ماهين شيخاني
كان ينتظر مكالمة واحدة فقط.
منذ أسبوع وصديقه، صاحب المكتب العقاري، يعده بأن المستأجر سيدفع أجرة الشقة، وأن المبلغ سيبقى أمانة في المكتب حتى يأتي لاستلامه. لم يكن المبلغ كبيراً، لكنه بالنسبة إليه كان يشبه نافذة يدخل منها الهواء إلى بيت اختنق طويلاً.
في العاشرة صباحاً فتح هاتفه.
رسالتان.
الأولى من صديقه:
“الأمانة وصلت… تعال متى شئت.”
ابتسم لأول مرة منذ أيام.
وقبل أن يغلق الهاتف، رنّ هاتفه.
كان صديقاً قديماً من العاصمة.
قال بسرعة:
— سيأتيك شخص ليستلم مبلغاً مني.
استغرب.
— أي مبلغ؟
— سأرسله إليك بعد قليل. استلمه، ولا تسلمه إلا لصاحبه، ثم اتصل بي.
— هاتفي لا يعمل إلا عبر الواي فاي.
— أعرف… افعل ما تستطيع.
انتهت المكالمة.
وبقيت الجملة الأخيرة تتردد في رأسه:
“لا تسلمه إلا لصاحبه.”
ذهب إلى المكتب العقاري.
كان صاحبه قد خرج مع بعض الزبائن.
انتظره.
لم يكن قادراً على الجلوس. كلما استقر على الكرسي دفعه القلق إلى الوقوف من جديد، وكأن الحركة وحدها تؤجل الأسئلة التي بدأت تتكاثر في رأسه.
بعد ساعة عاد صاحب المكتب، وسلّمه ظرفاً بنياً.
فتح الظرف.
رزم من الدولارات.
عدّها مرتين.
ثم أعادها سريعاً إلى الظرف، كأنه يخشى أن يطولها ضوء النهار.
سأل:
— ومن سيستلمها؟
هز الرجل كتفيه.
— لا أعرف… قال فقط: اتركها عنده.
خرج إلى الشارع.
كانت الشمس تلسع الإسفلت.
لكن الحرارة الحقيقية كانت في رأسه.
كان يحمل ظرفاً لا يعرف صاحبه.
ولا يعرف اسمه.
ولا شكله.
ولا حتى رقم هاتفه.
أما هاتفه…
فلا شبكة.
كلما حاول الاتصال بصديقه، ظهرت العبارة نفسها:
“لا توجد خدمة.”
كان الظرف يزداد ثقلاً مع كل دقيقة.
ليس لأنه مليء بالدولارات…
بل لأنه مليء بالأسئلة.
وحين وصل إلى مكان تتوفر فيه شبكة الإنترنت، انهالت الرسائل.
اتصالات فائتة.
رسائل صوتية.
ورسالة من أخيه:
“صديقك يبحث عنك منذ ساعات.”
فتح الرسالة.
كان صوت صديقه متعباً:
— أتعبتك معي… لكن الأمر أخطر مما توقعت.
اتصل به فوراً.
— ماذا حدث؟
قال بصوت يكاد يختنق:
— الرجل الذي سيستلم المال لم يجدك… ابنته في المستشفى… العملية اليوم… وإن لم يصل المال قبل الخامسة فلن يستطيعوا إجراءها.
نظر إلى الساعة.
الرابعة إلا عشر دقائق.
ركض.
كان الإسفلت يحرق قدميه، والهواء يدخل رئتيه كأنه شظايا زجاج، بينما قلبه يسبق خطواته.
دخل مكتب الحوالات.
ناول الموظف الظرف.
قال الموظف بهدوء:
— الهوية الشخصية.
تجمد.
نسيها في البيت.
قال برجاء:
— تعرفني منذ سنوات.
ابتسم الموظف بأسف.
— أعرفك…
لكن النظام لا يعرفك.
خرج مسرعاً نحو المنزل.
وفي منتصف الطريق…
سمع صوتاً يناديه:
— أأنت فلان؟
التفت.
رجل في الأربعين.
ملابسه مبللة بالعرق.
وجهه شاحب.
وعيناه حمراوان من السهر.
اقترب وهو يلهث.
— أنا والد الطفلة… أبحث عنك منذ ساعات.
ظل ينظر إليه بصمت.
ثم سأله:
— كيف عرفتني؟
قال الرجل:
— صديقك وصفك لي.
مد يده المرتجفة.
— المال معك؟
بقي الظرف في جيبه.
وسأله بهدوء:
— إذا كنت والدها… فما اسمها؟
أجاب فوراً.
ثم أخرج تقريراً طبياً.
وأخرج صورة صغيرة.
طفلة لا يتجاوز عمرها ست سنوات، تبتسم رغم أن أنبوب الأكسجين يحتل نصف وجهها، وكأنها تطمئن العالم كله بينما كانت هي أحوج الناس إلى الطمأنينة.
قال بصوت مكسور:
— بقي أقل من ساعة.
في تلك اللحظة شعر أن الشك بدأ يخجل من نفسه.
لكن الحذر ظل أقوى من العاطفة.
قال بسرعة:
— تعال معي.
ركضا إلى المنزل.
أخذ هويته.
ثم ركضا نحو مكتب الحوالات.
كانت الساعة تقترب من الخامسة.
أدخل الموظف الدولارات في جهاز الفحص.
ظهرت الإشارة الخضراء.
ثم بدأ إجراءات التحويل.
كانت الدقائق تمر ببطء قاتل.
وأخيراً…
ضغط الزر الأخير.
وقال:
— تمت الحوالة.
جلس الرجل على أقرب كرسي.
وانفجر بالبكاء.
لم يكن يبكي على المال.
كان يبكي على الوقت الذي كاد يسرق ابنته.
بعد دقائق رن الهاتف.
قال صديقه:
— وصلت الحوالة… بدأوا تجهيز غرفة العمليات.
أغلق الهاتف.
ووضع يده على كتف الرجل.
لأول مرة منذ الصباح…
شعر أن حرارة النهار قد انكسرت.
عاد إلى بيته مع حلول الليل.
جلس وحده في الظلام.
راح يستعيد الساعات الماضية.
في ساعات قليلة…
حوّل إنساناً مجهولاً إلى محتال.
وصديقاً قديماً إلى متآمر.
وطفلة مريضة إلى كذبة.
كل ذلك…
دون دليل واحد.
رفع رأسه نحو النافذة.
كانت السماء صافية.
وأدرك أن أخطر ما يسرقه الشك ليس المال…
ولا الوقت…
بل صورة الإنسان في أعيننا قبل أن نعرف الحقيقة.
ثم همس لنفسه:
“كم من البراءة نقتلها… قبل أن نعرف الحقيقة.”
* ماهين شيخاني