محمد علي الحيدري
ليست التوترات المتكررة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلف شمال الأطلسي مجرد خلافات حول نسب الإنفاق العسكري أو مساهمات الدول الأعضاء، بل تعكس تحولاً أعمق في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى تحالفاتها التاريخية. فما شهدته القمة الأخيرة للحلف من سجالات وضغوط أميركية، قبل أن تنتهي بتأكيد متبادل على استمرار الالتزام بالحلف، يكشف أن القضية لم تعد تتعلق بمستوى الإنفاق وحده، وإنما بإعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الاستراتيجية الأميركية على مبدأ بسيط: قيادة العالم الحر عبر شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والسياسية، كان «الناتو» أهمها وأكثرها تأثيراً. وقد وفرت هذه المقاربة لواشنطن نفوذاً عالمياً غير مسبوق، وجعلت أمن أوروبا جزءاً من الأمن القومي الأميركي نفسه.
غير أن ترامب ينطلق من رؤية مختلفة. فهو يقيس التحالفات بمنطق الكلفة والعائد، ويرى أن الولايات المتحدة تحملت لعقود العبء الأكبر في الدفاع عن أوروبا، بينما استفاد عدد من الحلفاء من المظلة الأمنية الأميركية دون أن يتحملوا نصيباً مماثلاً من الأعباء المالية والعسكرية. لذلك لم يكن ضغطه المتواصل لرفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي مجرد تكتيك تفاوضي، بل تعبيراً عن فلسفة سياسية ترى أن زمن “الحماية المجانية” قد انتهى. وقد دفع هذا الضغط بالفعل عدداً من الدول الأوروبية إلى زيادة التزاماتها الدفاعية، مع استمرار الجدل حول حجم هذه الزيادات وآليات تنفيذها.
في المقابل، ينظر الأوروبيون إلى المسألة من زاوية مختلفة. فهم يرون أن قوة الولايات المتحدة لم تُبنَ على تفوقها العسكري وحده، بل على قدرتها على قيادة منظومة تحالفات واسعة منحتها نفوذاً سياسياً واستراتيجياً في مختلف أنحاء العالم. ومن هذا المنطلق، فإن تحويل العلاقة مع الحلفاء إلى معادلة مالية بحتة قد يضعف أحد أهم مصادر القوة الأميركية، ويفتح المجال أمام قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، لاستثمار أي تصدعات داخل المعسكر الغربي.
لكن القراءة الأكثر أهمية تكمن في أن ما يحدث قد لا يكون مرتبطاً بشخص ترامب وحده. فداخل الولايات المتحدة يتنامى تيار سياسي واستراتيجي يعتبر أن الأولوية لم تعد أوروبا كما كانت خلال الحرب الباردة، بل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يتصاعد التنافس مع الصين بوصفها التحدي الأكبر للمكانة الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وفي ظل الضغوط الاقتصادية وتزايد الدين العام، تزداد الأصوات المطالبة بأن يتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم الإقليمي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يريد ترامب استمرار «الناتو»؟ بل: أي «ناتو» تريده الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة؟ فالقمة الأخيرة أظهرت أن الخلافات الحادة لا تمنع استمرار التحالف، لكنها تؤكد أن قواعده القديمة تخضع لإعادة مراجعة. وبينما يسعى الأوروبيون إلى الحفاظ على الصيغة التقليدية للعلاقة عبر الأطلسي، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى تحالف يقوم على تقاسم الأعباء بصورة أوضح، ويمنحها حرية أكبر في توجيه مواردها نحو أولويات استراتيجية جديدة. وإذا كان القرن الماضي قد شهد ولادة أكبر تحالف عسكري في التاريخ، فإن السنوات المقبلة قد تشهد إعادة صياغة فلسفته، لا نهاية وجوده.