(أسباب ترهل التعليم في العراق … الواقع والحلول المطروحة).

د. كريم نوري عبد الله الدليمي.

يقول المفكر والفيلسوف البرازيلي: باولو فريري ( Paulo Freire): ( التعليم الذي يقتصر على إيداع المعلومات في عقول الطلاب ليس تعليماً يحرر الانسان ).
ونحن بدورنا نقول: ( التعليم القائم على التلقين يحول الطلاب إلى أوعية تملأ بالمعلومات ، بدلاً من ان يكونوا شركاء في انتاج المعرفة):
يعد التعليم الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة ، فهو الوسيلة التي تسهم في اعداد الافراد القادرين على مواجهة تحديات العصر والمشاركة الفاعلة في نهضة اوطانهم وقد شهد التعليم تراجعاً ملحوظاً انعكس على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التحصيل العلمي ، نتيجة تراكم العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية ، وقد أدى هذا الواقع الى بروز ظاهرة ترهل التعليم ، التي أصبحت من ابرز القضايا التي تستدعي الدراسة والتحليل ، لما لها من اثار مباشرة في مستقبل الأجيال والتنمية الوطنية ، وقد تناول المقال ابرز أسباب ترهل التعليم في العراق ، ويستعرض واقعه الحالي ، الى جانب مناقشة اهم الحلول والمقترحات التي يمكن ان تسهم في اصلاح المنظومة التعليمية ، والارتقاء بمستواها بما يواكب متطلبات العصر :
اولاً: واقع التعليم في العراق؟
مشكلة التعليم في العراق قد تفاقمت اليوم بشكل كبير جداً ، كون قطاع التعليم عانى ويعاني منه البلد برمته وكافة قطاعاته من غياب للمؤسسات وحالة امنية متدهورة وفوضى يؤطرها ، الفساد الإداري والمالي ، والذاتي بشكل لم يسبق له مثيل ، فالتدهور الذي أصاب التعليم في العراق منذ عقود خلت نتيجة السياسات الخاطئة ، ناهيك عن الحروب وفترة الحصار الاقتصادي الذي تأثر به هذا القطاع بشكل كبير ، كما انه انقطع عن العالم تماماً وبات يعيش في عزلة خانقة ويعاني من مشاكل جمة انعكست على المستوى العلمي والاجتماعي لطرفي المعادلة لرئيسية لهذا القطاع ، والذي نقصد به ( المعلم ، والأستاذ ، والطالب ):
بعد احتلال العراق عام 2003 ، وانهيار مؤسسات الدولة ، تعرض هذا القطاع بمؤسساته المختلفة المدارس والجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث والمكتبات ؛ الى عملية نهب وسلب وتدمير ليضيف الى أعبائه عباً أخر من هذا القبيل، لا يقل عن السابق ، من تفشي الفساد الإداري والمالي وانخفاض المستوى العلمي وغياب المعايير الموضوعية لعملية التعليم ، ومحاولة بعض اطراف المعادلة السياسية في البلد الى تسيس هذا القطاع ونتيجة المحاصصة التي تتسم بها مظاهر الحياة العراقية اليوم اقتصادياً و اجتماعياً وثقافياً وسياسياً؛
وقد شهد النظام التعليمي في فترات سابقة تطوراً ملحوظاً وهو يعد من افضل الأنظمة التعليمية في المنطقة من حيث جودة المناهج ومستوى الكوادر التعليمية ، الا ان الحروب والصراعات والعقوبات الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني والسياسي ، اثرت بشكل كبير في هذا القطاع ، مما أدى الى تراجع مستوى المؤسسات التعليمية ، وضعف البنية التحتية ، وانخفاض جودة التعليم في مختلف مراحله ، كما تعاني المدارس والجامعات من الاكتظاظ ، ونقص الأبنية المدرسية ، وضعف التجهيز والمختبرات ، فضلاً عن محدودية استخدام التقنيات الحديثة في التعليم ، الامر الذي انعكس سلباً على مستوى الطلبة وقدراتهم على اكتساب المهارات والمعارف اللازمة :
ثانياً: أسباب ترهل التعليم في العراق:
تعددت الأسباب التي أدت الى ترهل التعليم ومن ابرزها:
1-ضعف البنية التحتية التعليمية: اذ تعاني العديد من المدارس من تهالك المباني ونقص الخدمات الأساسية ، مما يخلق بيئة تعليمية غير مناسبة.
2-تقادم المناهج الدراسية: وعدم مواكبتها للتطورات العلمية والتكنولوجية ، واعتمادها بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين ، بدلاً من تنمية التفكير النقدي والابداعي المتطور.
3-ضعف اعداد المعلمين والتدريب المستمر: حيث يحتاج الكثير من الكوادر التعليمية الى برامج تطوير مهني تمكنهم من استخدام أساليب التدريس الحديث.
4-التدخلات الإدارية والسياسية في إدارة المؤسسات التعليمية ، وما يرافقها من ضعف في التخطيط الاستراتيجي وتخاذ القرارات.
5-ضعف الانفاق على التعليم مقارنة بحجم الاحتياجات ، مما يؤثر في بناء المدارس وتجهيزها وتطوير المناهج وتوفير الوسائل التعليمية .
6-التسرب الدراسي الناتج عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية مما يؤدي الى زيادة معدلات الامية وتقليل فرص التعليم.
7-هجرة الكفاءات العلمية والأكاديمية الى خارج البلاد الامر الذي أدى الى فقدان الخبرات التي تسهم في تطوير المؤسسات التعليمية.
8-ضعف التحولات الرقمية وعدم الاستفادة الكاملة من التكنولوجيا في العملية التعليمية ، خاصة بعد التجارب التي اثبتت أهمية التعليم الالكتروني في الدول المجاورة والدول المتقدمة الإلكترونياً .
ثالثاً: الحلول والمقترحات:
يتطلب اصلاح التعليم في العراق خطة وطنية شاملة تقوم على أسس علمية ؛ ومن اهم الحلول:
-زيادة الانفاق الحكومي على قطاع التعليم بنسبة (25%)، من الميزانية العامة ، بما يضمن تحسين البنية التحتية وتجهيز المدارس والجامعات.
-تحديث المناهج الدراسية بما ينسجم مع التطورات العلمية ومتطلبات سوق العمل.
-الاهتمام بتأهيل المعلمين والأساتذة من خلال برامج تدريب مستمرة داخل العراق وخارجه.
-تعزيز استخدام التكنولوجيا والتعليم الرقمي وتوفير الانترنيت والأجهزة التعليمية.
-مكافحة الفساد الإداري والمالي في المؤسسات التعليمية واعتماد معايير الكفاءة والشفافية في الإدارة.
-تشجيع البحث العلمي ودعم الجامعات ومراكز الدراسات .
-تعزيز التعاون بين وزارة التربية وزارة التعليم العالي والمؤسسات الدولية للاستفادة من التجارب الناجحة.
-اطلاق برامج حديثة في نظام الالتحاق في المدارس والجامعات للحد من للتسرب الدراسي ودعم الطلبة من الاسر ذات الدخل المحدود.
الخاتمة:
يمثل ترهل التعليم في العراق تحدياً وطنياً يؤثر في حاضر البلاد ومستقبلها ، لأنه يرتبط بإعداد الانسان القادر على قيادة عملية التنمية والإصلاح ، ولا يمكن معالجة هذه المشكلة من خلال حلول جزئية او مؤقتة بل تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تشترك في تنفيذها الدولة ، والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص:
أن الاستثمار في التعليم هو استثمار في مستقبل العراق ، وكل خطوة تتخذ نحو تطوير المدارس والجامعات ، وتأهيل الكوادر والملاكات وتحديث المناهج ستنعكس ايجابياً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء مجتمع قائم على المعرفة والابداع ، ومن ثم فأن اصلاح التعليم ينبغي ان يكون أولوية وطنية لضمان مستقبل افضل للأجيال القادمة واستعادة الامكانية العلمية التي عرف بها العراق عبر تاريخه الحضاري والاقتصادي والثقافي والعلمي:

قد يعجبك ايضا