عرفان الداوودي
عندما يعود الحديث عن انتخابات مجالس المحافظات، يتجدد معه سؤال يطرحه كثير من العراقيين: ماذا قدمت هذه المجالس للمواطن طوال السنوات الماضية؟ وهل كانت أداةً للتنمية والرقابة، أم أنها تحولت إلى عبءٍ إداري ومالي يثقل كاهل الدولة؟
يرى كثير من المواطنين أن مجالس المحافظات أصبحت إحدى أكثر المؤسسات إثارةً للجدل، بسبب ما يرافق عملها من اتهامات بالمحاصصة السياسية، والصراعات على المناصب، والتدخل في شؤون الدوائر الحكومية. ولهذا تتصاعد الدعوات إلى مقاطعة انتخاباتها، انطلاقًا من قناعة لدى شريحة واسعة بأنها لم تحقق الطموحات التي أُنشئت من أجلها.
فبدلًا من أن تكون مجالس المحافظات رقيبًا على الأداء الحكومي، يرى منتقدوها أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة لتقاسم النفوذ والمناصب، حيث تُثار باستمرار انتقادات بشأن التدخل في اختيار مديري الدوائر، وعمداء الكليات، وبعض المواقع الإدارية، وفق اعتبارات حزبية أو شخصية، بدلًا من اعتماد الكفاءة والخبرة.
كما أن الخلافات المتكررة بين رؤساء المجالس والأعضاء، أو بين الكتل السياسية داخل المجلس، كثيرًا ما انعكست سلبًا على سير العمل والخدمات، وأدت إلى تعطيل مشاريع وقرارات كان المواطن ينتظرها منذ سنوات.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الإداري، بل يمتد إلى الجانب المالي، إذ تُصرف مبالغ كبيرة على هذه المجالس ورواتب ومخصصات أعضائها، في وقت يعاني فيه المواطن من نقص الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع البنى التحتية، الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى التساؤل: أليس من الأولى توجيه هذه الأموال إلى بناء المدارس والمستشفيات، وتحسين الكهرباء والمياه والطرق، بدلًا من إنفاقها على مؤسسة يشكك كثيرون في جدواها؟
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة تقييم المؤسسات التي تثقل كاهل الدولة دون أن تحقق نتائج ملموسة. فإذا كانت مجالس المحافظات قادرة على أداء دورها الحقيقي في الرقابة والتخطيط وخدمة المواطن، فلتُفعّل وفق معايير النزاهة والكفاءة. أما إذا بقيت، في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، عنوانًا للمحاصصة والصراع السياسي وهدر المال العام، فإن المطالبة بإعادة النظر في وجودها ستظل مطلبًا مشروعًا في إطار النقاش الديمقراطي.
فالعراق اليوم بحاجة إلى مؤسسات فاعلة، لا إلى حلقات إدارية إضافية، وبحاجة إلى مسؤول يخدم المواطن، لا إلى من يبحث عن المنصب أو النفوذ. فالمواطن العراقي لم يعد يقيس نجاح المؤسسات بعدد أعضائها أو حجم موازناتها، بل بما تقدمه من خدمات حقيقية تحفظ كرامته وتلبي احتياجاته.