنقل الحدث، يسهم البرنامج في صناعة الوعي، ويقرب المعرفة من الجمهور بلغة سلسة لا تفقد عمقها.
أما الإعلامية رغدة محمود، فتقدم صورة للمذيع الذي يدرك أن نجاح الحوار لا يتحقق بكثرة الأسئلة، بل بحسن الإصغاء وإدارة النقاش. ويظهر ذلك في قدرتها على الانتقال بين الموضوعات بسلاسة، والمحافظة على إيقاع هادئ يمنح الضيف راحة في الحديث، ويمنح المشاهد فرصة للفهم والتفاعل. إنها تراهن على المعلومة الرصينة، لا على الضجيج، وعلى الاحترام المتبادل، لا على المقاطعة أو الاستعراض. وتأتي أهمية البرنامج أيضًا من اختياره موضوعات تمس تفاصيل الحياة اليومية؛ من الصحة العامة والتغذية، إلى العلاقات الأسرية، ومن الثقافة إلى المبادرات الإنسانية. فهو يخاطب الإنسان قبل المشاهد، ويقدم محتوى يوازن بين الفائدة والمتعة، في وقت أصبحت فيه كثير من البرامج تنجرف نحو الإثارة السريعة على حساب القيمة. في المشهد الإعلامي العراقي، تبدو الحاجة ملحة إلى برامج تمنح المعرفة مكانتها، وتعيد الثقة بالإعلام بوصفه شريكًا في التنمية المجتمعية. ويقدم «نسمات زاكروس» مثالًا على هذا الاتجاه، حين يجعل من الشاشة منصة للتثقيف والحوار المسؤول، ويؤكد أن الرسالة الإعلامية الناجحة تبدأ من احترام عقل المتلقي.
يبقى الرهان الحقيقي لأي برنامج صباحي هو قدرته على أن يغادر الشاشة ويبقى أثره في حياة الناس. وحين ينجح الإعلام في أن يضيف إلى يوم المشاهد فكرة نافعة، أو يبدد قلقًا، أو يقدم معلومة تغير سلوكًا نحو الأفضل، فإنه يكون قد أدى رسالته بأسمى معانيها. وفي هذا السياق، يواصل «نسمات زاكروس» تقديم نموذج يستحق القراءة والتأمل، بوصفه تجربة إعلامية تجعل من الصباح بدايةً للمعرفة، ومن الحوار جسرًا نحو مجتمع أكثر وعيًا.

قد يعجبك ايضا