فاضل ميراني*
لن استبق احداث ما يجري في العراق من اوامر قبض بأي تعليق، ذلك انني رجل قانون، والقانون في الاصل نصوص لا تتأثر بالمتغيرات و الاحكام الشعبية لتنفيذها، و انما قد يتحقق ذلك التأثر فيستحدث قانون او يتم تغيير فقرات منه، اضافة او الغاء.
وثمة هوة واسعة بين تطور الجريمة و بين العقوبات، وهذا امر له وقت لطرحه مفصلا، و قد كنت و مثلي كثيرون تحدثنا عن تلك الهوة التي اباحت مع ممارسات منح كثير من المناصب بلا ضوابط محكمة، اباحت ما مكّن كثيرين من الاضرار بمصالح شعوب العراق.
اتكلم هنا بصفة عامة عن الفارق بين التصحيح و الاصلاح، و بين ما يكشفه كلاهما من ضرر، و عن اهمية الإصلاح لتلافي تكرار الضرر او تخفّيه.
الإصلاح اعم، و الإصلاح صعب اذا ما كان المخربون جزءا من المنظومة الحاكمة مباشرة او بطريقة الستار، و جزءا من التخريب، وفي هذه تُكتبُ الكثير من الكتب المعززة بالوثائق.
التصحيح هو اولا قبل التفاقم الذي يتطلب الاصلاح، و من فوت على نفسه التصحيح، قد يذهب للاصلاح او يذهب الاصلاح به، وقد شاهدنا و قرأنا كثيرا عن الذين صححوا مسارهم و الذين ذهب بهم الاصلاح خلف القضبان او فروا بما كسبوا بلا حق، او واجهوا عقوبة الاعدام.
ما لا يدركه المتسببون بالضرر عامه و خاصه، انهم سيصنعون من الذي وقع عليه الضرر، فردا كان ام جماعة، انسانا قد يندفع لردود افعال قد تبدو بعض نتائجها منقطعة عن مسبباتها، فالقاتل قد يكون قَتَل بتسلسل احداثٍ مردها الى ضرر وقع عليه من فاعل صادر حقه او حقا متعلقا بمن يهتم لامره، خذ مثلا ان يسطو احدهم على اموال مخصصة لمشفى، و يفعل ما يمكنه من اخذها بما ينتج عنه من تواطؤ او تزوير او استقواء بغطاء ما، وقد ينتج عن ذلك وفاة لشخص، ما يدفع به للوقوع في الادمان و دخول عالم الجريمة.
هنا لن يكون التصحيح مفيدا بقدر التعجيل بالاصلاح، ذلك ان الاخير مانع لقيام بيئات خطرة داخل المجتمع، ومانعا لأي قوة ان تتحرك خارج مسارها القانوني، فلا الموظف يفسد، و لا غيره يرشي.
هذا الامر لا يتم دون غطاء قانوني يدرس تغيرات المجتمع، و ينمي العدالة و ينفّذ و معه وقائية المراجعة للسياسات.
لا اعتقد ان العراق شهد اصلاحا ابدا، بل شهد تصحيحات بصبغة سياسية غير محايدة، فلو كان العراق شهد إصلاحا على الاقل بعد ٢٠٠٣ لما كان ان تندلع معارك داخلية زاد شطر المجتمع.
ان تفكيك العوامل التي صنعت الواقع الحالي المزدحم بالاعلان الرسمي المتفاوت لتقييم الاداء السلطوي بين مدح السلطة لذاتها، و بين اتهامها بعد زولها بالتدليس( حقا او تصفية حساب) لن يفيد بشيء ان لم يكن الاصلاح واقعيا، و لا يكون الاصلاح كذلك ما لم يتم تتبع مسار الانحراف و حصر حجم الضرر الذي احدثه صانعو قرارٍ بعضهم معصوم من المسائلة الا عبر انتقادات متفرقة من افراد لا مكان امامهم الا وسائل التواصل الاجتماعي، اما بأسماء صريحة في مكان آمن خارج البلاد، او بحسابات وهمية خشية الايذاء ان كانوا في الداخل، اما الذين يباشرون النقد العلني فهم واحد من اثنين، اما مصلح حقيقي، او منافس يصنع الدعاية ليبلغ موقعا في الحكم.
من العام ١٩٥٨ و العراق يعيش صناعة ضرر بأياد رسمية، ادخلت مفهوم الانقلاب حلا، و ابتزت الناس عنوة، واشاعت ثقافة سوء دليلا على حمق عقول لم تفهم من السياسية حرفا، ولكم ان تراجعوا كل شهادات للتاريخ المروي على لسان المعتدّ بهم، ستجدون حجم اشتراك السوء مع التفاهة في الفكر و الاداء سمة طاغية على العقل الحاكم، فمن شخص يبدأ اول ما يبدأ سأستيراد ادوات التنصت على شكل حقائب نسائية لطلب بغية الايقاع بمنقديه في جلساتهم، الى ذلك الذي ارتبط اسمه بحفلات تصفية الخصوم رفاق الامس في المتقلات، ليجيء وقت تركيز السطوة الامنية و المناطقية التي خلخلت البنى كلها ثم لتختتم الرواية بما حصل و يحصل الان.
اما الضحايا فأجيال توزعت بين المهجر و الداخل المتردي، حيث سكنت عقلية الحاكم المستبد المتفرد في عقول سياسية و غير سياسية، و تطورت معها الجريمة المسكوت عن عقوبة صاحبها المعاقب صاحبها ان كان بلا ظهير او صار اداة بيد غيره و تم التخلي عنه.
لا يوجد نص عقابي للجماعة الشعبية، فعليهم تسري عقوبات في القانون الاعتيادي، اما الجماعة الحاكمة فهم يخضعون قانونيا لجملة قوانين تبين اعمالهم و تصف عقوباتهم و المعيار هو الضرر حجما و مدة.
لا غرابة ان يتشظى الجمهور بين القوى، لكن الذي جرى هو تشظي ضاغط على كل مرجعية، قانونية ام رمزية.
يجري هذا وسط مسير لا يصح ان يكون مثالا لتأسيس دولة عانت ما عانت من الحكم السيء سابقا، ليتكرر المشهد بقتامة اكثر، حيث يحتمي محدثو الضرر بالمناصب و القوانين التي تجّرم اهانتهم، لكنهم في الحقيقة يحدثون للمجتمع ضررا ضاربا الاسس و الجدران و لربما سيسقط السقوف تكرارا بعد سقوطها على رؤوس طلبة في مدارس متهالكة.
ان اوضح ادلة على الانحدار الادائي و غياب الاصلاح و عقم التصحيح هو ما يعلن عن بعضه وليس جميعه رسميا، من سوق للمخدرات و السلاح و الجريمة السياسية و الافلات من العقاب، و التلاعب بالاصول و الزحف على الممتلكات عامها و خاصها، و تحييد و كتم اي جهد لا للتصحيح او الاصلاح بل لبقاء اشخاص يمتنعون عن التورط في شبكات العلاقات المتداخلة بين الرسمي و غيره داخليا و خارجيا.
قلت انني لن استبق ما يجري مؤخرا بأي تعليق، ذلك ان انني واقعي و افهم ان الاصلاح حتى وان تدرج فهو محكوم عليه بالزوال ان كان الضرر مستمرا او متوقفا لفترة حتى تمر عاصفة صغيرة ليست بحجم لتقتلع اصحاب الضرر الحقيقيين.
*مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي
للحزب الديمقراطي الكوردستاني.