الرئيس القاضي عبد الرحمن الارياني (سيرة وذكريات)

 

محمد سعيد الطريحي* 

القاضي الرئيس الشيخ عبد الرحمن الإرياني (1328 ـ 1418هـ/1910 ـ 1998م) ثاني رئيس لليمن في العهد الجمهوري بعد عبدالله السلال في الفترة ( 1967 ـ 1974م)، وأحد الشخصيات العربية الإسلامية البارزة في القرن العشرين الميلادي، وهو من الرواد الأوائل الذين خاضوا عدة أدوار طليعية تميّزت بها شخصيته الفذَّة، فهو العلاَّمة الفقيه، والسياسي الحكيم، والأديب الشاعر، والباحث المحقق، والثائر المناضل، ورجل التقريب والتسامح والمصالحة، والزعيم المتنور الذي قادَ اليمن في ظروف تاريخية بالغة الدقة والتعقيد، واستطاع أن يحافظ على وحدة اليمن واستقلاله، مؤيّداً بمعجزة ربّانية بعد نجاته من الموت في ميدان الإعدام الذي أُعدّ له ولرفاقه الأحرار الذين سبقوه فاستُشهدوا على مذبح الحرية، ثم هيأ الله ـ سبحانه ـ له العمر المديد لمواصلة النضال وحماية وطنه مع ثلة رائدة من مجايليه ورفاقه الأبطال.
اتصلتُ به وعرفته عن قرب، وأُعجبت بحكمته وحنكته وأخلاقه العالية وتواضعه الجم، كما استفدت من خبرته وتجاربه ونصائحه، وغزارة علمه ومعرفته وثقافته، وبدافع من الوِد والاحترام لأستاذيّته وأبوته الروحية كتبت وجمعت كتاباً في سيرة حياته وسير الأعلام من أسرته العريقة، بعنوان (تاريخ الاسرة الإريانية في اليمن وتراجم أعلامها) وقدمته له كعربون وفاء وذكرى للأيام الرائعة التي قضيتها بجواره، ونشرت خلاصة أولية لما في هذا المجموع في العدد الأول من موسوعتنا «الموسم» السنة 1989، ص105-111، ثم نشرته ببيروت ككتاب مستقل عام 2012م، وأعدتُ النظر فيه وراجعته ونُشر حديثاً ضمن سلسلة كتب أكاديمية الكوفة بهولندا.
و(إرْيان) (بكسر الهمزة وسكون الراء آخرها نون) هي اسم القرية التي ينتسب اليها والواقعة في رأس جبل بني سيف الذي يرتفع عن سطح البحر نحو ألفي متر في قضاء يريم، على مسافة 155 كيلومتر جنوباً من صنعاء. وتُعدُّ من أجمل القرى اليمنية وأعدلها هواءً. وعُرِفتْ بـ(كشك اليمن)، لإشرافها على بلاد اليمن وغيرها. وتحيط بها الأودية كشيعان وهبران وعبدان وغيرها.
أنجبت القضاة الأعلام النبلاء الفضلاء الأدباء آل الإرياني، وفيها بيوتهم المعمورة بالعلماء والأدباء منذ قرون. يرجعون بنسبهم الى أصلٍ عراقي انحدروا فيه من جدهم الأعلى (الصدّيق بن محمد) الذي خرج من بلاد الرافدين وسكن اليمن في نحو القرن الثامن للهجرة، ومن نسله برز الكثير من العلماء والأدباء ومن أشهرهم وأنبلهم وأكثرهم تدريساً للعلوم بصنعاء في القرن الماضي العلامة الحافظ يحيى بن محمد بن عبد الله الإرياني المولود سنة 1299هـ/ 1882م والمتوفى سنة 1363هـ/1944م، والد أستاذنا وشيخنا العلامة القاضي عبد الرحمن الإرياني.

اسرته ودراسته ووظائفه الأولية
ولد عبد الرحمن بن يحيى بن محمد بن عبدالله الإرياني، بإريان في غرة جمادى الأخرى سنة 1328هـ الموافق 15 حزيران 1910م.
وكان والده المذكور من المجتهدين (يعمل بالدليل ويندب طلابه إلى الاجتهاد)، ومن أجل علماء عصره وأوسعهم فكراً وأكثرهم اضطلاعاً بشتى العلوم، وعلى يده تَشَرَّب ولده – المُتَرجَم له – المَيْل إلى حرية الفكر والتفتح على العلوم الحديثة.
تولّى القضاء في قضاء إب من سنة 1337 وهو تاريخ دخول الإمام يحيى صنعاء واستيلائه على البلاد، وبدء انسحاب الأتراك من اليمن في أعقاب الحرب العالمية الأولى في 1918م. وانفصل عن القضاء في آب عام 1346، وفي عام 1349 استدعاه الإمام إلى صنعاء وعيّنه عضواً في الاستئناف ثم عيّنه رئيساً للمحكمة الشرعية الاستئنافية بصنعاء حيث تقلّد هذا المنصب زهاء اثنتي عشرة سنة حتى وفاته..
أما والدته فهي السيدة الفاضلة سلوى بنت محمد بن يحيى الإرياني، وكانت كما وصفها ابنها عبد الرحمن الارياني: “امرأة خيّرة ذات ديانة وصلاح وعقل راجح وحب للخير والصدقة رحمها الله. وقد أنجبت لوالده ستة أولاد هم علي وعبدالله وعقيل ومحمد وعبد الرحمن ولطف الذي مات شاباً عن ثماني عشرة سنة”.
درس في مسقط رأسه ثم في جبلة وفي عام 1344هـ/1925م انتقل إلى صنعاء حيث درس في المدرسة العلمية النحو والبيان والأصول والحديث والفقه، وتتلمذ على يد طائفة من علمائها، ومنهم: عبد الواسع الواسعي وعبد الوهاب المجاهد الشماحي وحسين بن علي العمري. وفي عام 1348هـ/1929م غادر المدرسة العلمية ليواصل دراسته على يد والده العلامة يحيى بن محمد الإرياني في إريان، وفي أواخر عام 1349هـ/1930م لازم والده في صنعاء حين عين في محكمة الاستئناف، أنهى المترجم له مرحلة التحصيل في رجب 1355هـ/سبتمبر 1936م، وعُين قاضياً حاكماً في النادرة، وبقي فيها سبع سنوات، ثم عين حاكماً لقضاء العدين، ولم يبق فيها سوى شهرين.

 

الرئيس القاضي الإرياني في بغداد مع الزعيم عبدالكريم قاسم (ارشيف محمد سعيد الطريحي)

نضاله الوطني خلال الحكم الامامي الملكي
وقد بدأ الإسهام مع الأحرار المناوئين والمعارضين لحكم الإمام يحيى بن محمد حميد الدين والحاكمين من أولاده في أعمالهم، وأنشأ قصيدته التي نَدَّدَ فيها بمظالم الإمام يحيى حميد الدين وتسليطه أولاده على رقاب الشعب، ومطلعها:
إنما الظلم في المعاد ظلام
وهو للملك معول هدَّام

ومنها يخاطب الإمام يحيى حميد الدين:
أنصِف الناس من بنيك وإلاّ
أنصفتهم من بعدك الأيام

إن عشر السبعين عنك تولَّى
ودنا مصرعٌ وحانَ حِـمـام

وقد طارت شهرتها في اليمن آنذاك وسبَّبَت اعتقاله مع من اعتقل من الأحرار في إب وتعز وذماء وصنعاء سنة 1363هـ/1944م، ثم سِيقوا جميعاً إلى تعز، ومنها أُرسلوا إلى سجون حجة، وكان الارياني أحدهم، وقد بقي هنالك معتقلاً ستة أشهر، ثم أُفرج عنه. ونضاله في هذه المرحلة كان ضمن إطار تنظيمي هو جمعية الإصلاح التي أسسها مع القاضي محمد بن علي الأكوع، وغيرهما في إب سنة 1363هـ/1944م.
واستمر في مزاولة نشاطه الوطني للإطاحة بحكم الإمام يحيى حميد الدين وبعض أولاده حتى مقتل الإمام في يوم الثلاثاء 7 ربيع الآخر سنة 1367هـ/18 فبراير 1948م. وخلفه في الحكم الإمام عبدالله بن أحمد الوزير على رأس حكومة دستورية، وقد كان منصبه حسب الميثاق المقدس (أمين سر مجلس الشورى) وكان المترجم له آنذاك في مدينة إب، فقام بأعمال اللواء وأدارها بحزم ونشاط، واستمر إلى أن سقطت العاصمة صنعاء في أيدي القبائل الموالية للإمام أحمد بن يحيى حميد الدين الذي استغل فرصة مقتل أبيه لينتقم ممن سلبوه الحكم، واعتُقل المترجم له هو ومن شاركه من الأحرار في إدارة الأعمال في لواء إب وأُخذوا وهم في السلاسل إلى تعز، ومنها أرسلوا إلى سجون حجة مرة أخرى والقيود في أقدامهم، والسلاسل في أعناقهم، ولبث في السجن مدة ثم أفرج عنه سنة 1373هـ/1954م وعقب خروجه من السجن مباشرةً تبنَّى أخذ البيعة لولاية العهد التي كانت قد رسمت أثناء السجن وعند خروجه اتجه إلى الحديدة، وتمَّ كتابة البيعة بخطه كما يذكر أحمد الشامي في 7 رمضان 1373هـ/9 مايو 1954م لسيف الإسلام محمد البدر، مما أدى إلى انشقاق الأسرة الحاكمة وكان سبباً مباشراً في محاولة انقلاب 1955م/1374هـ ، ثم أنه تولى منصب نائب رئيس الهيئة الشرعية في تعز، ولم تنقطع صلته بالأحرار، ولكن بحذر وتكتم.
وكان ينصح الإمام أحمد في كثير من الأمور، وله مواقف حميدة معه في تحذيره من الإصغاء إلى كلام الوشاة والمتزلفين الذين يسعون ليضروا بالناس لأغراض دنيئة، وكانت نصائحه تنفع عند الإمام أحياناً.
ولما تمرَّد قسم من الجيش على الإمام أحمد في تعز في شعبان سنة 1374هـ فيما عُرِفَ بحركة 1955م استغل الفرصة العقيد أحمد يحيى الثلايا وتزعم تلك الحركة، وطالب الإمام أحمد بتنازله لأخيه عبدالله بن يحيى حميد الدين وجمع العلماء ومنهم المترجم له عنده لمساعدته للتخلص من حكم الإمام أحمد، ولكن حركته فشلت بعد أيام قلائل، وخرج الإمام أحمد من قصره، وأخذ يقتل المشتركين في تلك الحركة حتى الذين لم يكن لهم أي دور معروف فيها، وأمر بإحضار المترجم له من المعتقل إلى الميدان الذي يتم فيه قتل الأحرار، فلما مثل بين يدي الإمام والجلَّاد ينتظر أمر الإمام بقتله، ولكن بدا للإمام أحمد أن يبقى عليه بشفاعة العلامة محمد بن يحيى الذاري وصالح محسن والبدر، فأمر بإعادته إلى معتقله فبقي فيه أياماً، ثم أفرج عنه، وعاد إلى عمله في الهيئة الشرعية، ثم وثق به الامام حتَّى صار يستشيره في قضايا عربية ودولية، كما كَلَّفَه بحضور الاجتماع التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

مناصبه بعد الحكم الملكي
عُيِّنَ الارياني قبيل الثورة بأشهر وزيراً للدولة. وكان يترأس بعثة الحج حتى قيام الثورة سنة 1382هـ/1962م التي ألغت النظام الملكي، وأخذت بالنظام الجمهوري، فعُيِّن وزيراً للعدل، ثم عضواً في مجلس قيادة الثورة، ثم عضواً في مجلس الرئاسة. ورئيساً للمجلس التنفيذي (مجلس الوزراء) ولما عُقد مؤتمر حرض سنة 1385هـ/1965م بين ممثلي النظام الجمهوري، وممثلي النظام الملكي لبحث الوسائل الكفيلة بإنهاء الحرب بين الجانبين تحت إشراف ممثلين للمملكة العربية السعودية، وممثلين للجمهورية العربية المتحدة، وكانت المملكة العربية السعودية قد اقترحت أن تستبدل (الدولة الإسلامية اليمنية بالجمهورية العربية) كشرط لوقف مساعدتها للملكيين، وكان حينها رئيساً لجانب الجمهوريين، فرفض التنازل عن النظام الجمهوري مهما كان الأمر مع أن ممثلي الجمهورية العربية كانوا قد وافقوا على فكرة المملكة العربية السعودية.
وحينما ساءت الأحوال الإدارية في اليمن بسبب تدخل المصريين المباشر في شؤون البلاد ذهب إلى مصر، ومعه عدد كثير من الشخصيات اليمنية، منهم نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الفريق حسن العمري وأعضاء حكومته وعدد من كبار ضباط الجيش بالإضافة إلى عضو المجلس الجمهوري الأستاذ أحمد محمد نعمان محتجين على سوء تصرف المصريين في اليمن، فأمرَ جمال عبد الناصر باعتقال أكثرهم في السجن الحربي، وبقي المترجم له طليقاً، ولكنه لا يستطيع مبارحة مصر حتى أصيب العرب بالهزيمة في حربهم مع إسرائيل في يونيو سنة 1967م/1387هـ فعقد مؤتمر قمة عربي في الخرطوم اتفق خلاله جمال عبد الناصر مع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، فيه على أن يسحب القوات المصرية من اليمن، وتم ترحيلها بالفعل، فواجهت الجمهورية العربية اليمنية مصيرها بنفسها، ولاقت تحدياً شديداً للقضاء عليها من الجانب الملكي وأعوانهم.

رئاسته لدولة اليمن
وكانت رئاسة الدولة قد أفضت إلى الشيخ الارياني في شعبان سنة 1387هـ/الموافق 5 نوفمبر سنة 1967م. بعد أن التقت عنده رغبات قادة الحركة من زعماء اليمن وعلمائها ورؤساء القبائل، والعشائر وكبار ضباط الجيش، والتفَّت حوله القوى المختلفة ليكون رئيساً لها حتى ينتشل البلاد من الهاوية التي تردت إليها، واستطاع بسياسته الحكيمة أن يمسك بدفَّة السفينة وسط أمواج مضطربة، وعواصف عاتية حتى حقق لليمن السلام والأمن والاستقرار. وتمَّ في عهده عقد المصالحة مع الملكيين واعترفت المملكة العربية السعودية بالنظام الجمهوري عام 1390هـ/1970م، وكان له موقف حَكَمَتْهُ ظروف المرحلة آنذاك يتمثل بمعاداة التحزب والحزبية ويؤثر عنه قوله «إن الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة» وقوله: «نرفض الحزبية سواءً جاءت بقرون الشيطان أو في مسوح الرهبان».
وشهد عهده محاولات مستمرة لبناء الدولة الحديثة وتميَّز بتأسيس أول مجلس نيابي هو (المجلس الوطني) وتأسس عام 1389هـ/1969م ثم شكل مجلس الشورى عام 1391هـ/1971م وأول انتخابات نيابية، وقد انتهى حكمه باستقالته يوم الخميس 21 جمادى الأولى سنة 1394هـ الموافق 13 يونيو سنة 1974م، بضغط داخلي تؤازره قوة خارجية بحجة كثرة تغيير الحكومات والركون في حكم البلاد على من لا دراية له بأحوال اليمن، ومعرفة طباع أهلها إلى جانب ما كان يحدث أحياناً من الإهمال وضياع الحزم في أجهزة الدولة.

 

الرئيس الإرياني مع الرئيس جمال عبدالناصر(ارشيف محمد سعيد الطريحي)

استقالته من المنصب الرئاسي
وكان قد فَضَّلَ التنحي قبل قيام هذه الحركة بعدة أشهر وسافر إلى سوريا بحجّة الاستجمام إلاَّ أنه تحت إلحاح الكثير من اليمنيين عاد إلى سُدَّة الحكم حتى قامت حركة 13 يونيو بقيادة الفقيد إبراهيم الحمدي، وقد استقال ورحل إلى سوريا، وبقي هناك إلى أن سمح له علي عبدالله صالح بالعودة إلى بلاده، فعاد مكرماً مبجلاً، وقد منحه الرئيس صالح أعلى (وسام الجمهورية) وذلك في 7/7/1995م – 9 صفر 1416هـ.
مؤلفاته
كان الارياني عالماً فقيهاً جليلاً متقناً، مؤلفاً محققاً ثبتاً كما كان سياسياً وأديباً شاعراً وظّف شعره للقضايا الوطنية، والإخوانية الاجتماعية، وقد نشرنا نماذج من شعره في الكتاب. ومنها قصيدة زوّدنا بها وهي في رثاء والده القاضي يحيى بن عبدالله الإرياني ذكرناها في ترجمتنا لأبيه العلامة (ضمن الكتاب). مع قصائد أُخرى كثيرة.
أما آثاره المطبوعة فمنها: (الشريعة المتوكلية أو القضاء في اليمن) الذي صدر مطبوعاً باسم الأستاذ أحمد بن عبد الرحمن المعلمي. ومنها: ديوان الشاعر عبد الرحمن بن يحيى الآنسي المسمى (ترجيع الأطيار في مرقص الأشعار) الذي حققه ونشره مع زميله المرحوم عبد الله عبد الإله الأغبري حين كانا في سجن حجة وطبع في القاهرة (سنة 1369هـ/1950م).
ومنها ما نشره بعد استقالته من المنصب الرئاسي حيث أتاحت له فترة استقراره بدمشق الشام فرصة ووقتاً قام فيه بتحقيق ونشر عدد من الكتب اليمنية وتفضّل بإهدائها لنا وما تزال بمكتبتنا موشّحة بخطه الجميل المرقوم بكلمات الإهداء الودّية المعطرة بأريحيته ونقاء روحه (رحمة الله عليه) ومن تلك الكتب: (الأبحاث المسددة في فنون متعددة) للعلامة صالح بن مهدي المقبلي؛ هداية المستبصرين بشرح عدة الحصن الحصين لوالده؛ السيف الباتر لأعناق عباد المقابر لأخيه عقيل، وهذا نُشر معه «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد» للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير، و«شرح الصدور بتحريم رفع القبور» و«الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد» كلاهما للإمام الشوكاني، وكتاب «غربال الزمان في وفيات الأعيان» ليحيى بن أبي بكر العامري؛ وكذا ديوان عمارة اليمني – في مجلدين – بالمشاركة في التحقيق مع أحمد عبد الرحمن المعلمي، ط 1، 2001م.

صلتي بالقاضي الإرياني
بدأت صلتي بالأستاذ العلامة القاضي عبد الرحمن الإرياني (طاب ثراه)، في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وكان ينزل بدمشق في بيت قصر السُّبكي ضيفاً على الرئيس الراحل حافظ الأسد، ثم اتخذ له بيتاً في المزَّة – وبالمناسبة فقد بقيت أترددُ على بيت قصر السبكي لزيارة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي سكن فيه بعد انتقال الارياني الى حي المزَّة – وبيت الارياني في المزة كان على مقربة يسيرة جداً من الدار التي أسكنها فكنت أزوره دائماً في بيته هذا، وأتجاذب معه أحاديث العلم والأدب والفكر والتراث كما كنت أستشيره في بعض الكتابات أو التحقيقات التي كنت أقوم بإنجازها آنذاك، وكان لا يبخل عَليّ بما كان يرفدني به من علم وتوجيه، بل كنت أنظر إليه كالوالد لما كان يرعاني فيه من حنوٍّ وحدب واستفسار دائم عن أحوالي وأعمالي.

عملي معه في التحقيق مقدمته لأحد كتبي
وقد استأنس كثيراً لعملي في التحقيق، وكتب مقدمة لأحد كتبي المحققة وهو (غرر الحكم ودرر الكلم) للآمدي (ت505هـ)، ونُشر تقديمه في أول الكتاب المذكور المطبوع ببيروت عام 1987 بـ 560 صفحة، وهذا نص مقدمته:
((بسم الله الرحمن الرحيم
عَرَضَ عليَّ الاستاذ الفاضل الباحث محمد سعيد الطريحي حفظه الله وأعانه كتاب (غرر الحكم ودرر الكلم) لجامعه العلامة القاضي ناصح الدين عبد الواحد التميمي الآمدي رحمه الله، الكتاب الذي يحتوي على ما ينوف على أحد عشر الفاً من حكم أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب كرَّم الله
وجهه وسلامه عليه وكلّها حِكم حكيمة وقِيم اخلاقية قويمة تُزين من يتصف بها
فيتخلق بما ترغب فيه وتدعو إليه، ويبتعد عما تنهى عنه وتحذر منه، وقد التمس مني الأستاذ الباحث مدفوعاً بحسن الظن أن أحرر كلمة يصدر بها الكتاب الذي اعده للطباعة، وقد طالعت ما حرره كتعريف بالكتاب وترجمة لمؤلفه فوجدته قد أوفى الموضوعين حقهما ولم يدع مزيداً لمستزيد
ولم يبق لي إلا أن أسجل الشكر الجزيل للأستاذ الباحث على اهتمامه بإخراج هذا الكتاب الجليل وأمثاله من كتب التراث الاسلامي فجزاه الله خير الجزاء وأجزل ثوابه . أما صاحب الحكم الحكيمة سيدنا أمير المؤمنين علي عليه السلام فماذا مكنني أن أقول فيمن حُبه تقى وبُغضه نفاق وفي مناقبه يقول العلامة المجتهد السيد محمد بن اسماعيل بن صلاح الأمير الحسني اليمني رحمه الله في التحفة العلوية :
مَنْ سواه كان صنو المصطفى ؟ أو سواه بعده كان وصيّا
وأخي قال له خير الورى وهو أمر ظاهر ليس خفيَّا
وكهارون غدا في شأنه منه إلا أنه ليس نبيا
والتحفة العلوية تزيد على سبعين بيتاً ومما جاء فيها في وصف حكمه عليه السلام قوله:
والبلاغات اليه تنتهي نهجه فيها يرى النهج السويا
إن رقى المنبر يوماً خاطباً عاد سحبان لديه باقليا
حكم اليونان والفرس معاً ما تداني منه لفظاً علويّـا
لازم المحراب والحرب إلى أن اتى أشقى الورى الأمر الفريا
وقد شرح ناظمها العلامة الأمير رحمه الله هذه التحفة العلوية بكتاب (الروضة الندية) وأورد في الشرح الأدلة على ما تضمنته التحفة من مناقبه (عليه السلام) ورحم الله الأمير وأكرم نزله وسبحان الله بحمده سبحان الله العظيم ..
حرر في۱۷ جمادى الثانية سنة ١٤٠٦ هـ/٢٦ شباط سنة ١٩٨٦ م
وكتبه عبد الرحمن بن يحيى الأرياني تجاوز الله عنه)).

عملي معه في التحقيق
وكان (رحمه الله) قد اطلع على كتب ودراسات أخرى كنت قد أنجزتها من قبل، وفي صباح أحد الأيام من عام 1986، وكنت قد بكرت في زيارته اقترحَ عليَّ بأن بتحقيق كتاب (المنار في المختار من جواهر البحر الزخّار) للعلامة المقبلي، فأعارني إيَّاه وباشرت بتحقيق الكتاب بإشرافه، ابتداءً بالمجلد الأول، اعتماداً على نسختين مخطوطتين تفضل بإعارتي إياهما، الأولى: مؤرخة في 22 جماد الأول سنة 1160هـ. جاء في آخرها ما يلي: «نُقل من خط السيد العلامة صلاح بن يحيى عن خط السيد العلامة يحيى الناصر عن خط المؤلف سيدنا صالح بن مهدي المقبلي رحمهم الله تعالى عن خط سيدي أحمد بن إسحق بن إبراهيم رحمه الله بقلم كاتبها ومالكها الفقير إلى الله علي بن صالح بن علي الآنسي» (244 ورقة) 23 سطراً. والنسخة الثانية: تم نسخها بخط حسن مشكول في الثامن من محرم سنة 1145هـ، 257 ورقة، 26 سطراً.

قراءة في بعض أوراقه
ومما بقي لديَّ من أعماله دفتر يحتوي على أوراق من ذكرياته السياسية، نشرتها في كتابي، ومن بعض عناوينها: ذكريات عن نشأته والوقائع التي شهدها في العهد الامامي لليمن وعن أيام معارضته ونضاله، جمعية الإصلاح ونشاطها وعن سجنه وما جرى له ولرفاقه من الأحداث، واطلاق سراحه بعد ما يزيد على خمسة شهور ثم مقابلته للإمام يحيى ومقابلة ولي العهد الحسن في تعز، ورأيه في ثورة 1948 (7 ربيع الثاني 1367هـ)، وعن اعتقاله بعد الثورة وانشطته مع رفاقه في السجن، ثم الافراج عنه وتكليفه بوضع صيغة ولاية العهد ومبايعة الأمير البدر بعد تردد الامام حيث أن المذهب الزيدي لا يقر بولاية العهد، حركة انقلاب 1955وما تبعها من أحداث أدت الى فشلها واعتقاله مع رفاقه واعدام معظم رفاقه ونجاته من الإعدام بفضل العلامة الذاري والأستاذ صالح محسن اللذان صرفا نظر الإمام عن إعدامه. اليمن بين حلف بغداد وعبد الناصر، موقف الامام من العدوان الثلاثي على مصر، مشروع ايزنهاور، الاتحاد بين اليمن ومصر، مع الامام في روما، خطبة الامام في الحديدة، توليته لإمارة الحج ولقاء الملك فيصل، محاولة اغتيال الامام أحمد، لقاء مع الملك سعود، الدعوة الى تكفير عبد الناصر، مؤتمر جده، عبد الأعلى المودودي يحرج السعوديين باعتباره الاشتراكية هي صورة عن العدالة الاجتماعية في الإسلام!، عبد الناصر يهاجم الامام احمد ويعلن حل الاتحاد الفيدرالي مع اليمن، والموقف من البيضاني الذي كان يهاجم الاحرار في مجلة روز اليوسف المصرية، وموقف عبدالله السلال منه بعد الثورة، التحضير للثورة اليمنية مع عبد الغني مطر، وعلي محمد سعيد، وعلي حمود الحرازي، وعبد القادر الخطري، والضابط محمد مفرح، وغيرهم وبالتنسيق مع المصريين. بالإضافة الى خواطر أُخرى سنتطرق لها في هذا المقال.

إجازته لي
ولم تمر الأيام طويلاً حتَّى وافاني بالإجازة العلمية التي تفضل بمنحي إياها تلبية لطلبي وذلك في اليوم الخامس عشر شهر ربيع الآخر سنة 1408هـ الموافق لليوم السادس من ديسمبر 1987م. ولا أنسى ذلك الصباح الجميل الذي استقبلني فيه شيخي وأُستاذي الإرياني بوجهه البهي وقامته المديدة وإطلالته الرائعة وبابتسامته الآسرة التي لم تفارقه طيلة أيامه، استقبلني من باب الدار وكان عنده صديقنا الأديب الكبير الأستاذ الشيخ أحمد عبد الرحمن المعلمي واقفاً بجنبه وبين يديه أوراق يقلِّبها، ثم أن الأستاذ الإرياني وبعد تبادل الترحيب المعهود طلب منه أن يقرأ ما في تلك الأوراق، فانطلق يقرأها بصوت جهوري كأنه كان يقرأ شعراً والمعلمي شاعر مرموق مُجيد وأديب فذ، وهكذا قرأ إجازة الإرياني لي، ثم تقدم أستاذنا العلامة الإرياني ونظر فيها ووقّعها بتوقيعه ثم قدّمها لي بفرح ٍغامر فشكرته أجزل الشكر على هذه المأثرة الكريمة التي خصَّني بها. وهي في ثلاث صفحات ختمها القاضي الارياني باسمه وتوقيعه. وهذا نصّها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين وصحابته الراشدين.
وبعد .. فقد طلبَ مني الأخ العالم الباحث الأستاذ محمد سعيد الطريحي العراقي الشيعي، تولَّى الله مكافأته وتوفيقه أن أجيزه في رواية ما تجوز لي روايته فقلت له: إني لم أروِ أو أقرأ شيئاً من كتب إخواننا الشيعة سوى مجموع الفقه الكبير للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام برواية أبي خالد عمرو بن خالد الواسطي القرشي الهاشمي بالولاء، وليس من مرويات علماء الشيعة الإمامية. ولكنه أكَّد وبالحاح طلب الإجازة في ما أرويه، وقد لمست من المذاكرة معه أنه من اخواننا الشيعة المنفتحين على سائر المذاهب وممن يرون وجوب التقريب بينها ما دام أن:
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفا من الديم
كما كان العلامة عبد الرحمن الخير رحمه الله وقد استجبت لحسن ظنه وان كان يصدق علي قول الأول :
ولستُ بأهل أَنْ أَجَازَ فكيف أَنْ أجيز ؟ ولكن الحقائق قد تخفى
وأتذكر أن والدي رحمه الله قد استشهد بهذا البيت في ثنايا إجازته لي وهو الحافظ المجتهد، فكيف بي وأنا ذو تحصيل نزر وبضاعة مزجاة.
وقبل وبعد فإنه مما لا يخفى أن الإجازة من أقسام الأخذ والتحمل، قال العلامة القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله: ” لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة بين سلف هذه الأمة وخلفها، ومن هنا كان المعتبر عند أهل الحديث أن اتصال السند مع عدم سقوط – أي انقطاع – فيه يحصل ولو بالإجازة فينال بذلك المستجيز جواز الرواية ومزية الانتظام في سلك السلسلة وفضيلة الامتثال لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده) . أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن علي عليه السلام، وأورده السيوطي في الجامع الصغير الذي قال في خطبته (نزَّهته عن وضَّاع وكذَّاب. وقد نصَّ الأئمة على أن من خصائص هذه الأمة المحمدية المشهود لها بالخيرية على الأمم بقاء سلسلة الإسناد المتصل بالإجازة، فشأن الإسناد نظير وقدره عظيم، قال سفيان الثوري رحمه الله: (الإسناد قربة من الله تعالى). وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله : (الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)، وكلام العلماء في ذلك كثير، ولذلك أقول :
أجزتُ الأخ الأستاذ محمد سعيد الطريحي جميع ما تجوزُ لي روايته من العلوم من التفسير والحديث والأصول والفروع وعلوم العربية والآثار والأذكار كما أجازني والدي العلامة الحافظ المجتهد القاضي يحيي بن محمد بن عبد الله الإرياني رحمه الله وهو يروي قراءة وإجازة عن والده العلامة محمد بن عبد الله وعمَّيه العلامتين حسين بن عبد الله وعلي بن عبد الله كما أجازهم مشائخهم، وقد انفرد الأول بالرواية عن العلامة أحمد بن علي الطَّشي رحمه الله، وثلاثتهم عن والدهم القاضي العلامة عبد الله بن علي الإرياني وكلاهما عن خاتمة المحققين في اليمن الحافظ المجتهد شيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني رحمه الله. فما حواه مجموع أسانيده “إتحاف الأكابر في إسناد الدفاتر” وبالإحالة على هذا الكتاب الجامع لكلِّ ما أخذه ورواه العلامة الشوكاني رحمه الله نستغني عن ذكر سلاسل الرواة والمشايخ الآخرين. وأذكرُ طريقة أخرى في الرواية عن والدي رحمه الله عن شيخه العلامة يحيى بن محسن العنسي الذماري رحمه الله، وهو يروي عن العلامة عبد الله بن عبد الله بن سعيد عن والده عبد الله ابن سعيد عن العلامة حسين بن عبد الله الأكوع عن شيخه سعيد بن حسن عن السيد العلامة المجتهد الحافظ محمد بن اسماعيل الأمير مؤلف ” سبل السلام ” و” منحة الغفار”، وغيرهما من المؤلفات القيِمة وعن شيوخ المذهب الزيدي الثلاثة الحسن بن أحمد الشبيبي وعبد الله بن حسين دُلامة وعلي بن أحمد الشجني رحمهم الله جميعاً. وقد رويت قراءة عن السيد العلامة عبد الخالق بن حسين الأمير والسيد العلامة الزاهد أحمد الكبسي والعلامة القاضي أحمد بن حسين العمري والعلامة حسين الواسعي والعلامة علي بن محمد فضه والعلامة القاضي عبد الله السرحي والعلامة لطف الفسيل والعلامة المعمر اسماعيل الريمي رحمهم الله وأكرم نزلهم، وغيرهم ممن يكثر تعدادهم ويرفع سند الرواية إلى كتاب ” اتحاف الأكابر ” للعلامة الشوكاني رحمه الله تعالي نستغني عن ذكر حديث واحد مسلسل السند. وأختم هذه الإجازة بذكر أبيات للوالد رحمه الله ، ذيَّل بها إجازته لي وكَرَدٍّ على قصيدتي المرفوعة إليه رحمه الله في طلب الإجازة قال :
طلبت – فدتك النفسُ – مني إجازة و ما نَهلٌ لي في العلوم ولا عَلُّ
ومع حُسنِ ظنٍّ منك أسعفتُ قائلاً، و إن كنت مشغولاً وقد عاقني الشغلُ
أجزتُكَ يا نجلي إجازة والدٍ ويا حبذا أن يقفوَ الوالدَ النجلُ
وأوصي بتقوى الله سراً وجهرةً وترك لتقليد الرجال وإن جلُّوا
وما صحَّ عن خيرِ البرية فاتبع فيا رُبَّ تقليد يكون لمن ضلُّوا
فخف واتَّبع وابحث ودعْ كلَّ بدعةٍ فكل كثير من سوى سنة قلُّ
وإني أرى التقليد أعظم بدعةٍ فما اختاره مضنى به وله عقلُ
نصحتك علماً بالهوى ثم لا أرى مخالفتي، واختر لنفسك ما يحلو
وأرجو دعاء في حياتي وبعدها فذنبي عظيم لا يُطاق له حملُ
وأن يحسن المولى الختام فإنه لأكرم مسؤول به يُرتجى السُّؤلُ
وصلِّ على خير الأنام مسلِّماً مع الآل والأصحاب ما هملَ الوبْلُ
وهذه هي نصيحتي ووصيتي للأخ الأستاذ محمد الطريحي أسعده الله تعالى ووفقه إلى ما يحبه ويرضاه، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وصحابته الراشدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسبحان الله بحمده سبحان الله العظيم.
وحُرِّرَ بدمشق في خامس عشر شهر ربيع الآخر هجرية الموافق 6/12/1987م.
عبد الرحمن بن على الارياني تجاوز الله عنه

مناصرة الارياني لموسوعة الموسم
وحين أصدرت مجلة الموسم كان القاضي الارياني من أهم المؤازرين والمناصرين لها، وهو أول من اقترح تسميتها بـ(موسوعة الموسم)، بدلاً من (مجلة الموسم) وقد أخذتُ برأيه بعد حين، وهو مَن دعا مخلصاً في أن تستمر عنايتي بكتابة ونشر الأبحاث في فنون مختلفة من التراث الاسلامي الفقهي والفلسفي والتاريخي والأدبي، كما أشار لذلك كتابة في تدوينة كتبها لي في تقييم هذا العمل، وقد أجاب الله دعاءه فأنا بحمده تعالى وفضله مستمر على هذا النهج وها هي (الموسم) أوشكت على انتهاء أربعين سنة من عمرها، وفيما يلي نصّ ما كتبه “رحمه الله” تقييماً للـ(الموسم):
((بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أتيحت لي الفرصة لأن أطّلع على أعداد من مجلة (الموسم) التي أهداها اليَّ مشكوراً البحّاثة رئيس تحريرها الاستاذ (محمد سعيد الطريحي).
والحق أنني وجدتُ هذه المجلة الفصلية التي تُعنى بالتراث والآثار أكبر وأغنى بكثير مما تدل عليه اسم المجلة، فهي موسوعة علمية حافلة بالدراسات العلمية والأبحاث المستفيضة في فنون مختلفة من التراث الاسلامي الفقهي والفلسفي والتاريخي والأدبي.
وإنه ليسرّني أن أنوّه بجهود رئيس تحريرها والقائمين عليها والمحررين ومقالاتها، فهُم قد بلغوا بها الشأو الرفيع في مجالها، وأعطوا رسالتها التي تخصصت لأدائها من البحث والتحرِّي والاستقصاء، كل ذلك بروحٍ علمية ونيّاتٍ خالصة لوجه الله، وبأساليب ومناهج موضوعية ودقيقة، فجزاهم الله عن العلم والدين والأمة خيرًا.
وإننا لنرجو لهذه المأثرة العلمية الزاخرة الاستمرار ومواصلة المسيرة في خدمة التراث الاسلامي الضخم وآثاره الخالدة، داعين لرئيس تحريرها والقائمين عليها وكل من ساهم فيها بجهد، بدوام التوفيق والسداد والعمل الصالح: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحابته الراشدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكتبه عبد الرحمن بن يحيى الإرياني، سامحه الله تعالى
في 17 ربيع الآخر ـ تشرين الثاني 1990

 

كتابي عن الاسرة الاريانية
ومن باب ردّ جميل إحسانه ولطفه وثقته بي كتبتُ ما كتبتُ عنه وعن أسرته العلمية الضاربة في المجد والسؤدد، الأصيلة في نجابتها وعراقتها وكثرة النوابغ من أعلامها فطلبتُ منه بعض المصادر التي كانت لديه في الدار، وكما هي العادة كان يتحفني بكل ما أطلب من الكتب فيُعيرني إيّاها في الحال ودون تردد، وكان من بين هذه الكتب كتب الرجال الخاصة باليمن السعيد، وبهذا أتممت ما بدأته من مشروعي في الكتابة عن الإريانيين، كما أمدّني أبن أخيه المؤرخ الأديب الشاعر الأستاذ مطهَّر الارياني (1933-2016م) بمعلومات مفيدة وصور من المخطوطات التي تخصُّ أعلام اسرته.
وأذكرُ أنني سألت القاضي الارياني عن أصل أسرته فأجابني رحمه الله – في بدايات معرفتي به – بأن أصلها من العراق كما ذكرت في بداية حديثي عنه، لكنني وجدت شيئاً آخر للنسبة يحتمل عدة وجوه – من بينها النسبة الى العراق – حيث كتب يقول: «الذي كنت أسمعه من الوالد أن الإريانيين في أصولهم الضاربة في القدم من بقايا قوم سبأ الذين استمروا في اليمن بعد الإسلام، قال: ولما كُتب البعث بالفتح الإسلامي للأندلس ذهب أجدادنا إليها وبعد تسلط الفرنجة قصدوا تونس وربما العراق ثم إلى مكة المكرمة ثم إلى اليمن» وهو على كلّ حال ممن يعتز بنسبته اليمانية أيما اعتزاز، ويكثر من مدح اريان وما فيها من المعالم، ومما أنشدنيه فيها من المدح والاعتبار قال:
حُييتِ يا «أريان» كم من مهجة
تهفو إليك وكم فؤاد يخفق

يا مربض الأبطال من أُسُد الشُرى
بالمجد قلعتك العتيدة تنطق

وقال لي: إذا طالت بنا الأيام وساعدتنا الظروف ستذهب معي إلى اليمن لترى بنفسك حصن (ريمان) وأهداني رسماً فيه صورة الحصن وبجانبه صورة ابنه الأستاذ أحمد الإرياني، كما أهداني أوراق مخطوطة فيها قصائد لعددٍ من أعلام أسرته وأحد المراسيم الأمامية التي تتعلق بإريان، ومن المعلوم أن هنالك عدد من المرسومات الأمامية عن هجرة إريان منذ عام 871هـ ، ومنها مرسوم سنة 1040هـ. وتاريخ هذه الهجرة تاريخ ضارب في التاريخ كما وصفها صديقنا الشاعر الكبير أحمد محمد الشامي «والذي التقيته لآخر مرة في لندن في تموز 1990» وحينما عرف صلتي بالإرياني فَرِح وقال لي: «أنا أُسَمِّي إريان مدرسة البيان وكعبة العرفان».

أعلام الاريانيين الذين ترجمتُ لهم في الكتاب
الإرياني علي بن حسين (1130 ـ 1200هـ/ 1717 ـ 1785م)، الإرياني (علي بن عبدالله) (1271 ـ 1323هـ/ 1855 ـ 1905م)، الارياني (علي بن علي) (1171 ـ 1229هـ/ 1757 ـ 1813م)، الإرياني (محمد بن علي) (1198 ـ 1245هـ/1783 ـ 1829م)، القاضي عبدالله بن علي الارياني (1202 ـ 1275هـ/ 1787 ـ 1858م)، الإرياني محمد بن عبدالله بن علي (1255 ـ 1333هـ/ 1839 ـ 1914م)، الإرياني (محمد بن عبدالله) (ق 13هـ/19م)، الارياني (حسن بن عبدالله بن علي) (1265 ـ 1341هـ/1849 ـ 1922م)، الإرياني (حمود بن حسين بن عبدالله) (1294 ـ 1331هـ/ 1877 ـ 1912م)، الإرياني (حسن بن أحمد) (1319 ـ 1388هـ/1901 ـ 1968م)، الإرياني، الإرياني (عقيل بن يحيى) (1324 ـ 1346هـ/1906 ـ 1927م)، (عبدالله بن محمد) (1335 ـ 1385هـ/1917 ـ 1966م)، ، محمد بن عقيل الإرياني) (المولود 1925)، الإرياني محمد بن يحيى بن محمد (1298 ـ 1350هـ/ 1880 ـ 1931م)، الإرياني (يحيى بن علي) (1240 ـ 1313هـ/1824م ـ 1895م)، الإرياني (محمد بن يحيى) (1326 ـ 1408هـ/1908 ـ 1987م)، الإرياني (يحيى بن محمد بن عبدالله) (المتوفى 1331هـ/ 1912م)، الإرياني (يحيى بن علي بن عبدالله) (1316 ـ 1358هـ/ 1898 ـ 1939م)، الإرياني (علي بن يحيى) (1321 ـ 1358هـ/1902 ـ 1939م)، الإرياني جمال الدين علي بن علي (كان حياً سنة 1353هـ/ 1934م)، الإرياني (يحيى بن محمد) (1299 ـ 1362هـ/ 1881 ـ 1942م)، فضل بن علي الإرياني (المولود1924)، عبد الكريم الإرياني (1934-2015)، يحيى علي الإرياني (المولود1942).

من آراءه ومواقفه التنويرية
السيرة السياسية للقاضي الارياني منذ دخوله معترك الحياة السياسية وحتى توليه منصب رئاسة اليمن، هي سيرة معروفة تناولها الكثير من الكتاب والمؤرخين والساسة، وبودِّنا هنا أن نلقي بعض الأضواء على مسيرته التنويرية باعتباره رجل دين وقاض خبير وفقيه مجتهد ، وهذا ما لمسته ولمسه كل مَن يعرف القاضي الارياني رحمه الله وهذه بعض المواقف التي تشهد له على دعوته للتسامح والاخوة نبذ التفرقة والتعصب الديني وهي بعض مما اخترته من رسائله المخطوطة:

اجتهاده ومحاربته للطائفية
يقول الارياني: ((إنَّ لي من مذهبي الذي لا أقلّد به غير الكتاب والسنة الصحيحة ما يحملني على حسن الظن بكلِّ من يشهد ان لا اله الا الله وان محمداً لرسول الله ، أوَ لمْ يقل النبي الكريم صلى الله عليه والله وسلم: “من قال لا إله الا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم دمه وماله وحسابه على الله عز وجل” أخرجه مسلم واحمد. ولا شك أن التعصب المذهبي هو من المحن التي أبتلي بها المسلمون في كل زمان ومكان وأن كتب التاريخ مليئة بما كان يجرى في بغداد عاصمة الدولة الاسلامية في عهد بني العباس وفي غيرها، من الملاحم السنوية التي تُسفك فيها الدماء بين أبناء المذاهب الأربعة المتسمة بالسنية وأن ذلك لم يكن مقصوراً على بلاد الشام أو الطائفتين السنة والشيعة.

دفاعه عن الزيدية
ومما يُحسب له في هذا الشأن أنه دافع بشدة عن إيمان مواطنيه من الزيدية، فقد هاله الفتوى المُجحفة بحقّهم التي أصدرها الشيخ عبد العزيز بن باز ريئس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة – في حينه – والمرقمة 2143 بتاريخ 2-9-1395هـ. وفحواها القول بعدم صحة الصلاة مع الزيدية متهماً ايَّاهم بأنواع من الشركِ . قال: (ومثلهم الامامية). وقد عزَّ عليه أن تنتشر تلك الفتوى السيئة بين العامة وحذَّر من الفتنة التي سوف تحدثها لتكفير امة كبيرة من المسلمين، فقادَ حملة كبيرة وكلَّف عدد من العلماء والناشطين المؤمنين بالوحدة الإسلامية للرد والاعتراض على الفتوى، حتى كُللت تلك الجهود بتراجع الشيخ ابن باز من فتواه المذكورة بحسب بيانه الذي أصدره بتاريخ 24-9-1396هـ. مصرحاً فيه أنه أخطأ ((.. وجب علىَّ أن أعيد النظر في هذه الفتوى لأن الواجب هو الأخذ بالحق لأن الحق هو ضالة المؤمن متى وجده أخذه… وكل مفتي وكل عالم وكل طالب علم قد يقع منه بعض الخطأ ثم بعد وضوح الحق وظهوره يرجع اليه وفي ذلك شرف وفضل ..)).

الفقهاء الجامدون وتعطيل العقل
والارياني انطلاقاً من فكره المتنور وعمله بالاجتهاد يرى أن محنة التعصب الديني سببها بعض رجال الدين الذين جمدوا على الأخذ من آراء السلف من دون أن يُتعبوا أنفسهم ويجتهدوا ليسايروا الزمن بيسير مسائل الفقه وما اليه، حيث يرى: ((إن هذه المحنة القديمة الحديثة قد جاءت من جرّاء إغلاق باب الاجتهاد وتعطيل العقل والانصراف عن الرجوع الى كتاب الله وسنة رسوله إلى التفريع عن اقوال أئمتهم الذين نُجلهم ونُقدرهم والدوران حول ناعورتهم يفتون به ويدينون بما جاء عنهم وقد تناسى مغلِقُوا باب الاجتهاد قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله (ان من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران) وقول الرسول الكريم حين بعث معاذ رضى الله عنه إلى اليمن وقد سأله بما تحكم بينهم؟ فقال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ فقال أجتهد رأيي. فقال عليه الصلاة والسلام (الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولهِ).
ومع ذلك فلم يقتصروا على إلغاء النظر في كتاب الله وسنَّة رسوله اكتفاءً بما قنَّنه الأئمة الأربعة رحمهم الله بل شنَّعوا على من خرج عن اقوالهم مستعملاً عقله الذي هو حجة الله عليه في فهم ما جاء من الكتاب والسنة والنهل من معينها وجرَّموه وربما تجرأ بعضهم فشرَّع أن يجلد خمسين جلدة، فقد حكى العلامة المجتهد صالح بن مهدي المقبلي اليماني في كتابه الابحاث المسدَّدة أن بعض علماء مكة المكرمة افتى أن يجلد من يعمل في بعض المسائل بقول ابي حنيفة بينما هو ملتزم منها الشافعي خمسين جلدة !! وكان المقبلي رحمه الله قد ترك صنعاء وجاور في مكة وقد لقي من علمائها ولاسيما العلامة البرزنجي الكثير من الكيد والضرر والأذى لا لشئٍ الا أنه لا يلتزم بأحد المذاهب .
ومع انهم يروون قول الامام الشافعي رضي الله عنه: (اذا صحَّ الحديث فهو مذهبي).إلا أنهم لا يعملون به بل يجرّمونَ مَن خالفه عاملاً بالحديث الصحيح.
هذا هو حال الكثرة الكاثرة من علماء المسلمين إلا من رحم ربّك ونحن لا نملك إلا أن ندعو الله العلي القدير بأن يلهم المسلمين رشدهم ويهديهم الى صراطه المستقيم ويوحّد كلمتهم ويفتح أبصارهم وبصائرهم على أعدائهم حيث يكمن الخطر عليهم وعلى دينهم

حوار في طرطوس
ومما ورد في رسائله المخطوطة هذه الحادثة التي جرت له في الساحل السوري، قال: ((في سنة 1977 مررت بطرطوس في طريقي إلى مصيف صلنفة. وقد ذهبت الى أحد المساجد لأداء صلاة الظهر وكان هناك بجانب المسجد مدرسة الطلاب العلوم الدينية، وقد حلَّقَ بي الطلاب بعد الصلاة ربما دعاهم الى ذلك الزي اليمني الذي رأوه عليّ وقد سألوني: من أين الشيخ ؟ فقلت: من اليمن. فبادروني بقولهم: عندكم (الزيدية)؟ قلت: نعم. فسألوا: مَنْ يتّبعون من المذاهب الأربعة؟. فقلت لهم: إن لهم مذهبهم الخاص الذي يأتمون فيه بالإمام زيد ابن علي عليه السلام، ولكن من أصول مذهبهم الفقهية (أن كل مجتهد مصيب)، ومن هنا كثر عدد المجتهدين منهم كالسيد الأمير والسيد الوزير، وشيخ الإسلام الشوكاني والمقبلي وهؤلاء كلهم علماء مجتهدون اذا كنتم من طلاب العلم فإنَّكم لا تجهلونهم فكتبهم مطبوعة متداولة يدرسها طلاب العلم في جميع البلاد الإسلامية وللشوكاني أتباع في باكستان وللمقبلي أتباع في افغانستان، والمذهب الزيدي في فروعه لا يخرج عن المذاهب الأربعة فقد يتفق مع الشافعي او مع مالك. أو أحمد بن حبيل وكثيرا ما يتفق مع أبي حنيفة أو على الأصح يوافقهم أبو حنيفة الذي تتلمذ على يد الامام زيد كما اكد ذلك المترجمون له، أما في الأصول فانهم يتفقون مع المعتزلة في معظم ما ذهبوا اليه) .
وبعد سماعهم لهذا التعريف خرجوا من الموضوع قائلين: أما عندنا في سوريا. فيوجد العلويون والنصيرية.. وقالوا عنهم كلاماً كثيراً يدلُّ على سوء الظن الذي جاء نتيجة الجهل وسوء الفهم والتلقّي معلومات خاطئة من أساتذتهم. فقلت لهم: انهم فيما يُعرف من الشيعة الإمامية الجعفرية ومذهبهم من المذاهب الإسلامية التي يلتزم بها عشرات الملايين من المسلمين .. فقالوا: ومِن أين عرفت ذلك؟ فقلت لهم: من أحد علمائهم الذي تعرفت عليه ومن الكتب التي أهداها اليَّ. فقالوا: إنهم يقولون بالتقية!. فأجبتُ: اني لا أعلم عنهم ذلك. ولنفرض جدلاً انهم يقولون بها كالإسماعيلية فان الاسلام يفرض علينا أن نعاملهم بالظاهر والله وحده متولي السرائر، واتبعت ذلك بعتب شديد لا داعي لتسجيله هنا.
وكان حظ مشايخهم ومدرسيهم الدين يلقنونهم هذه الافكار المغلوطة والخاطئة ويزرعون في قلوبهم الغضَّة والخالية العداء والبغضاء لإخوان لهم في الدين والوطن من عتبي أعظم..
وقلت لأحد المشايخ الذي كان يرْقُبُنا من بعيد متابعاً للحوار: ان العلويين يعيشون بين أظهركم فلماذا لا تناقشونهم لتعرفوا ما عندهم وتتأكدون ان ظنكم أثم؟، وخرجت من المسجد وأنا حزين لأن هذه العصبية التي لا تختلف عن عصبية الجاهلية وصبغتها بالصبغة الدينية تزيد في إثم حاملها لا تزال موجودة تلقَّن في المدارس ويعتنقها شباب مسلم المنتظر منه ان يكون منفتحاً على مذاهب جميع من يؤمنون بالله رباً وبمحمد نبيا لأن حصر شريعة الإسلام وعقائده بأقوال الائمة الأربعة رضي الله عنهم ابتداع لم يأت به كتاب ولا سنة. وقد تأكدت ان المسلمين لا يزالون في حاجة الى علماء مجتهدين مجددين مصلحين يجمعون شملهم ويوثقون اواصرهم تحت لواء لا إله الا الله محمد رسول الله)).

التعصب بين اليمنيين والحجازيين
((ان اليمن الذي يتألف أبناؤه من طائفتي الشافعية في الجنوب والزيدية في الشمال كان مبلياً بهذا التعصب ولاسيما في العهد العثماني الذي استغل ولاته ذلك لصالح سياستهم فكان الجنوب يدين لهم بالولاء بينما لم تهدأ ثورة الشماليين ضدهم على مدى نيِّف وسبعين سنة هي مدة احتلالهم الأخير لليمن وكانت العزلة المضروبة وعدم الاختلاط بين الفئتين تزيد طين التعصب بِلَّة، فاطلق الشماليون على الجنوبيين اسم المُجْبِرَة والمشَبِهَة وسمَّاهم الجنوبيون بالرافضية والمبتدعة، وبلغ التعصب الذي كان بعض علماء حضرموت سامحهم الله يعملون على ترسيخه وإثارته في بعض المناطق كدافعٍ إلى الحرب مع جنود الامام يحيى الذي عمل على الاستيلاء على الجنوب الذي كان تحت الحكم التركي حينما انسحب الأتراك من اليمن في أعقاب الحرب الكونية الأولى بلغ بهم التعصيب الى حد ان يقول شاعرهم: الشعبي في نشيد حرب :
((وِاحنا شوافع والمذاهب أربعة والمذهب الخامس على دين المسيح))
ولكنه بعد استيلاء حكومة الامام يحيى على ما استولت عليه من الجنوب بما فيه منطقة هذا الشاعر اختلط المواطنون من الطائفتين وتعارفوا فتآلفوا وذهبت جميع النعرات المذهبية المفرّقة ثم جاءت الجمهورية فاشتركت الطائفتان بمساندتها و بالتالي بالمناصب والأعمال وخدمة الوطن، وانتهى كل أثر لهذه العصبية المقيتة.
على ان هذه العصبية قد ظلت تنشر وباءها بين اليمنيين والحجازيين وقد كان الحجاج الزيديون يلقون عنتاً واضطهاداً في عهد الاشراف الى حدّ إغراء الأطفال في مكة والمدينة ليصيحوا بهم (اليهودي ولا الزيدي)، وجاءت دولة الوهابيين فازداد التعصب في البداية..)).

شهادته التاريخية عن مجزرة تنومة
من بين الوقائع التاريخية التي عاصرها في بواكير صباه “مجزرة تنومة “وهي موضع بين بني شهر، وسدوان من بني الأسمر”، وقعت أحداثها في 17 ذي القعدة 1341هـ (الموافق 1 يوليو 1923م)، وهناك رأي أنها وقعت سنة 1340 هـ، أو 1342 هـ كما ذهب اليه القاضي الارياني، وكان ذلك خلال فترة التوسُّع السعودي وضم مناطق عسير والحجاز، وتُعد من الأحداث المأساوية والدموية في التاريخ الحديث للمنطقة ؛ حيث تعرَّضت قافلة حجاج يمنيين عُزّل، قُدّر عددهم بالآلاف وحَشرَ المجرمون “الاخوان” جثث القتلى الأبرياء مع بعضها فكانت كالتلال، وكان أُولئك الشهداء الأبرار متوجهين إلى مكة المكرمة، فتعرَّضوا لكمينٍ وهجومٍ مسلح في وادي تنومة ووادي سدوان بمنطقة عسير على يد قوات موالية للملك عبد العزيز آل سعود. وقُدّر عدد الضحايا في هذه المجزرة آلاف الحجاج اليمنيين (رجالاً ونساءً وأطفالاً)، وتتحدث المصادر التاريخية وحسب رواية القاضي الارياني أن عددهم 2,600 وبعض المصادر تقول ثلاثة آلاف حاج قتلوهم وحرص القتلة الأوغاد على إبادتهم جميعا حتى الجرحى منهم؛ إذ كانوا يذفِّفون على الجريح، ويتمِّمون قتله، حتى النساء منهم ولم ينجُ من المذبحة سوى بضع مئات (قيل إنهم نحو 500 شخص)، و بين الشهداء 900 شهيد فُصلت رؤوسهم عن أجسادهم، أما الذين استطاعوا الفرار وعادوا أدراجهم إلى اليمن أو واصلوا طريقهم بصعوبة. هذه الحادثة تركت في نفس الارياني جرحاً لم يندمل وقد جرّنا الحديث اليها مرة فسرد لي شيئاً من وقائعها المؤلمة بتفجُّعٍ وحزن وتلى أبياتاً لوالده العلامة يحيى الارياني في رثاء شهدائها والتبرؤ من القتلة المتوحشين، وبحسب الارياني أنه: ((قُتل في تلك المجزرة 2,600 حاج يمني وهم في طريقهم الى الحج. يعتمرون ثياب الاحرام ويجأرون بـ (لبيك اللهم لبيك) وكان الجنود يهتفون: (اجتلوا المشرج ) أي (اقتلوا المشرك) ويضيفون قولهم:
هبَّت هبوب الجنّة وين انت يا باغيها
أي (يا طالبها) انهم يطلبون الجنة بقتلهم المسلمين المحرمين بالحج. ولم يفرقوا في هذه المجزرة بين زيدي وشافعي، ولا شك أن هذا التعصب قد هدأ أواره بعد الاختلاط والتعارف، واليمنيون اليوم يعيشون في المملكة. ناعمي البال موفوري الكرامة ولم يبق أثر للعصبية الا عند قلة قليلة من علماء الدين – مع الأسف الشديد – وهم الذين كان المفروض فيهم أن يعملوا على إرساء روح التآخي بين المسلمين)).

صنعاء في قصيدة نجفية
ولما كان الشيء بالشيء يذكر، أقول: في إحدى الجلسات معه أنشدته، قصيدة في مدح صنعاء نظمها المرحوم عبد الهادي الجواهري، وهو شاعر وأديب من النجف الأشرف، وشقيق الشاعر الشهير محمد مهدي الجواهري، ((ترجمتُ له ترجمة مفصلة بأحد عشر حلقة نشرت في جريدة (العدل) الصادرة في النجف خلال السبعينيات من القرن الماضي، ونقحتها فيما بعد وأضفت لها إضافات هامة ومن بينها ديوانه المخطوط ونشرت كلّ ذلك في كتابي (الجواهريون الخمسة) الصادر عام 2022 والذي جمعت فيه أخبار العلامة الشيخ عبد الحسين الجواهري وأولاده الأربعة الاعلام )). وكان الجواهري قد شغف بالأسفار في شبابه فَدَخلَ اليمن سنة 1929من جهة الحديدة ثم أقام في اليمن عدة أشهر، ومدح صنعاء بقصيدة استأنس لها أستاذي الإرياني بل وبالغ فيها جداً بجمال صنعاء (حسب تعبير الشيخ الارياني حين أسمعتها له)، ومما جاء في القصيدة:
لا زال من عبق له يهديك
فياح نشر هبَّ من واديك

(صنعاء) يا دار الحضارة والعلى
ومقر كل سميدع ومليك

سعدت بمرآكِ النفوس وهكذا
لا زال تسعد نفسه

(باريس) دونك في الجمال و(لندن)
وعواصم الرومان والأمريك

فجمال تلك مزخرف متكلف
وجمالك المطبوع من باريك..

قد هجت بلبالي بحسن مناظر
وجذبت قلبي جذبة المنهوك

ما هذه الأرياف ما هذي الربى
ما الروض ما ورد الخميلة فيك

ما الماء يجري سلسلاً متشابكاً
ما الطير يشدو في رُبا واديك

ما مأرب، ما سدّه، ما حمير
ما تبّع، كل أرى يعنيك

يا منبت الشرف الأثيل وربة الروض الجميل وجنة المضنوك

كيف السبيل إليك ثاني مرة
هيا اعلمي صَبَّاً تشبب فيك

لا أرتضي عنك البديل ولو أتت
بلقيس في عرش لها وأبيك

هذي صحائف مجدك الماضـي فما
أيدي الظروف تناوشت ماضيك

هذي القصور الشامخات وقد علت
هام السماك تلوح في عاليك

هذي المدارس في بنيك تزاحمت
ما غَـيَّـرت غيرُ الزمان بنيك

ظنوك خائرة العزيمة والقوى
خاب الذين بمثل ذا ظنوك

رجعوا الوراء وساورتهم حسرة
إذ ليس فيما أمَّلوا وجدوك

ورجعت واضحة الجبين مهيبة
لما لقيتِ غير ما يرضيك

فحذار يا أم الجمال من العدى
وحذار ثم حذار من شانيك

لا زالت يا (صنعا) لرائدك المنى
دوماً ولا برح الهنا أهليك

قلت: وقد كتبت فصلاً في العلاقات الثقافية بين صنعاء والنجف الاشرف، سأعود اليه لأنشره منفرداً وفيه الكثير من الأدب الحي والروابط المتينة التي نشأت بين الحاضرتين. وهناك بعض الخواطر التي دوَّنتها في مذكراتي من خلال لقاءاتي بالرئيس الراحل، ومنها رأيه بالزعيم عبد الكريم قاسم وجمال عبد الناصر والعقيد القذافي وأذكرُ منها بخصوص العقيد معمر القذافي أنني استشرته في تلبية دعوته في الذهاب الى ليبيا حين أرسل لي شخصاً من طرابلس قدِم الى دمشق لأجل الدعوة، فنصحني بعدم الذهاب لأمرٍ أقنعني فيه في حينه.
ومن ذلك ما سجَّلته من النوادر الأدبية والمساجلات الشعرية التي كان يذكرها خلال أحاديثه فأطلب منه تفاصيلها وأكتبها، ولا أنسى ما حييت لطفه وتواضعه وتفقده الدائم وإكرامي بأكياس البُنْ اليمني متى ما يصله منه مقدار معلوم، هذا بعض ما علق بذهني من الذكريات مع الأستاذ الإرياني، وكان آخر العهد به أن ألقينا عليه النظرة الأخيرة في مستشفى الشامي بدمشق حيث كان مسجَّى هناك على سرير المرض مستسلماً لإرادة الله وقدره وكان في غرفة الإنعاش وفيها لفظ أنفاسه المباركة الأخيرة، فانتقل إلى رضوان الله، في يوم السبت 14 مارس 1998م/15 ذي القعدة 1418هـ، ونقل جثمانه حيث وُوري الثرى بصنعاء، عليه شآبيب الرحمة والرضوان.

تأبين الارياني
بعد وفاته بسنين التقيتُ ولده “وزير السياحة اليمني الأسبق”، الأستاذ الكريم السيد عبد الملك الارياني بمدينة لاهاي عام 2004م حين كان سفيراً لدى مملكة هولندا، فأهداني مجموعة تتضمن بعض ما قيل في تأبين والده الرئيس القاضي الارياني، نشرت بعضها في كتابي ومن بين كتب عن والده الراحل: ((الرئيس علي عبد الله صالح، أ. د. عبد العزيز المقالح، المناضل القاضي عبد السلام صبره، العميد يحيى محمد المتوكل، العميد محمد علي الأكوع، السفير عبد الله عبد السلام صبره، المناضل محمد الفسيل، الأستاذ المناضل أحمد حسين المروني، الأستاذ أحمد جابر عفيف، السفير عبده عثمان، المناضل الدكتور حسن مكي، المناضل شرف عبد الكريم المحرابي، الدكتور يحيى الشعيبي، الدكتور عبدالله عبد الولي ناشر، العميد حسين المسوري، المناضل يوسف الشحاري)). وألفيت سعادة الأخ عبد الملك الارياني مهتماً جداً بجمع تراث والده المبجل ونشر مآثره وآثاره.
رحمة الله على نادرة زمانه العلامة القاضي الأرياني، بما هو أهله وأنزل عليه سحائب مغفرته.

*رئيس أكاديمية الكوفة

قد يعجبك ايضا