الموقف الكوردي من ثورة 14 تموز… بداية أمل انتهت بخيبة

أ.د.شيرزاد زكريا السليڤاني

لم يكن الشعب الكوردي بعيداً عن أحداث 14 تموز 1958، بل كان من أكثر المؤيدين لقيام الثورة وإنهاء الحكم الملكي. فقد رأى الكورد في سقوط النظام السابق فرصة لبدء مرحلة جديدة، تقوم على العدالة والشراكة الحقيقية بين العرب والكورد، وتعالج سنوات طويلة من الحرمان والتهميش.
ومنذ الساعات الأولى لنجاح الثورة، أعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني تأييده الكامل للنظام الجمهوري الجديد، ودعا أبناء الشعب الكوردي إلى الوقوف معه والدفاع عنه. كما خرجت الجماهير في مدن كوردستان في تظاهرات مؤيدة للثورة، أملاً بأن تكون بداية لعراق جديد يحترم حقوق جميع مكوناته.
وازداد هذا التفاؤل عندما نص الدستور المؤقت الصادر في 27 تموز 1958 على أن العرب والكورد شركاء في هذا الوطن. وكان ذلك أول اعتراف دستوري رسمي بالمكانة القومية للشعب الكوردي، لذلك استقبل الكورد تلك الخطوة بإرتياح، وعدّوها بداية لتسوية عادلة للقضية الكوردية.
كما اتخذت الحكومة في بداياتها عدداً من الإجراءات التي عزّزت هذا الأمل، فعاد الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني إلى العراق بعد سنوات من المنفى في الاتحاد السوفيتي -السابق، وصدرت صحيفة (خه‌بات / النضال) بشكل علني، وأُنشئت مديرية للتعليم الكوردي، وافتُتح القسم الكوردي في جامعة بغداد، وأصبح عيد نوروز عطلة رسمية، كما انسحب العراق رسمياً من حلف بغداد، وهي خطوات تركت أثراً إيجابياً في الشارع الكوردي.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً.
فبعد أشهر قليلة، بدأ الكورد يلاحظون أن الوعود لم تتحول إلى واقع، فالمشاريع التي كان من المفترض تنفيذها في كوردستان لم ترَ النور، وبعضها نُقل إلى محافظات أخرى، بينما بقيت الخدمات الصحية والتعليمية محدودة، واستمرت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في معظم مناطق الإقليم.
كما أن قانون الإصلاح الزراعي، على الرغم من أهميته، لم يحقق النتائج التي كان ينتظرها الفلاحون الكورد، لأن الحكومة لم تراعِ خصوصية الواقع الزراعي في كوردستان عند تطبيقه، الأمر الذي أبقى الكثير من المشكلات من دون حلول.
وفي الجانب السياسي، شعر الكورد بأن مشاركتهم في إدارة الدولة كانت أقل بكثير من حجم الدور الذي أدّوه في دعم الثورة. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي وقف إلى جانب النظام الجديد منذ يومه الأول، لم يُمنح دوراً حقيقياً في صنع القرار، وبقي تمثيل الكورد في مؤسسات الدولة محدوداً.
ومع مرور الوقت، بدأت العلاقة بين بغداد والحركة الكوردية تتدهور، فقد تعرضت الصحافة الكوردية للتضييق، وأُغلقت صحيفة (خه‌بات/ النضال)، واعتُقل عدد من قيادات الحزب، كما جرى الحد من النشاط السياسي الكوردي، في وقت كانت فيه المطالب الأساسية تتركز على تنفيذ ما جاء في الدستور واحترام مبدأ الشراكة.
وعلى الرغم من أن قيادة الحركة الكوردية حاولت معالجة الأزمة بالحوار، وقدّمت أكثر من مذكرة إلى حكومة عبد الكريم قاسم تدعو إلى تنفيذ الحقوق الدستورية وإيجاد حل سياسي، فإن تلك المبادرات لم تجد استجابة، بل اتجهت الأمور نحو مزيد من التوتر.
وفي الحادي عشر من أيلول عام 1961 اندلعت الثورة الكوردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني، بعد أن وصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق مسدود، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين الحكومة العراقية والحركة التحررية الكوردية، استمرت حتى سقوط حكم عبد الكريم قاسم في شباط 1963.
لقد كان الكورد من أوائل من رحبوا بثورة 14 تموز، ووقفوا إلى جانبها، لأنهم اعتقدوا أنها ستؤسس لعراق يقوم على الشراكة والعدالة والمساواة. لكن ما جرى خلال السنوات اللاحقة جعل ذلك الأمل يتراجع شيئاً فشيئاً، بعدما بقيت الوعود الدستورية من دون تنفيذ، وتحولت لغة الحوار إلى لغة السلاح.
وبعد مرور ثمانية وستين عاماً على ثورة 14 تموز، ما تزال تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الكوردية، ليس لأنها شهدت بداية اعتراف رسمي بالحقوق القومية للكورد فحسب، بل لأنها تذكر كذلك بأن أي شراكة وطنية لا يمكن أن تستمر، ما لم تُترجم النصوص والوعود إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن على أرض الواقع.

قد يعجبك ايضا