قطار الموت 1963… الجريمة التي أنقذها ضمير إنسان

نبيل عبد الأمير الربيعي

تشكل حادثة قطار الموت واحدة من أكثر الوقائع مأساوية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ تكشف حجم العنف الذي رافق الصراع على السلطة بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، كما تسلط الضوء على مواقف إنسانية استثنائية ظلت خالدة في الذاكرة الوطنية.
في أعقاب فشل حركة العريف حسن سريع في الثالث من تموز 1963، والتي هدفت إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والعسكريين في السجن رقم (1) بمعسكر الرشيد وإسقاط السلطة القائمة آنذاك، باشرت الحكومة بحملة واسعة من الاعتقالات والإجراءات الأمنية، كان من أبرزها نقل مئات المعتقلين إلى سجن نقرة السلمان في أقصى جنوب العراق.
وقد اتفقت معظم الشهادات التاريخية على أن عملية النقل جرت داخل عربات شحن مغلقة، وفي ظروف مناخية قاسية، وسط حرارة تموز المرتفعة، ومن دون ماء أو تهوية أو غذاء كافٍ، الأمر الذي عرض المعتقلين للاختناق والإجهاد الحراري والعطش الشديد، حتى أصبحت الرحلة تُعرف لاحقًا باسم (قطار الموت).

وتختلف المصادر في تفسير الهدف من تلك العملية؛ فبينما يرى عدد من شهود الحادثة أن ظروف النقل كانت كفيلة بإحداث وفاة جماعية وربما كانت مقصودة، يذهب آخرون إلى أنها كانت نتيجة الإهمال والاستهانة بحياة المعتقلين. غير أن جميع الروايات تكاد تجمع على أن حياة المئات أصبحت في خطر حقيقي أثناء الرحلة.
ويورد طالب شبيب، أحد أبرز قادة انقلاب 8 شباط ووزير الخارجية آنذاك، في مذكراته، تفاصيل النقاشات التي دارت داخل السلطة عقب فشل حركة حسن سريع، مشيراً إلى وجود اتجاه متشدد طالب بإعدام أعداد كبيرة من الضباط المعتقلين، في مقابل اتجاه آخر عارض ذلك، وانتهى الأمر بترحيل المعتقلين إلى سجن نقرة السلمان. وتمثل هذه الشهادة مصدراً مهماً، وإن كانت تعكس رؤية أحد المشاركين في تلك الأحداث.
كما يذكر القيادي البعثي هاني الفكيكي في مذكراته أن بعض القيادات العسكرية أصرت على إعدام الضباط المعتقلين، بدعوى احتمال ارتباطهم بالحركة، وأن خلافاً وقع داخل القيادة حول هذا الموضوع، قبل أن يُتخذ قرار النقل إلى نقرة السلمان، وهو ما ينسجم، في خطوطه العامة، مع ما أورده طالب شبيب، وإن اختلفت بعض التفاصيل.
أما الباحث والمؤرخ عزيز سباهي، في موسوعته (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي)، فقد تناول بالتفصيل ظروف الإعداد لحركة حسن سريع، وأسماء المشاركين فيها، وأسباب تعجيل موعدها، كما وثق شهادات عديدة عن المعتقلين الذين كانوا ينتظرون إطلاق سراحهم من السجن رقم (1)، وهو ما يساعد على فهم الخلفية السياسية والعسكرية التي سبقت حادثة قطار الموت.
ومن أهم الشهادات المباشرة، ما رواه عدد من الناجين، ومنهم مخلص بركات رومي، الذي وصف ظروف النقل داخل عربات الشحن الحديدية المغلقة، وما تعرض له المعتقلون من اختناق وعطش شديدين، وهي شهادة تتقاطع مع روايات معتقلين آخرين، رغم اختلاف بعض الجزئيات.
وتجمع غالبية الشهادات على أن سائق القطار، المرحوم عبد العباس المفرجي، أدرك أثناء الرحلة أن حمولته ليست بضائع، وإنما معتقلون يواجهون الموت، فقرر الإسراع في قيادة القطار، مخالفاً التعليمات التي قيل إنها كانت تقضي بإبطاء سيره. وقد أسهم هذا القرار، بحسب معظم الروايات، في تقليل عدد الضحايا وإنقاذ حياة المئات.
وعند وصول القطار إلى مدينة السماوة، سجل أبناء المدينة موقفاً إنسانياً استثنائياً، إذ هرعوا إلى المحطة لإغاثة المعتقلين، فيما قام الأطباء المعتقلون، ومن بينهم المقدم الطبيب رافد صبحي أديب، بتوجيه الأهالي إلى تقديم الماء الممزوج بالملح بصورة تدريجية، لتعويض الأملاح والسوائل التي فقدها المعتقلون نتيجة الجفاف الشديد، وهي واقعة أصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية لأهالي السماوة.
لقد ضم القطار مئات المعتقلين من مختلف الرتب العسكرية، إضافة إلى شخصيات سياسية ونقابية ومدنية معروفة، وكان بينهم عدد من كبار الضباط الذين اعتقلوا بعد انقلاب شباط 1963، فضلاً عن شخصيات مدنية بارزة.
وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال بعض تفاصيل الحادثة محل نقاش بين الباحثين، إلا أن جوهرها لم يعد موضع خلاف؛ فقد تعرض مئات العراقيين إلى ظروف نقل غير إنسانية هددت حياتهم، فيما سطر سائق القطار وأهالي السماوة واحدة من أنبل صفحات التضامن الإنساني في التاريخ العراقي.
إن كتابة التاريخ لا تعني الانتصار لطرف سياسي على حساب آخر، بل تعني احترام الحقيقة، والتمييز بين الوقائع الثابتة والروايات المختلفة، والاستناد إلى الوثائق والشهادات المتعددة. فالأمم التي تواجه ماضيها بشجاعة هي وحدها القادرة على بناء مستقبل يقوم على العدالة واحترام الإنسان.

قد يعجبك ايضا