في محراب العشق

الجزء الأول

دلزار اسماعيل رسول

سأتحرر اللحظة من ركام الأيام المضنية، وأنفض عن روحي رتابة الأحاديث المستهلكة، وضيق الصدر العابر، وحتى تلك النظرة السوداوية الساخرة التي تملكتني طويلاً.. سألقي بكل ذلك خلفي. فمساء اليوم يحمل لي وجهكِ المنتظر؛ ستلتف حواسي حول حضوركِ، وتتمازج أشواقنا في لحن دافئ يفجر ينابيع الوجد المخبوءة.

اليوم أقبل نحوكِ بقلبٍ بكر لم يذق مرارة التعب، ولم يعرف وهناً أو سهاداً. سأزرع البهجة على ملامحي، وأوزع الابتسامات على كل عابر سبيل في دربي، موقناً أن ظلالك سيرتد إليّ ضحكاتٍ غامرة وأحضانٍ عفوية؛ ففي عيونك البريئة صدىً لذاك السحر الطاغي الذي يفيض من مآقيكِ.. عذوبة ورقّة….

حين انهمرت أولى قطرات دموعي واجتاحني حنين جارف لكسر قيد الغياب.. بدت الغيوم الكثيفة لروحي وكأنها تبعث من جديد قصص الهوى الأسطورية الغابرة، وترانيم الرحالة الذين جابوا القفار بحثاً عن سراب مستحيل….

وفي تلك اللحظة …تخلصتُ من ترددي، ومضيتُ مدفوعاً بلهفتي.. ومع أول إطلالة لكِ، لم أكن أرى فيكِ الصديقة العابرة … بل كانت الروح تتوق للمرأة فيكِ بكل كينونتها. ولم يكن هناك متسع للانتظار، إذ تلاقى همسكِ العذب مع إيقاع قلبي لينطقا معاً بكلمة من ثلاثة أحرف، انحنت لها غصون الورد البليلة في سكونٍ تام….

ومع كل شرفة أمل بلقاء جديد، يتسلل إلى وجداني عبير الأرض المعطرة بماء السماء، وصدى ضحكتكِ المبهجة فور البوح الأول، والتي قابلها خجلي المستسلم.. وكيف ساد الصمت المقدس بعدها.. لتتوقف عقارب الذاكرة عن الدوران.

ولم يبقَ في المدى سوى طفولتنا الكامنة وهي تشدو بلغة فطرية ساحرة.

تُرى، هل كان القدر يرقب بهجتنا ليعيد ترتيب مواعيدنا..؟ وهل تضافرت دقائق الوقت ولحظاته احتفاءً بنا كلما تجدد هذا العهد في الخيال؟

لَمَسْتِ فيَّ الوقار يوماً وقلتِ: “كلُّ من تعشق تظنُّ أنها ملكتْ زمام الريح…

فأجبتُكِ بزهوٍ مماثل: “وكلُّ عاشقةٍ تبحرُ في بحرٍ لا ساحل له”.

فهمستِ لي : “في محراب الوجد، تذوب الفوارق وتصبح الجميلات طيفاً واحداً”…

و أردفت قائلة : “نبضات النساء في الحب تُكتب بالقافية نفسها”…

فقلتُ لكِ ضاحكاً: “وقلوب الرجال تقرأ من الكتاب ذاته”.

سألتِني بفضول: “أتظنّ أن كل امرأة تعشق تلين؟”

فبادرتكِ بالقول: “بل أظن أن كل قلبٍ يحبّ يفقد صرامته”.

فابتسمتُ معقباً: “وفي ليل الهوى، يتشح العشاق بالملامح ذاتها”.

وتابعتِ هامسة: “أعجبُ من هذا الوقار الذي يكسوكِ مع الغروب، وهذا الحياء الصادق الذي يلازم خطاكِ”.

حينها ابتسمتُ كمن انكشف مكنون قلبه، ورغم ذلك كانت فرائصي ترتعد هيبةً وشغفاً.

وكنا نطلق ضحكاتنا على ساحل البحر…بنقاء يضاهي زرقة الأفق الباكر، وصفاء الرسوم المخملية للصغار.. وكانت أولى كلماتكِ بعد ذلك التلاقي: “أن نحب، يعني أن نعود بقلوبنا إلى طهر البدايات”.. واليوم، وإن غاب ذلك القول، فإن مخيلتي لا تحتفظ بعد رؤيتكِ سوى بمشهدين: عمق عينيكِ، وملامح براءة مفقودة استعدتها معكِ، وبينهما يتردد صوت امواج البحر…كعازفٍ أبدي يحتفي بـهذا الغرام الفاتن….

ويتردد في وجداني رجع ذلك النداء القديم. ..المتكون من ثلاثة أحرف…. أذكر أنه ضاع كسرابٍ في ممرّات السنين.. فأطفيء سراج الفكر، وأغادر….

قد يعجبك ايضا