عمر الأعرجي
لا تُبنى الدول بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان الواعي، القادر على قبول الاختلاف، والمؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا سببٌ للصراع. وحين تتراجع قيم الاعتدال والوسطية، ويتسلل التطرف إلى العقول، تبدأ أركان الدولة بالتآكل من الداخل، مهما بدت مؤسساتها قوية أو إمكاناتها كبيرة.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الخلاف في الآراء أو تنوع الانتماءات، بل تحوّل هذا التنوع إلى حالة من التعصب والإقصاء ورفض الآخر. فالتطرف، أياً كان مصدره أو غطاؤه الديني أو السياسي أو الفكري، لا ينتج إلا الانقسام والكراهية، ويغلق أبواب الحوار، ويقود المجتمعات إلى دوائر من التوتر وعدم الاستقرار.
ولعل الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الدولة التي يفقد جزء من مجتمعها ثقافة الاعتدال، وتغيب فيها قيم التسامح والتعايش، تصبح عاجزة عن بناء مشروع تنموي متكامل أو تحقيق نهضة مستدامة. فالشعب هو الركيزة الأساسية للدولة، وإذا انقسم على نفسه، أو استسلم لخطابات الكراهية والتشدد، انعكس ذلك مباشرة على أداء مؤسسات الدولة، وعلى قدرتها في تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ولا يقف خطر التطرف عند حدود الأمن المجتمعي، بل يمتد ليقوض فرص التنمية، ويضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ويعطل الاستثمار والإبداع، ويحد من قدرة الدولة على بناء علاقات دولية متوازنة. فالدول لا تُقاس اليوم بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على إدارة التنوع، وترسيخ السلم المجتمعي، وصناعة بيئة مستقرة تحتضن التنمية والابتكار.
إن الفكر المتطرف بطبيعته فكر جامد، يرفض الحوار، ويعادي التجديد، ويختزل الحقيقة في رؤية واحدة لا تقبل النقاش. ولهذا كان التطرف، عبر التاريخ، عدواً لكل مشروع حضاري، لأنه يسعى إلى إنتاج مجتمع منغلق، تحكمه الأحكام المسبقة والانفعالات، لا العقل والمعرفة.
ولم تكن المجتمعات التي عانت من التطرف ضحية اختلافاتها، بل ضحية من استثمر تلك الاختلافات لبث الفرقة وإشغال الشعوب بصراعات جانبية تستنزف طاقاتها، وتبعدها عن أولوياتها الحقيقية في البناء والتنمية والإصلاح. وحين تنشغل المجتمعات بمعارك الهوية والانقسام، تتراجع الدولة، وتضعف مؤسساتها، وتصبح أكثر عرضة للتدخلات والأزمات.
ومواجهة التطرف ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، وتنتهي عند صانع القرار. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون.
ولتحصين المجتمع من الفكر المتطرف، لا بد من العمل على مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها:
ترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال، وتعزيز احترام التنوع الديني والفكري والسياسي بوصفه قيمة وطنية وإنسانية.
تنمية التفكير النقدي، وتشجيع الأفراد على التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الخطابات المحرضة على الكراهية.
نشر ثقافة الحوار والتعايش السلمي، وتعميق مفهوم المواطنة الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة.
تفعيل دور السلطات التشريعية والتنفيذية في سن القوانين الرادعة لخطابات الكراهية والتحريض، وتطبيقها بعدالة وحزم، بما ينسجم مع مبادئ الدستور وسيادة القانون.
ترسيخ مبدأ المساواة، واحترام كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو انتمائه السياسي، لأن المواطنة هي المعيار الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.
إن هذه المبادئ ليست مجرد شعارات، بل تمثل أساساً عملياً لبناء مجتمع أكثر تماسكاً، ودولة أكثر قوة واستقراراً. فكلما اتسعت مساحة الاعتدال، تراجعت مساحة التطرف، وكلما ترسخت ثقافة الحوار، ضعفت دعوات الكراهية والانقسام.
وفي الختام، فإن التطرف ليس مجرد رأي متشدد، بل مشروع هدم يستهدف الإنسان قبل الدولة، ويقوض قيم المواطنة، ويعرقل مسيرة التنمية، ويبدد فرص التقدم. أما الدولة التي تنتصر للوسطية، وتحمي التنوع، وترسخ سيادة القانون، فهي الدولة القادرة على صناعة مستقبلها، وتعزيز مكانتها بين الأمم، وبناء مجتمع ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار.