المدونة الجعفریة وٲنزلاق حقوق المرٲة

الباحث الحقوقي رنج باراوی

قراءة في التداعيات القانونية والثغرات الجنائية:

إن محاولة فرض مشروع “المدونة الجعفرية” في كواليس القضاء والأحوال الشخصية في جمهورية العراق لا تُمثّل مجرد تغيير سطحي أو إعادة تنظيم إجرائية اعتيادية، بل هي تقويض جذري للفلسفة القانونية التي تأسست عليها الدولة العراقية المعاصرة. وحينما نُخضع بنية هذا المشروع للتحليل الدقيق، وتحديداً في سياق العنف الموجه ضد المرأة، نجد أنه يصطدم بوضوح تام وينتهك منهجياً ثلاث ركائز أساسية للمشروعية القانونية: الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة وفي مقدمتها اتفاقية “سيداو”. ويتجلى هذا التعارض العميق في محاور جوهرية تبدأ من تفكيك مفهوم المواطنة وتصل إلى قوننة العنف الأسري والالتفاف على منظومة العقوبات.

من هذا المنطلق، تؤول هذه المدونة إلى تفتيت النسيج المجتمعي؛ إذ إن إخضاع الأفراد لأحكام قضائية متباينة بناءً على الهوية المذهبية للزوج لا يؤدي إلى شلل العدالة الاجتماعية فحسب، بل يفرّق بين المواطنين أمام سلطة القانون على أساس طائفي. فبينما رسخ الدستور العراقي، بوصفه النص الأسمى والمظلة التشريعية الجامعة، مفهوم المواطنة بشكل حاسم في مادته الرابعة عشرة التي ساوت بين العراقيين دون تمييز مذهبي أو جنسي [1]، نجد أن إمكانية تطبيق قانون الأحوال الشخصية رقم ١٨٨ على عائلة ما، وتطبيق المدونة الجعفرية على العائلة المجاورة لها، يخلق تمايزاً حقوقياً خطيراً. هذا التمييز يمتد مباشرة إلى الساحة الدولية ليشكل خرقاً صارخاً للمادة الثانية من اتفاقية “سيداو” التي تلزم الدول بإلغاء جميع التشريعات والأعراف التمييزية ضد المرأة [2]. وبدلاً من تقليص الفجوات، يقوم مشروع التعديل بقوننة الأعراف والفتاوى الفقهية الإقصائية وإدراجها في قالب التشريع الرسمي لمنحها الشرعية.

ويمتد هذا التراجع التشريعي ليشمل قوننة العنف وانتهاك الأمن الشخصي للمرأة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه المادة التاسعة والعشرون من الدستور بشكل قاطع حظر كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمجتمع [3]، فإن أحكام هذه المدونة تمنح أدوات ضغط سلطوية مطلقة للرجل. إن إجبار المرأة على المعاشرة الزوجية دون استعداد نفسي وجسدي، والاستعانة بسلاح العقوبات المادية كإسقاط النفقة، يُعد في الفلسفة القانونية الحديثة شكلاً صارخاً من أشكال التعسف والعنف النفسي والجنسي. هذا التوجه يتناقض جذرياً مع المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحظر إخضاع أي فرد للمعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة [4]؛ فالتعامل مع الكائن البشري تحت وطأة التهديد بالتجويع يندرج قسراً في خانة المعاملة اللاإنسانية. وحينما تُحرم المرأة من حق الاحتجاج أو المغادرة لحماية نفسها من التعسف وتُوصم بـ “الناشز”، فإن ذلك يمثل انتهاكاً مباشراً للمادة الخامسة عشرة من الدستور التي كفلت لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية [5].

إن هذا الانزلاق يمتد ليقوض الكرامة الإنسانية ومفهوم الرضا الحر، وهو المبدأ الذي تصفه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة [6]. ولكن عندما تختزل المدونة كينونة المرأة ومكانتها في صيغة نفعية بحتة تُقايض الاستمتاع بالنفقة، فإنها توهن هذه الكرامة بشكل مباشر. ويتكثف هذا الحرمان من الإرادة والأهلية في معضلة الزواج المبكر؛ فعندما يُشرعن تزويج الفتيات القاصرات دون السن القانونية، تُعطّل المادة السادسة عشرة من الإعلان العالمي تماماً، والتي تشترط الرضا الكامل والحر للطرفين [7]. فالطفل، بيولوجياً ونفسياً، لا يمتلك الأهلية القانونية أو النضج الكافي لاتخاذ قرار مصيري صيروري بهذا الحجم.

ولا تتوقف الخروقات عند حقوق المرأة البالغة، بل تمتد لتشكل انتهاكاً صارخاً للمصلحة الفضلى للطفل وحق الحضانة. فبينما تنظر التشريعات المدنية والاتفاقيات الدولية دوماً إلى الطفل بوصفه الطرف الأضعف الأولى بالرعاية، وتؤكد المادة السادسة عشرة من اتفاقية “سيداو” على مسؤولية الأبوين المتساوية على أن تكون مصلحة الأطفال هي المعتبرة أولاً [8]، تعمد المدونة المقترحة إلى سلب حق الحضانة من الأم بآلية ميكانيكية جافة. إن انتزاع الطفل لمجرد بلوغه سناً معينة كعامين للذكر يخلق قطيعة عاطفية قاسية وفصلاً قسرياً بين الرضيع وأمه، وهو ما يتنافى جملة وتفصيلاً مع مبدأ المصلحة الفضلى، ويشكل خرقاً صريحاً للاتفاقية العالمية لحقوق الطفل.

وتكمن المفارقة الكبرى في وجود ثغرة مشروعية واضحة بين غياب الإجماع الفقهي وتقويض المواطنة. فرغم أن الحجة الرئيسة لمروجي هذا التعديل تتمحور حول مواءمة القوانين مع الشرع والفقه المذهبي، بيد أن واقع التحولات الفقهية يُفند هذا الادعاء. لا يوجد أي إجماع بين المراجع العليا والفقهاء الشيعة حول تفصيلات هذه المدونة [9]؛ إذ إن القراءات الحداثية لفقه المرجعية العليا في النجف الأشرف، والعديد من الفقهاء البارزين الآخرين، تشترط دائماً الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي ومراعاة مستجدات العصر ومتغيراته [10]. ويرى طيف واسع من القانونيين ورجال الدين الإصلاحيين أن إسقاط فتاوى تاريخية صِيغت في سياقات زمنية ومكانية مغايرة على نصوص قانونية معاصرة ومطلقة، يسيء لجوهر العدالة الإسلامية نفسها. بناءً على ذلك، لا يمثل هذا المشروع إجماعاً مذهبياً شاملاً، بل يعكس أجندة سياسية ضيقة تؤسس لانقسام أفقي يدفع بالأفراد نحو التخندق داخل كانتونات طائفية متناحرة بدلاً من العيش في ظل هوية وطنية جامعة تتساوى فيها الحقوق والواجبات [11].

ومن أخطر ما يحمله هذا المشروع هو الأثر التراكمي لتكريس العنف والشرعنة القانونية لهيمنة الرجل. فبينما يجرّم القانون المدني الحديث أنماط العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي كافة، تتوسع هذه المدونة في استخدام مفهوم “نشوز المرأة”، مانحةً الرجل صلاحيات مطلقة لفرض عقوبات نفسية ومادية عليها في حال عدم تلبية الرغبة الجنسية أو مغادرة المنزل دون إذن مسبق [12]. ويتكرس هذا الاختلال في معايير إثبات الضرر؛ فبينما يمنح القانون رقم ١٨٨ للمرأة حق طلب التفريق القضائي إذا أثبتت تعرضها للعنف، فإن إثبات الضرر من قِبل الزوجة في هذه المدونة قد جُعل معقداً ومستحيلاً إلى حد يسلبها القدرة على التطبيق العملي لحقها، في حين يحتفظ الرجل بالحق المطلق في الطلاق الإرادي المنفرد دون الحاجة لتقديم أي مسوغات [13]. ويأتي سلب الحماية القانونية في حاالت الهجر والهروب ليمثل ذروة هذا الإجحاف؛ فحينما تُضطر المرأة لمغادرة بيت الزوجية فراراً من التعسف المستمر، تتعامل معها المدونة كناشز وخارجة عن القانون لا كضحية، وبدلاً من ردع الزوج، يتم إيقاف حقوق الزوجة المالية وإجبارها على العودة إلى بيئة الاضطهاد ذاتها التي فرت منها.

إن هذا الإصرار على تمرير المدونة لا يقتصر خطره على إحداث خلل في توازنات الأحوال الشخصية، بل إنه يؤسس لمعضلة معقدة وعلاقة عكسية تماماً مع منظومة الإصلاح الجنائي وفلسفة العقاب العامة في الدولة. الغاية الأسمى لمنظومات الإصلاح الجنائي المعاصرة تكمن في محاصرة الجريمة والوقاية منها قبل وقوعها من خلال تجفيف منابعها الاجتماعية والاقتصادية [15]. وعندما تضفي هذه المدونة الشرعية على العنف الأسري وإسقاط النفقة وسلب الحضانة، فإنها تخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الجريمة في الوسط العائلي؛ إذ إن تجريد المرأة من أبسط حقوقها يدفعها مجبرة نحو خيارات قسرية أو الوقوع في شباك الجريمة كالدفاع الشرعي عن النفس، أو التعرس لانهيار نفسي وعقلي خطير.

أما التداعيات الأكثر خطورة فتتجلى في حالات العنف المميت وجرائم قتل النساء. فإذا أفضى عنف الرجل -بسبب غياب الردع القانوني- إلى إزهاق روح المرأة، نجد أن المدونة وعبر إحياء مفاهيم من قبيل “إهدار الدم” أو إقرار العقوبات المخففة في حالات الشبهة، تُحدث شرخاً واسعاً في منظومة العقوبات العامة [14]. وفي هذه البيئة، يستغل الرجل القاتل أو ذووه نصوص هذه المدونة كسلاح قانوني للالتفاف على العقوبات المشددة والاستفادة من الأعذار المخففة في قانون العقوبات. هذا الأمر يمهد الطريق لتحويل جرائم قتل النساء من خانة الجنايات العمدية إلى مجرد خصومات شرعية وعائلية تُسوّى بالديات أو بعفو أولياء الدم، وبذلك تفقد المحاكم المدنية هيبتها وسلطتها القضائية، ليتحول دم النساء إلى مادة للمساومات الفقهية والسياسية [16].

تأسيساً على هذه القراءة التحليلية المعمقة، يظهر جلياً أن مشروع “المدونة الجعفرية” يفتقر إلى المرتكزات الرصينة، سواء من حيث المشروعية الدستورية والدولية، أو من حيث المبادئ الفقهية المتنورة ومنظومة الإصلاح الجنائي. إن هذا المشروع يمثل ارتداداً تشريعياً وحقوقياً خطيراً يضع جمهورية العراق في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، تحت ذريعة تقديم سلطة المذهب على سيادة القانون، وهو ما يشكل خرقاً جسيماً للروح الدستورية. إن تعطيل القانون المدني المتوازن وإحلال روح مدونة تشرعن العنف الاقتصادي والنفسي والجنسي للرجل، هو انتهاك صريح للمادتين ٢٩ و٥من الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويؤسس هذا التعديل لسابقة تشريعية خطيرة تتحول فيها المحاكم، بدلاً من أن تكون ملاذاً للمظلومين، إلى أداة رسمية لإنتاج العنف وتكريس التمييز الاجتماعي؛ الأمر الذي يقوض ركائز السلم الأهلي، ومفهوم المواطنة، وفلسفة الإصلاح الجنائي، ومشروعية الوظيفة القضائية من أساسها، ويأتي بالضد تماماً من الشعار الوطني التأسيسي بأن النساء نصف المجتمع.

*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق

فهرس الهوامش الأكاديمية والمراجع:

[1] جمهورية العراق، الدستور العراقي لعام 2005، بغداد: الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية)، العدد 4012، في 28 كانون الأول 2005، المادة 14.

[2] الأمم المتحدة، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، الجمعية العامة، القرار رقم 34/180، تشرين الثاني 1979، المادة 2.

[3] الدستور العراقي لعام 2005، المصدر السابق، المادة 29، الفقرة الرابعة.

[4] الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، باريس، القرار رقم 217 (أ)، في 10 كانون الأول 1948، المادة 5.

[5] الدستور العراقي لعام 2005، المصدر السابق، المادة 15.

[6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المصدر السابق، المادة 1.

[7] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المصدر السابق، المادة 16، الفقرة الثانية.

[8] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، المصدر السابق، المادة 16، الفقرة الأولى (البندين د و ز).

[9] البهادلي، فاضل جواد، الولاية والتقنين في الفقه الإمامي المعاصر، بيروت: دار الرافدين، الطبعة الثانية، 2021، ص 142-148.

[10] الجعفري، محمد مهدي، فلسفة التشريع ومتغيرات العصر في الفقه الإسلامي، ترجمة: كاروان علي، السليمانية: مركز سردم للمعلوماتية، 2022، ص 89.

[11] فضل، علي حسين، فلسفة المواطنة ودولة القانون في العراق بعد 2005، بغداد: مكتبة صباح، 2023، ص 74-79.

[12] جمهورية العراق، قانون الأحوال الشخصية العراقي، رقم 188 لسنة 1959 (مع تعديلاته)، بغداد: الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية)، المادة 6.

[13] صديق، أحمد فتحي، النظرية العامة للضرر في قانون الأحوال الشخصية العراقي والمقارن، أربيل: مطبعة جامعة صلاح الدين، 2020، ص 115-120.

[14] جمهورية العراق، قانون العقوبات العراقي، رقم 111 لسنة 1969، بغداد: وزارة العدل، المادة 409 و 128.

[15] حمه، نوزاد عمر، الفلسفة الجديدة للإصلاح الجنائي ومبادئ العقاب في دولة القانون، السليمانية: مؤسسة سردم للطباعة والنشر، 2024، ص 53-58.

[16] منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، التقرير السنوي للتداعيات القانونية للتعددية المذهبية في محاكم الشرق الأوسط، نيويورك: قسم التطوير القانوني، 2025، ص 33-36.

قد يعجبك ايضا