د. حمدي سنجاري
يمر العراق اليوم بمرحلة دقيقة، تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع المتغيرات الإقليمية، وتتقاطع فيها حسابات السياسة مع هموم المواطن اليومية. في مثل هذه المراحل، لا تُقاس القيادة بكثرة الخطابات أو حدّة المواقف، بل بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار، وفتح الطريق أمام التنمية، وبناء الثقة بغدٍ أفضل. وهنا بالتحديد، تستحق تجربة رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، أن تُقرأ عن قرب، بوصفها نموذجًا لإدارة اختارت مواجهة الأزمات بالعمل، لا بردود الفعل.
فعلى مدى السنوات الأخيرة، واجه الإقليم ظروفاً اقتصادية وسياسية معقدة، فرضت ضغوطاً حقيقية على مؤسسات الدولة وعلى حياة المواطنين. ورغم ذلك، واصلت الحكومة تنفيذ برامجها الإصلاحية، وتطوير أجهزتها الإدارية، وتحسين الحوكمة، وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الاقتصاد القوي هو الضمانة الحقيقية للاستقرار السياسي والاجتماعي.
ولم يتوقف الطموح عند إدارة الأزمة، بل تجاوزها نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، عبر دعم القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتطوير قطاعات السياحة والزراعة والصناعة والطاقة، بما يرسّخ موقع إقليم كوردستان كمركز واعد للتنمية في المنطقة.
أما على الصعيد السياسي، فقد ظل الحوار خياراً ثابتاً في تعامل مسرور بارزاني مع الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد. فبين تعقيدات الملفات المالية والدستورية والإدارية، بقي التفاوض هو الطريق المُفضّل، إيماناً بأن الحلول المستدامة لا تُبنى بالتصعيد، بل باحترام الدستور، وترسيخ الشراكة الوطنية، وحماية مصالح جميع العراقيين على اختلاف انتماءاتهم.
وفي الداخل، بقي المواطن محور السياسات الحكومية: تحسين الخدمات، تطوير التعليم والرعاية الصحية، توسيع مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص عمل ترفع مستوى المعيشة. أهداف تعكس رؤية واحدة: أن تصل ثمار التنمية إلى جميع أبناء الإقليم، بمختلف مكوناتهم، من دون تمييز أو استثناء.
ويرى كثيرون في شخصية مسرور بارزاني نموذجاً للهدوء في إدارة الملفات، والحسم في اتخاذ القرار، والإصرار على مواصلة الإصلاح رغم التحديات المتراكمة. فالإدارة الناجحة، في نهاية المطاف، لا تُقاس بسرعة ردود الفعل، بل بقدرتها على تحقيق نتائج تراكمية تؤسس لمستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
غير أن المرحلة الراهنة تفرض أكثر من مجرد الاستمرار في هذا النهج، فالتعاون الحقيقي بين بغداد وأربيل بات ضرورة وطنية، لا خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل. ومع تولي رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي مهامه، تتوفر فرصة مهمة أمام الطرفين لتوظيف خبراتهما وإمكاناتهما بما يخدم استقرار العراق ومستقبله، خصوصاً في ظل أزمات اقتصادية عالمية وتقلبات في أسعار النفط، تضاف إليها تداعيات الاضطرابات الإقليمية. كل ذلك يتطلب توحيد الجهود بدلاً من استنزافها في خلافات سياسية لا فائدة منها.
فالمواطن العراقي، سواء كان في البصرة أو بغداد أو أربيل أو الموصل، لا ينتظر جولة جديدة من الجدل، بل حلولاً عملية تضمن استقرار الرواتب، وتنشط الاقتصاد، وتحسّن الخدمات، وتفتح فرص العمل، بمنأى عن خلافات لا تلمس حياته اليومية إلا بالضرر.
وفي النهاية، تبقى التجارب السياسية محكومة بما تحققه من نتائج على أرض الواقع، لا بما يُقال عنها. وما تشهده كوردستان اليوم من استمرار لمسيرة البناء والإصلاح، ومن سعي دؤوب لتجاوز العقبات بالحوار بدل التصعيد، يجعل من تجربة مسرور بارزاني تجربة تستحق المتابعة، بوصفها رهاناً على المستقبل، يضع الإنسان والتنمية والاستقرار في صدارة الأولويات.