زەنون سليفاني ـ زاخو
تأملات في مفترق الطرق
يشهد العراق اليوم، في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، نقاشات عميقة حول هويته السياسية وموقعه في الخارطة الجيوسياسية. يطرح الكثيرون تساؤلاً جوهرياً: هل يتجه العراق للعودة إلى حاضنته السابقة”؟، وهو تساؤل يحمل في طياته أبعاداً تاريخية، وقومية، وسياسية متشابكة.
العراق والعمق العربي: بين الماضي والمستقبل
لطالما كان العراق ركيزة أساسية من ركائز العالم العربي، ليس فقط بجغرافيته وموارده، بل بثقله الثقافي والتاريخي. إن الحديث عن العودة إلى “الحاضنة” غالباً ما يُفهم في سياق تعزيز العلاقات مع الدول العربية، وتجاوز حقبات العزلة أو التأثر بالاستقطابات الإقليمية التي أبعدت العراق عن محيطه العربي لعقود.
إن الرغبة في الانفتاح على المحيط العربي ليست مجرد خيار سياسي، بل هي ضرورة استراتيجية تفرضها المصالح الاقتصادية، والروابط الاجتماعية، والحاجة إلى استقرار إقليمي يحمي العراق من تداعيات الصراعات الدولية.
تحديات العودة ومقتضيات الواقع
عند الحديث عن هذا التوجه، يجب أخذ عدة معطيات بعين الاعتبار:
الاستقلالية والسيادة: يطمح العراق اليوم إلى انتهاج سياسة خارجية متوازنة تحفظ سيادته، بحيث لا يكون العراق تابعاً لأي محور، بل شريكاً فاعلاً.
التوازنات الإقليمية: العراق محاط ببيئة إقليمية معقدة، وهو ما يجعل مسألة العودة محكومة بتوازنات دقيقة تتطلب ديبلوماسية هادئة ومرنة.
المصالح الوطنية أولاً: إن أي تقارب عراقي مع أي طرف، سواء كان عربياً أو إقليمياً، يُقاس اليوم بمنظور “المصلحة الوطنية العراقية”؛ أي مدى قدرة هذا التوجه على دعم الاقتصاد، وتوفير الأمن، وتحقيق التنمية.
هل هي عودة أم اندماج جديد؟
من الأدق القول إن العراق لا يبحث عن العودة إلى الماضي كما كان، بل يسعى لرسم مسار جديد يدمج فيه عمقه العربي مع موقعه الاستراتيجي كجسر تواصل بين الشرق والغرب. العراق يسعى ليكون لاعباً محورياً يجمع الأضداد بدلاً من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات.
إن الحاضنة العربية تظل ضرورة حيوية للعراق، ولكنها اليوم حاضنة تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والتعاون الاقتصادي، أكثر من كونها مجرد شعارات سياسية.
إن مستقبل العراق لا يُصاغ عبر العودة إلى الوراء، بل عبر القدرة على استثمار موقعه الفريد لبناء علاقات متوازنة. إن عودة العراق إلى محيطه العربي هي خطوة طبيعية ومطلوبة، لكنها ستكون أكثر ديمومة وقوة إذا ما انطلقت من قاعدة عراقية قوية، موحدة، ومستقلة، تضع مصلحة الشعب العراقي فوق كل اعتبار.