ليلى صليبي
تستندُ قصيدةُ «جدار الصبر» للشاعرِ القديرِ “عدنان الرّيكاني على خطابٍ وجدانيٍّ يزاوجُ بين الشغفِ العاطفي والتأمّلِ الإنساني، حيثُ لا يكتفي النصُّ برسمِ ملامحِ المحبوبةِ، بل يجعلُها محورًا تدورُ حولَه منظومةٌ من الرموزِ التي تتجاوزُ الجسدَ إلى الخلاصِ الروحي.
ومنذُ العنوانِ، يهيئُ
الشاعرُ القارئَ لثنائيةٍ مركزيةٍ: الصبرُ كونُه قوّةً تحفظُ الإنسانَ، والجدارُ بوصفِه حدًّا يحتمي به، غيرَ أنَّ النهايةَ تكشفُ انهيارَ هذا الجدارِ أمامَ سطوةِ الحنينِ، فيتحوّلُ العنوانُ إلى مفتاحٍ تأويليٍّ للنصِّ كلِّه.
يفتتحُ الشاعرُ قصيدتَه بحلمٍ يتّخذُ وظيفةً جامعةً، لا باعتبارِه أمنيةً عابرةً، بل فضاءً يلتقي فيه المستحيلُ بالممكنِ:
“كَأنَّ الحُلْمَ يُريدُ أنْ يَجْمَعَني…”
فالحلمُ هنا ليس ملاذًا للهروبِ من الواقعِ، بل محاولةً لاستعادةِ اكتمالِ الذاتِ عبرَ الآخرَ. ومنذُ البدايةِ تتجاورُ عناصرُ الطبيعةِ: الأزهار، الضوء، البرق، الرعد، لتشكّلَ معجمًا دلاليًّا يدلُّ على أنَّ المحبوبةَ ليستْ شخصًا فحسب، بل طاقةَ حياةٍ وإشراقٍ.
ويبلغُ هذا التصويرُ ذروتَه حينَ يقولُ:
“هِيَ دُعَاءُ الغُفْرانِ لِكُلِّ صَلاةٍ”
إذ ينتقلُ الوصفُ من الحسّي إلى الروحي، فتصبحُ المحبوبةُ رمزًا للطهرِ والسكينةِ. إنّها صورةٌ تتجاوزُ المألوفَ في الغزلِ، لتغدوَ أقربَ إلى قيمةٍ أخلاقيّةٍ وروحيةٍ منها إلى حضورٍ جسديٍّ.
ويواصلُ الشاعرُ بناءَ هذه الصورةِ عبرَ الحواسِ جميعِها؛ فالصوتُ يصبحُ “تلاوةً نديةً”، والابتسامةُ مطرًا يروي القلبَ، والعناقُ شفاءً يبدّدُ آثارَ الألمِ. وهكذا تتداخلُ الرؤيةُ والسمعُ واللمسُ في لوحةٍ شعوريةٍ واحدةٍ، بما يمنحُ النصَّ كثافةً حسيةً وثراءً تصويريًّا.
ومن أبرزِ سماتِ القصيدةِ انتقالُها من المونولوج إلى الحوارِ. ففي القسمِ الأخيرِ تمنحُ المحبوبةُ صوتَها، فتخرج ُمن كونِها موضوعًا للوصفِ إلى شريكٍ في التجربةِ، قائلةً:
“وَيْحَكَ يا قاتلي ضُمَّني إليكَ بحنان…”
وهنا يبلغُ النصُّ ذروتَه الدراميةً؛ إذ تتبدّدُ أحاديةُ الخطابِ، ويغدو العشقُ معاناةً مشتركةً، لا شعورًا يخصُّ طرفًا واحدًا. ويكشفُ هذا التحوّلُ أنَّ الألمَ ليس حكرًا على العاشقِ، بل هو قدرٌ يتقاسمُه القلبان.
أمّاالخاتمةُ:
“لَمْ يَعُدْ للصَّبرِ جِدارُ أُنسٍ…”
فهي ليستْ مجرّدَ نهايةٍ للقصيدةِ، بل لحظةَ انكسارٍ رمزيةٍ. فالجدارُ الذي أوحى منذُ العنوانِ بالتماسكِ والحمايةِ يتداعى أمامَ ضغطِ الشوقِ، ليعلنَ أنَّ الصبرَ نفسَه قد استنفدَ قدرتَه على المقاومةِ. وبهذا يلتقي العنوانُ بالنهايةِ في بناءٍ دائريًّ متماسكٍ يمنحُ النصَّ وحدتَه الفنيةَ.
لغويًّا، ينهضُ النصُّ على لغةٍ شاعريةٍ غنيّةٍ بالاستعاراتِ والتشبيهاتِ والصورِ المركبةِ، ويستثمرُ المعجمَ الدينيَّ والطبيعيَّ والوجدانيَّ في آنٍ واحدٍ، ممّا يضفي على القصيدةِ أبعادًا متعدّدةً تتراوحُ بين الرمزِ والتأمّلِ والعاطفةِ. كما أنَّ الإيقاعَ الداخليَّ، القائمَ على تكرارِ بعضِ الألفاظِ والتناغمِ الصوتي، يعزّزُ الانسيابَ الشعوريَّ للنصِّ.
وفي المقابلِ، كانَ من الممكنِ أن تزدادَ القصيدةُ إحكامًا لو خفّفَ الشاعرُ من كثافةِ الصورِ المتتابعةِ في بعضِ المواضعِ، إذ إنَّ تراكمَ المجازاتِ أحيانًا يزاحمُ الفكرةَ ويؤخّرُ وصولَها إلى المتلقي. غيرَ أنَّ ذلك لا ينتقصُ من القيّمةِ الجماليةِ العامةِ للنصِّ، بل يظلُّ في إطارِ الملاحظةِ الأسلوبيةِ.
في مجملِها، تقدّمُ قصيدةُ «جدار الصبر» تجربةً شعريةً تنبضُ بالصدقِ الوجداني، وتنجحُ في تحويلِ الحبِّ من حالةٍ عاطفيةٍ إلى سؤالٍ وجوديٍّ يتأرجحُ بين الرجاءِ والانكسارِ. إنّها قصيدةٌ تؤمنُ بأنَّ الكلمةَ حين تصدرُ عن تجربةٍ حقيقيةٍ، لا تصفُ الألمَ فحسبُ، بل تمنحُه لغةً قادرةً على البقاءِ في وجدانِ القارئِ.
يسرُّني أن أختتمَ قراءتي بتوجيهِ خالصِ الشكرِ والتقديرِ للشاعرِ السامقِ “عدنان ريكاني” على قصيدتِه «جدار الصبر»، بما حملتْه من عمقٍ إنسانيٍّ وصورٍ موحيةٍ ولغةٍ رصينةٍ، متمنيةً له دوامَ التّألّقِ والإبداعِ، ومزيدًا من النصوصِ التي تثري المشهدَ الشعريَّ العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــالنصــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــ(جِدَارُ الصَّبْرِ)ـــــــــــــــ
************
كَأنَّ الحُـــــــلْمَ يَريْدُ أنْ يَجْمَـــعُنِي
بِأزّْهْارٍ وَغُصْــــنُ قَامَتُكِ الشَّـــهِيْةَ
هِيَ كالضَّــوْءِ إنْ ضَحِكَتْ بِنَقَائِهَا
بَــرّقٌ ورَّعْــدٌ وَمَنَـــارَّةٌ مَلْـــــوِيَّة
هِيَ دُعَــــاءُ الغُفْــرَّانِ لكُلِ صَلاةٍ
إنْ رَّفَعَتْــــهَا يَدُ السَّـــــمَاءِ مَلاكَاً
وفِي نَبْـــرَّةِ صَوْتِهَا تِلاوَةٌ نَـــــدِيَّة
لَا زِلْتُ أبْحَثُ عَنْ وَقْعِ سِــهَامٍ لَهَا
لأحْكــــــــِي مَعَ جُـرّحِي بِوصْفِهَا
حَــبْلٌ للِنَّجَاةِ وَعِشْقُهَا أعْدَلُ قَضِيَّة
أمَا سِحْرُ ثَغْرِهَا البَاسِمُ حِيْنَ تَلْقَانِي
تمطرعَــالَمُ القَلْبِ رَّضَابَ رَّحْمَةٍ
عَـــذْبَةَ الأفْـــنَانِ رَّاضِيَةً مَرّضِيَّة
أطْلُبُ مَزِيْداً مِنَ العُمْرِ بِكُلِ عِنَاقٍ
وَهِيَ تَغْدِقُنِي عَـبِيْرَ الأنُوْثَةِ كَرَّمَاً
وَلاَ تَتْرُّكُ لِدَائِيْ أثراً وَلاَ شَّــظِيَّة
فَقَالَتْ:
وَيْحَكَ يا قَـــاتِلِي ضُمَنِي إلَيْكَ بِحَـــنَانْ
نَارُّالشَّـوْقِ لَا يَطْلُـــبُ تَمَرُّدَاً أوعِصْيَّة
مِثْلُكَ تَعِبْتُ آنَاءُ اللَيّلِ أعَــانِقُ وَحْـدَتِي
لَمْ يَعُدْ للصَـبْرِ جِـدَارُ أنْسٍ أومَجْـــدَلِيَّة