محمد علي الحيدري
ليس من الإنصاف أن تُحاكم الحركة الإسلامية بتاريخ حفنة ممن انحرفوا عن مبادئها، كما ليس من العدل أن تُنسى قوافل الشهداء والمعتقلين والمنفيين الذين كتبوا بدمائهم صفحات مشرقة من تاريخها. فمنذ عقود طويلة، قدمت هذه الحركة رجالاً ونساءً دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عما آمنوا به، وكان كثير منهم مثالاً للنزاهة والزهد والتضحية. لكن من الإنصاف أيضاً أن نقول إن قلة قليلة ممن وصلت إلى مواقع النفوذ ألحقت بهذا التاريخ من الضرر ما لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين.
إن أكثر ما يؤلم في هذه التجربة أن الخسارة لم تقتصر على الأموال التي أهدرت، ولا على الفرص التي ضاعت، ولا على مؤسسات الدولة التي أضعفها الفساد وسوء الإدارة، وإنما امتدت إلى مساحة أشد حساسية وخطورة: مساحة الثقة. فحين يرى الناس من يرفع راية الدين ثم يخالف أبسط مقتضياته الأخلاقية، فإن الشك لا يقف عند حدود الشخص، بل يمتد، ظلماً أحياناً، إلى الفكرة التي يمثلها، وإلى المتدينين الذين ينتمون إلى الفضاء نفسه.
صحيح أن الفساد ليس حكراً على المتدينين، ولم يكن كذلك في أي مرحلة من التاريخ. فقد مارسته أنظمة وأحزاب وأيديولوجيات شتى، وسيظل آفة بشرية لا ترتبط بدين أو قومية أو مذهب. لكن المجتمع ينتظر من المتدين أكثر مما ينتظره من غيره، لأن التدين، في جوهره، ليس مظهراً ولا خطاباً، بل منظومة قيم يفترض أن تكون أول ما يردع صاحبها عن الظلم واستغلال النفوذ وأكل المال العام.
ولهذا كان سقوط بعض من حملوا الخطاب الديني أكثر إيلاماً من سقوط غيرهم. ليس لأن خطاياهم أكبر من خطايا الآخرين، بل لأنهم حملوا معهم صورة الدين إلى الفضاء العام. وكلما ارتفع السقف الأخلاقي الذي يعلنه الإنسان، ازدادت مسؤوليته أمام الله وأمام الناس، وصار تناقضه مع مبادئه أكثر فداحة في أعين المجتمع.
لقد أخطأ كثيرون حين خلطوا بين الدين وأخطاء بعض المنتسبين إليه، لكن الذين منحوا هذا الخلط فرصة النمو هم أولئك الذين استغلوا القداسة لتحقيق مكاسب دنيوية. فالدين لم يأمرهم بالفساد، ولم يمنحهم حصانة من النقد، ولم يجعل من العمامة أو اللحية أو الخطاب الديني صك براءة من المحاسبة. لقد كانت تلك خياراتهم الشخصية، لكنها أُلصقت، للأسف، بصورة الدين نفسه.
وهنا تكمن المأساة. فالحركة الإسلامية التي راكمت، عبر عقود، رصيداً أخلاقياً هائلاً من التضحيات، وجدت نفسها تدفع ثمن تصرفات لا تمثل إلا أصحابها. آلاف الشهداء الذين واجهوا السجون والمنافي والمشانق لم يبذلوا أعمارهم لكي يتحول الدين إلى وسيلة للنفوذ أو الثراء، ولا لكي يصبح اسمهم جسراً يعبر عليه الانتهازيون نحو مصالحهم الخاصة. إن من الظلم أن يُختزل ذلك التاريخ النبيل في سلوك حفنة لم تحفظ الأمانة التي حملتها.
ولعل أشد ما يدعو إلى القلق أن هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في وعي الأجيال الجديدة. فبعض الشباب لم يعد ينظر إلى التدين بوصفه قيمة أخلاقية، بل صار يربطه، تحت وطأة التجارب المريرة، بالمصلحة أو الازدواجية أو استغلال المقدس. وهذا تحول خطير، لأن المجتمع يستطيع أن يعوض خسائره الاقتصادية والسياسية، لكنه يحتاج إلى سنوات طويلة ليستعيد ثقته بالقيم إذا تعرضت للاهتزاز.
إن الدفاع عن الدين لا يكون بتبرير أخطاء الفاسدين، ولا باعتبار كل نقد مؤامرة تستهدف العقيدة. فهذه اللغة لم تعد تقنع أحداً، بل تزيد الجراح عمقاً. الدفاع الحقيقي يبدأ بالفصل الواضح بين الدين ومن أساء إليه، وبين المبادئ ومن خانها، وبين تاريخ مشرّف صنعه المخلصون، وواقع أفسده من جعلوا التدين هوية سياسية أو اجتماعية أكثر منه التزاماً أخلاقياً.
وليس في الاعتراف بهذا ما يسيء إلى الدين، بل العكس تماماً. فالدين الذي لا يخشى محاسبة من ينتسبون إليه هو دين واثق من نفسه، لأن قوته لا تستمد من الأشخاص، بل من قيمه. أما الإصرار على حماية المخطئ لأنه ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك، فهو لا يحمي الدين، بل يحمّل الدين أوزاراً لم يرتكبها.
ويبقى الواجب الأخلاقي اليوم أن يُعاد الاعتبار للأغلبية الصامتة من المتدينين الشرفاء الذين لم يتورطوا في فساد، ولم يبدلوا مبادئهم، وعاشوا إيمانهم سلوكاً قبل أن يكون خطاباً. فهؤلاء هم الامتداد الحقيقي لذلك التاريخ المشرق، وهم الأقدر على ترميم ما تصدّع من جسور الثقة. أما الذين أساؤوا إلى الدين باسم الدين، فإنهم لم يظلموا أنفسهم وحدها، بل ظلموا أيضاً تاريخاً حافلاً بالتضحيات، وأثقلوا كاهل الأجيال بأسئلة لم يكن لها أن تُطرح لو أنهم أدركوا أن أعظم ما يملكه المتدين ليس شعاره، وإنما أخلاقه.