زەنون سليفاني ـ زاخو
شهد العالم في العقود الأخيرة ثورة تكنولوجية هائلة تمثلت في ظهور شبكات التواصل الاجتماعي (Social Media)، والتي تحولت بسرعة فائقة من مجرد وسائل للترفيه والتواصل الشخصي إلى قوة مؤثرة تصوغ أفكار المجتمعات، وتوجه الرأي العام، وتغير أنماط الحياة اليومية للأفراد. وكغيرها من مكتشفات العصر، تحمل هذه الشبكات في طياتها وجهين متناقضين؛ أحدهما إيجابي يخدم الإنسانية، والآخر سلبي يشكل تحديات خطيرة.
أولاً: الإيجابيات (أنوار التواصل والتقدم)
لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي لعبته شبكات التواصل في تقريب المسافات وجعل العالم قرية صغيرة حقاً. ومن أبرز إيجابياتها: التواصل الفعال وسرعة تدفق المعلومات: تتيح هذه المنصات للأفراد التواصل مع العائلات والأصدقاء بغض النظر عن المسافات الجغرافية، فضلاً عن كونها مصدراً أسرع للحصول على الأخبار والمعلومات مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.
نشر المعرفة والثقافة: ساهمت المنصات في إتاحة المحتوى التعليمي والتثقيفي للجميع، مما سهّل عملية التعلم الذاتي، ونشر الوعي بالقضايا الإنسانية والعالمية.
خلق الفرص الاقتصادية: فتحت هذه الشبكات آفاقاً واسعة لريادة الأعمال، والتسويق الإلكتروني، وتمكين أصحاب المشاريع الصغيرة من الوصول إلى جمهوره المستهدف بأقل تكلفة.
حرية التعبير والمشاركة المجتمعية: منحت صوتاً لمن لا صوت لهم، وساهمت في تنظيم المبادرات التطوعية والإنسانية بسرعة وكفاءة عالية.
ثانياً: السلبيات (مخاطر التباعد والزيف)
على الجانب الآخر، أفرز الاستخدام المفرط وغير الواعي لهذه الشبكات تداعيات سلبية مقلقة تؤثر بشكل مباشر على بنيان المجتمع:
العزلة الاجتماعية والوحدة: على الرغم من قدرتها على ربط الملايين، إلا أنها غالباً ما تخلق فجوة في العلاقات الأسرية المباشرة، وتؤدي إلى شعور الأفراد بالعزلة والاكتئاب نتيجة المقارنة المستمرة بالآخرين.
انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة: تتميز هذه المنصات بسرعة فائقة في نشر المعلومات دون تحري الدقة، مما يؤدي إلى تضليل الرأي العام وإثارة الفتن والهلع بين الناس. استنزاف الوقت وضياع الإنتاجية: تسببت في إدمان رقمي حقيقي، لا سيما بين فئة الشباب، مما أدى إلى تراجع الإنتاجية في العمل والدراسة، وضعف التحصيل العلمي.
انتهاك الخصوصية والجرائم الإلكترونية: سهّلت هذه الشبكات عمليات القرصنة، والابتزاز الإلكتروني، والتنمر الرقمي، مما يهدد الاستقرار النفسي والأمان الشخصي للأفراد ،
إن شبكات التواصل الاجتماعي هي أداة محايدة؛ قيمتها وأثرها يعتمدان كلياً على كيفية استخدامها. فالإيجابيات تتحقق بالوعي والترشيد، والسلبيات تتفاقم بالإفراط والجهل بأضرارها. من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز الوعي الرقمي في المدارس والأسر، لتحقيق التوازن المنشود، والاستفادة من تقنيات العصر دون الوقوع في فخ أضرارها، لتبقى وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع لا لهدمهما.