خنساء المغرب

د . صباح ايليا القس

 

ولدت في واد جميل غير بعيد عن غرناطة الاندلسية وهي مدينة من مدن الاندلس التي لها شأن كبير في التاريخ . غرناطة ربيع دائم وهكذا هي اغلب مدن الاندلس لما فيها من ماء وسهول وشجر فضلا عن الطيور .

هي حمدونة بنت زياد واسم تدليلها ( حمدة ) وكانت لها اخت اسمها زينب لها حصة في الشعر أيضا لكنها أقل منها شهرة .. استمدت حمدونة ثقافتها من أبيها الذي كان يعرف بإسم زياد المؤدب ومعنى المؤدب يعني المعلم في حياتنا الحاضرة ، فاذا كان معلما للآخرين فإبنتيه أحق بهذا التعليم من غيرهما وهكذا فعل الرجل واعتنى بهما واستطاع ان يقدم لنا شاعرتين مهمتين في مسيرة الشعر الاندلسي لكن حظ زينب لم تنل من عناية المؤرخين ما نالته حمدونة التي عرفت بها كتب الادب الاندلسي وسجلت لها امثلة كثيرة من قصائدها .

حتى ان من ميزها بلقب آخر هو شاعرة الاندلس بينما اختفى اسم زينب خلف ظلال اسم حمدونة فاذا ذكرت حمدونة يستطيب بعض الكتاب أن يضيف اسم زينب لاحقا لاسم حمدونة ..

تذكر المصادر ان الشعر الاندلسي خسر كثيرا لان التدوين كان لصالح حمدونة مع غمط حق زينب .. ومع إتساع شهرة حمدونة في الادب الاندلسي الا ان الحصيلة كانت قليلة بالقياس الى ما اوردته الاخبار عن انتاجها اذ عمد بعض المؤرخين من باب الحسد على إغفال ذكرها بل يقال ان بعض اشعارها نسبت لغيرها ..

لم تكن حمدونة الشاعرة الوحيدة التي تغنت بجمال الطبيعة الاندلسية مثل مدينتها ( وادي آش ) او غرناطة  حيث ان الطبيعة تفرض سلطتها على النفس الرقيقة الشاعرة فكانت هناك قصائد في هذا الجانب ترسم بعبقريتها صورا وتبتدع المعاني مع اجادة في اختيار الالفاظ الرقيقة الموسيقية البسيطة الرسم القوية الفعل الى درجة الاعجاب والاندهاش تقول تصف الوادي :

وقانا لفسحة الرمضاء وادٍ     سقاه مضاعف الغيث العميم

حللنا دوحة فحنا علينــــــــــــــــا      حُنُوَّ المرضعات على الفطيــــم

وأرشفتا علـى عطش زلالا      ألــــــذَّ من المدامة للنديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

يصد الشمس أنىّ واجهتنا      فيحجبها ويأذن للنسيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

ما هذا الجمال يا حمدونة . نحن نجد انها صورة مرسومة بدقة وهي تكاد توثقها في ذاكرتنا فالهواء لطيف دفع عنا الرمضاء ( الحرارة ) فضلا على انه لم يقنع بالغيث فقط فقد جاءه مضاعفا وعميما واذ كنا في افضل حال حَنّ علينا كما تحن الام المرضعة على فطيمها ( الطفل ) واذا عطشنا فماؤه زلال برودة ونقاء وهي تجده ألذّ وأنقى من الخمرة وفي جانب آخر يحجب الشمس الساخنة ويبعث لنا النسيم الجميل ..

اليست هذه صورة من صور الجنة . نعم هي الجنة الاندلسية وقد صورت في قصيدة اخرى الغزلان وهي تلعب وتمرح تقول حمدونة :

ومن بين الظباء مهاة أُنسٍ      سَبَتْ لُبّي وقد ملكت فؤادي

وفي صورة اخرى تصف الصبح فتقول :

كأن الصبح مات له شقيق     فمن حزن تسربل بالسواد

اما الظباء ولعبها ففي ذلك راحة للنفس والعين مما يريح الذات ويبعث البهجة حتى ان ذلك ملك فؤاد الشاعرة ..

وللبيت الاخير صورة متفردة في الشعر العربي اذ لم يكن الصبح قاسيا في شمسه بل جاء هادئا ساكنا كأن له شقيق ميت وقد حزن عليه ومعنى ذلك ان الحرارة لطيفة معتدلة ..

قد يعجبك ايضا