من السندباد إلى السياب… كيف يسافر الرمز في الأدب عبر الأزمنة؟

م.م زيد محمد كاظم

توقفتُ طويلًا أمام رفوف إحدى المكتبات العامة، أتنقل بين كتب التراث وروايات اليوم، ولاحظتُ أن الشخصيات لا تشيخ كما يشيخ أصحابها. السندباد ما زال يبحر، وعنترة ما زال يبحث عن كرامته، والمتنبي ما زال يختلف مع عصره، والسياب ما زال يحمل مطره إلى كل جيل جديد. تغيرت الأزمنة، وتبدلت المدن، وتعاقبت الأجيال، لكن الرموز بقيت حاضرة، وكأنها ترفض أن تغادر الذاكرة. عندها أدركت أن الأدب لا يحتفظ بالشخصيات لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنه يعيد اكتشافها كلما واجه الإنسان سؤالًا جديدًا. وهنا تبدأ رحلة الرمز. فالكاتب المعاصر لا يستدعي السندباد لأنه يريد أن يروي حكاية البحار الذي جاب البحار السبع، بل لأنه يرى فيه صورة الإنسان الذي لا يتوقف عن البحث؛ يبحث عن وطن، أو عن معنى، أو عن أمل، أو عن نجاة من واقع يزداد تعقيدًا. ولم يعد السياب مجرد شاعر كتب عن المطر، بل أصبح رمزًا للإنسان الذي قاوم المرض، وواجه الغربة، وحوّل الألم إلى قصيدة بقيت حية في الذاكرة العربية. لهذا، فإن الرمز في الأدب لا يعيش داخل الكتب وحدها، بل يعيش كلما وجد كاتبٌ واقعًا يشبهه. هذه هي قوة الأدب. إنه لا يعيد إنتاج الشخصيات، بل يعيد إنتاج دلالاتها. ولعل هذا ما يفسر حضور الشخصيات التراثية في الرواية العربية الحديثة، وفي القصيدة، وحتى في المسرح والسينما. فالكاتب لا يقتبسها من باب الزينة الثقافية، وإنما لأنها تمنحه لغة قادرة على التعبير عن قضايا يصعب أحيانًا قولها بصورة مباشرة. فعندما يكتب روائي عن السندباد، فهو قد لا يتحدث عن السفن والموانئ، بل عن الهجرة، والاغتراب، والإنسان الذي يحمل حقيبته باحثًا عن فرصة في عالم لا يمنحه الاستقرار.
وعندما يعود شاعر إلى السياب، فهو لا يستحضر اسمه فقط، بل يستحضر تجربة كاملة من الألم والإبداع والإيمان بأن الكلمة تستطيع أن تقاوم الزمن. وفي العراق، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا. فهذا البلد، الذي يحمل إرثًا حضاريًا وثقافيًا عريقًا، ظل يمنح كتّابه ورموزه مادة لا تنضب للكتابة. ولذلك، لم يكن غريبًا أن يجد الأدباء العراقيون في شخصيات التراث مرايا تعكس الحاضر، لا نوافذ تطل على الماضي فقط. فالرمز يمنح النص بعدًا يتجاوز اللحظة. وقد يكون الحديث عن السندباد، في جوهره، حديثًا عن شاب عراقي يبحث عن عمل، أو طالب جامعي يحلم بإكمال دراسته، أو عائلة تنتقل من مدينة إلى أخرى بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. وقد يكون استحضار السياب حديثًا عن المثقف الذي يحاول أن يحافظ على صوته وسط ضجيج العالم، وعن الشاعر الذي يرى في الكلمة وسيلة لمقاومة اليأس. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يعود الأدباء إلى الرموز القديمة، بدل أن يصنعوا رموزًا جديدة؟ هناك من يرى في ذلك نوعًا من الحنين إلى الماضي، وربما هروبًا من مواجهة الحاضر. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر مختلف. فالكاتب الحقيقي لا يعود إلى التراث لأنه عاجز عن الإبداع، بل لأنه يدرك أن الإنسان، رغم تغير الأزمنة، ما زال يحمل الأسئلة نفسها. الخوف، والحب، والخيانة، والمنفى، والحرية، والعدالة… كلها قضايا لا يحدها زمن، ولهذا تستطيع الشخصيات الكبرى أن تعبر القرون، وأن تتحدث بلغة كل عصر. ومع ذلك، لا يخلو المشهد الثقافي من بعض المبالغة. فأحيانًا يتحول استدعاء الرمز إلى استعراض ثقافي، فيُزجّ باسم شخصية تاريخية داخل النص دون أن يكون لها دور حقيقي في بنائه، فيصبح الرمز زينة لغوية أكثر منه أداة فنية. وهنا تكمن مسؤولية الكاتب. فالرمز لا ينجح لأنه مشهور، بل لأنه يخدم الفكرة، ويضيف إلى النص عمقًا لا يمكن الوصول إليه بوسائل أخرى. وفي زمن الإعلام الرقمي، حيث تتسارع الأخبار وتتبدل الاهتمامات كل ساعة، يبدو الأدب أكثر تمسكًا بالرموز، لأنها تمنحه فرصة لمقاومة النسيان. فالخبر يعيش يومًا، وربما أسبوعًا، أما الرمز فيعيش ما دام الإنسان يكتشف فيه معنى جديدًا. ولهذا، فإن السندباد لم يعد ملكًا للحكايات القديمة، والسياب لم يعد حبيس دواوين الشعر. كلاهما أصبح جزءًا من الوعي الثقافي، يعبر من جيل إلى آخر، ومن نص إلى آخر، ومن سؤال إلى سؤال. وربما تكون هذه هي المعجزة الحقيقية للأدب. أنه يجعل الشخصيات تسافر عبر الزمن، لا بأجسادها، بل بأفكارها. وأن يمنح كل جيل حقه في أن يقرأها قراءة جديدة، وأن يحمّلها همومه وأحلامه، دون أن تفقد روحها الأولى. لهذا، لا يسافر الرمز من الماضي إلى الحاضر فقط. إنه يسافر أيضًا من إنسان إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية التي تحفظ هوية الأمم.
ويبقى الأدب هو السفينة التي تحمل هذه الرموز في رحلتها الطويلة، لتؤكد أن الأزمنة تتغير، لكن الإنسان يبقى يبحث عن نفسه في الحكايات التي لا تموت.

قد يعجبك ايضا