علي الشباني: شاعر الرمز والصورة

نبيل عبد الأمير الربيعي

حين نتأمل تجربة علي الشباني، ندرك أننا أمام شاعر لم يتعامل مع القصيدة الشعبية بوصفها خطابا وجدانيا أو اجتماعيا فحسب، بل بوصفها مشروعا جماليا يسعى إلى إعادة اكتشاف اللغة، وإعادة بناء الصورة الشعرية على أسس حديثة.

منذ أن أحدث مظفر النواب انعطافة كبرى في الشعر الشعبي العراقي، وأعاد تعريف العلاقة بين اللغة والحواس في قصيدته الشهيرة (نهران أهلنه)، لم تعد الصورة الشعرية أسيرة المنطق الحسي المألوف. فالعسل الذي يذاق أصبح يسمع، وفي هذا الانزياح تكمن ولادة الشعر الحقيقي، حيث تتبدل وظائف الحواس، وتغدو اللغة قادرة على خلق واقع جديد لا على وصف الواقع القائم.

ضمن هذا الأفق الحداثي، جاء علي الشباني ليواصل مشروع التجديد، لكنه لم يكن تابعا لمظفر النواب، بل امتلك صوته الخاص ورؤيته المتميزة. فقد وسع حدود الصورة الشعرية، وجعل الأشياء المألوفة تخرج من طبيعتها لتكتسب دلالات جديدة؛ فالـ(گذلة) تصهل، والجرح يهلهل، والنجوم تمطر لتغسل أحزان القلوب المنكسرة، فتغدو المفردة اليومية كائنًا حيًا نابضًا بالحركة والانفعال.

شهگ وتلاگن الشبگات
جرح هلهل صهيل الگذله المعرسه بضوه الچيلات
عت روحه واجت كل نجمه سهرانه
عتبها امغامز وحسرات
نث نث يا نجم واغسل حزن ما مات.

لقد خرج بالقصيدة من المباشرة والتقريرية إلى فضاء الرمز والإيحاء، ليصبح واحدا من أهم المجددين في الشعر الشعبي العراقي بعد جيل الريادة.

لا يصف علي الشباني الأشياء كما هي، بل يخلق لها وجودا جديدا. فهو لا يكتفي بأن يجعل النجوم تضيء، وإنما يجعلها تغسل الأحزان، ولا يكتفي بأن يكون الجرح ألمًا، بل يحوله إلى كائن يحتفل ويزغرد، فتغدو المفردة اليومية جزءًا من عالم غرائبي يدهش المتلقي.

لقد استوعب الشباني الدرس الحداثي الذي رسخه مظفر النواب، والقائم على كسر العلاقات التقليدية بين الكلمات، لكنه لم يكن مقلدًا له، بل منح الصورة الشعبية خصوصية جديدة تقوم على الامتزاج بين البيئة الريفية والأسطورة والرمز السياسي.

إن الصورة عند الشباني لا تقرأ بحواسها المباشرة، وإنما بإحساسها الداخلي؛ فالفرات ليس نهرا، بل ذاكرة، والمهر ليس حيوانا، بل الإنسان العراقي الذي يرفض الانكسار، والمطر ليس ظاهرة طبيعية، بل وعدٌ بالخلاص.

اعتمد علي الشباني الرمز وسيلةً للالتفاف على الرقابة السياسية، لكنه لم يستخدمه بوصفه قناعا لغويا فحسب، وإنما بوصفه أداة فنية تعمق الدلالة.

وانته مسافر ويا الريح
عفيه شلون عتك موت
وانته الكلمه عيب اطيح
يا مهر السبح بالريح
وبزود الشهامه تحزمه الزومات
عيب تضيع دربك نبت خزامات
عيب المايل يهزك زرك فالات
يمسافر چذب غير العشگ بعيونك يلالي
وغضب يضوي وكحل لعيونك الثورات

فالخيول في شعره ليست خيولا حقيقية، بل رمز للثائرين، والقصب هو الجنوب العراقي بكل جراحه، والهور هو الوطن الذي حاولت الأنظمة تجفيفه سياسيًا وثقافيا قبل أن يجفف مائيا.

كما تتكرر في نصوصه مفردات الذهب، والريح، والمطر، والليل، والفرات، والنخيل، والقصب، والرايات، وكلها تتحول إلى علامات شعرية تحمل دلالات الحرية والكرامة والانبعاث.

ولهذا يمكن القول إن الشباني استطاع أن يؤسس معجما رمزيا خاصا به، لا يلتبس بمعجم غيره من شعراء جيله.

رغم انتماء قصائده إلى اللهجة الشعبية، فإن موسيقاها لا تعتمد على الوزن وحده، بل على حركة الحروف وتكرار الأصوات وتوازن الجمل الشعرية.

شهگ وتلاگن الشبگات
جرح هلهل صهيل الگذله المعرسه بضوه الچيلات
عت روحه واجت كل نجمه سهرانه
عتبها امغامز وحسرات
نث نث يا نجم واغسل حزن ما مات.

لقد كان يدرك أن الشعر يُسمع قبل أن يُقرأ، لذلك جاءت قصائده قريبة من الغناء، دون أن تفقد عمقها الفكري. وربما لهذا السبب وجد كثير من نصوصه طريقها إلى أصوات المطربين العراقيين، لأنها تمتلك إيقاعا داخليا يلامس الوجدان.

حرارة اللغة
لغة الشباني ليست باردة أو وصفية، وإنما لغة مشتعلة، كأنها خارجة من تنور الفرات الأوسط. فهي تجمع بين المفردة الشعبية البسيطة وبين الطاقة الرمزية العالية.

إنه يكتب باللهجة العراقية، لكنه يجعلها لغة إنسانية قادرة على حمل الأسئلة الكبرى عن الحرية، والعدالة، والحب، والموت، والمنفى، والخذلان.

ولهذا ظل مؤمنا بأن اللهجة الشعبية ليست لغة هامشية، بل تمتلك القدرة على إنتاج شعر يوازي في قيمته الفنية أرقى التجارب المكتوبة بالفصحى.

يلمترب على الگصه البخت دهله
مريت اعلى درب الماي
جرح الهور بكليبك
خذت شوگ الگصب والحيف والزينات
تشلبن بيرغ الفقره
يلبدمهم نبت صبير للثوره
بحزنهم تعبت الدنيه
بصبحهم تاهت النيات.
الحب بوصفه مأساة وجودية

تكشف قصيدته الشهيرة (طبع الذهب) عن جانب آخر من شخصيته الشعرية. فالحب عنده ليس غزلا تقليديا، بل تجربة وجودية تتداخل فيها الخيبة مع الحنين.
فالمرأة ليست مجرد معشوقة، بل رمز للحلم المستحيل، فيما يتحول الذهب إلى استعارة للنقاء الإنساني الذي يتعرض باستمرار للخدش والانكسار.
ولهذا تبدو قصائده العاطفية امتدادا لقصائده الوطنية؛ ففي الحالتين ثمة فقدٌ دائم، وبحثٌ لا ينتهي عن خلاص مؤجل.

واجت روحك حزن طيره
ذبحها العطش واشتاگت
شهگ بيها ونده ماي السلف گامت
حچه وياها يدنيه الصامته ويا الضيم
يحزن الوادم وليل الفرات المالح
الگلش حلو ومالح
صعد نشمي بذره الزينات ظل شابح
نهض بيها الشرف واندارت الرايات
زغرت عالنذل وتندهك ولايات
طب لها الصبح واترسها هلهولات.

لا يمكن دراسة تجربة علي الشباني بعيدا عن الأثر الكبير الذي تركه مظفر النواب في القصيدة الشعبية العراقية. كان النواب هو الثائر الأكبر الذي حرر القصيدة من أنماطها التقليدية، وأدخل إليها الصورة الحداثية واللغة الصادمة والرمز السياسي، بينما جاء الشباني ليواصل هذا المشروع، ولكن بروح مختلفة.

فالنواب شاعر الانفجار والغضب والثورة المباشرة، أما الشباني فهو شاعر التأمل والرمز والاحتراق الداخلي. النواب يهدم الجدران بالصوت العالي، بينما الشباني يفتتها بالإيحاء والصورة المركبة.

أما عريان السيد خلف، فقد اقترب من الناس بلغته اليومية البسيطة، حتى أصبحت قصائده جزءا من الذاكرة الشعبية العراقية. غير أن الشباني كان أكثر ميلا إلى التكثيف الرمزي وإلى بناء الصورة المركبة، ولذلك بدت قصيدته أكثر احتياجًا إلى قارئ يمتلك أدوات التأويل.

إذا كان عريان شاعر الإنسان العراقي في يومياته، فإن الشباني شاعر الإنسان العراقي في أحلامه وهواجسه وأسئلته الوجودية. أما كاظم إسماعيل الكاطع، فقد تميز بقدرته الفائقة على تحويل القصيدة الشعبية إلى خطاب إنساني وعاطفي شديد الرقة، مع احتفاظه بروح الاحتجاج.

لكن الشباني كان أكثر اقترابا من الرمزية الشعرية، وأشد ميلًا إلى الانزياح اللغوي، ولذلك تبدو قصيدته أكثر كثافة من الناحية الفنية، بينما تبدو قصيدة الكاطع أكثر شفافية وانسيابا.

يمكن القول إن الشعر الشعبي العراقي الحديث قام على أربعة أعمدة كبرى، لكل واحد منها بصمته الخاصة:

– مظفر النواب: مؤسس الحداثة الثورية في القصيدة الشعبية، وصاحب التحولات الكبرى في الصورة واللغة والموقف.
– عريان السيد خلف: شاعر الوجدان الشعبي، الذي منح القصيدة قربًا استثنائيًا من الناس، ورسخ حضورها في الذاكرة العراقية.
– علي الشباني: شاعر الرمز والصورة المركبة، الذي جعل القصيدة الشعبية حقلًا للتجريب الجمالي والفلسفي، وربطها بالأسطورة والوعي السياسي.
– كاظم إسماعيل الكاطع: شاعر الحساسية الإنسانية، الذي مزج الرقة العاطفية بالاحتجاج الاجتماعي، وكتب نصوصًا تمس القلب مباشرة.

لقد كان لكل واحد منهم صوته الخاص، لكن علي الشباني ظل الأكثر ميلا إلى بناء القصيدة بوصفها عملاً فنيا مفتوحا على التأويل، ولذلك احتل مكانة متميزة بين مجددي الشعر الشعبي العراقي.

واليوم، وبعد سنوات على رحيله، تبدو تجربته أكثر حضورا مما كانت عليه في حياته، لأن القصيدة التي تبنى على الجمال والصدق والرؤية لا تشيخ، بل تزداد إشراقا كلما تعاقبت الأجيال.

قد يعجبك ايضا