ثامر الحاج أمين
بجهدٍ بحثي دؤوب، يواصل الصديق الباحث نبيل الربيعي مسيرته البحثية بإصدار كتابه الجديد ( نوري جعفر 1914–1991 جدل الفكر والإنسان)، وهو الكتاب السادس والأربعون في سلسلة إصداراته التي تناولت موضوعات معرفية وتاريخية متنوعة، شملت تاريخ القوميات والأقليات والأديان والمذاهب والأحزاب في العراق، إلى جانب دراسات في الظواهر الاجتماعية، مثل الفرهود والانتفاضات الشعبية، فضلاً عن سير عدد من الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية.
ويأتي هذا الإصدار ضمن سلسلة «أعلام الفكر والثقافة»، ليضيء تجربة واحد من أبرز المفكرين العراقيين، هو الدكتور نوري جعفر، الذي يُعد من الرواد الأوائل في طرح موضوعي الذكاء الاصطناعي ومدارس الموهوبين، كما أسهمت بحوثه ودراساته في ترسيخ حضوره الريادي في المشهد الثقافي العراقي والعربي ، والذي يصفه الباحث الربيعي في مقدمة كتابه بأنه ( نموذج فريد للباحث الموسوعي الذي استطاع أن يمزج بين صرامة العلم وعمق التراث وجمال الأسلوب الأدبي) ، وهي شهادة تنصف مشروعه الفكري الذي جمع بين علم النفس والتراث، فلم يكن مجرد باحث، بل صاحب مشروع معرفي متكامل.
يقع الكتاب في تسعة فصول، يرافقها ملحق مصور يوثق مراحل من حياة العلامة نوري جعفر ومنجزاته. ويستهل المؤلف الفصل الأول بسيرة وافية تبدأ من ولادته في مدينة القرنة شمال البصرة، وكيف استطاع أن يجعل من بيئته الريفية نقطة انطلاق نحو عالم المعرفة. وبرغم تفوقه الدراسي الذي كان يؤهله لدراسة الطب، فإن ضيق الحال حال دون ذلك، فالتحق بدار المعلمين العالية، ليتحول الحلم المهني إلى رسالة فكرية أسهمت في تشكيل أحد أبرز العقول في الفكر التربوي والنفسي العراقي.
أما الفصل الثاني، الموسوم «العلم والحياة»، فيصفه الربيعي بأنه ( يعكس مسار العقل الإنساني في انتقاله من التفسيرات البسيطة إلى الفهم العلمي المعقد ص77). ويتناول فيه الدكتور جعفر نشأة علم التنجيم بوصفه محاولة مبكرة لتفسير ما يتجاوز الإدراك المباشر، مستعرضاً نماذج تاريخية لرعاية الحكام والملوك للمنجمين، كما يقدم رؤية لافتة تعيد الاعتبار للقدم بوصفها عنصراً حيوياً في بنية الجسد، له دلالات تتجاوز وظيفته الحركية. ويعرض كذلك دراسته لتطور الدماغ في المرحلة الجنينية الأولى، حيث يقول الربيعي: ( ظل الدكتور جعفر يقترب من أعقد الموضوعات العلمية بعقل تحليلي هادئ ورؤية تسعى إلى فهم الإنسان من جذوره البيولوجية الأولى ص105).

ويتناول الفصل الثالث موضوع علم النفس، فيقدم مدخلاً لهذا العلم بوصفه دراسة للسلوك الإنساني، ثم ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي والفيزياء المعرفية، ويبرز اهتمام الدكتور جعفر بقضايا الذكاء والإبداع، وتأملاته في القدرات العقلية للإنسان، بما يكشف عن وعي نقدي متقدم، ولا سيما في مناقشته لبعض أطروحات الدكتور علي الوردي، وخاصة كتابه “خوارق اللاشعور ” .
وفي الفصل الرابع، المخصص للأدب، يناقش المؤلف نشأة اللغة، بوصفها ليست مجرد وعاء للفكر، بل شريكاً في تكوينه، قائلا : ( الفكر يتشكل داخل اللغة، واللغة تتطور عبر الفكر ص209) ، ويرى الدكتور جعفر أن اللغة تمثل نقطة التحول الكبرى التي نقلت الإنسان من الوجود البيولوجي إلى الوجود الثقافي الواعي، أي من ( الإدراك الحسي المباشر إلى التفكير الرمزي المجرد ص212) ، كما يتناول أدب الخيال العلمي، الذي يعده شكلاً متقدماً من أشكال التفكير الإنساني القائم على العلم في استشراف المستقبل.
ويخصص الفصل الخامس لموضوع الغذاء والصحة، حيث يرى المؤلف ( أن الغذاء لم يكن مجرد حاجة بيولوجية، بل كان عاملاً مؤثراً في تشكيل التاريخ والحضارة ص347) ، ويستعرض الدكتور جعفر دور التغذية في تطور الإنسان تاريخياً، رابطاً بين النظام الغذائي والتحولات البيولوجية والتطور الحضاري، كما يتناول مفهوم الرشاقة من منظور طبي، مؤكداً أهمية التوازن بين الطول والوزن، ومحذراً من أخطار السمنة.
أما الفصل السادس، «التربية والمجتمع»، فيسلط الضوء على اهتمام الدكتور جعفر بالشباب، وعدّهم مصدر العطاء الفكري والاجتماعي. ويستشهد بشخصيات علمية مثل نيوتن، وآينشتاين، ونيلز بور، بوصفها نماذج لإنجازات تحققت في مرحلة الشباب، كما يستعرض أحداثاً تاريخية كبرى، مثل الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر، ليؤكد الدور المحوري للشباب في صناعة التغيير. ويقدم في هذا الفصل رؤية تربوية شاملة تدعو إلى التكامل بين العلوم الطبيعية والإنسانية في بناء شخصية الفرد ودفع المجتمع نحو التقدم.
وفي الفصل السابع، «العلم والفن»، يؤكد ( أن منزلة الفن في بناء شخصية الإنسان لا تقل أهمية عن منزلة العلم، بل إن كليهما يشكلان الأساس في تكوين الإنسان المتوازن ص411). فالفن، بمختلف أشكاله الأدبية والتشكيلية والموسيقية، ليس ترفاً ثقافياً، وإنما عنصر بنيوي في تكوين الشخصية. وفي الوقت نفسه، يميز بين طبيعة العلم القائمة على الموضوعية والقوانين العامة، وطبيعة الفن القائمة على الإبداع والوجدان، مستشهداً بما يُروى عن آينشتاين من أنه استفاد من أعمال ديستويفسكي أكثر مما تعلمه من كثير من علماء الطبيعة والرياضيات.
ويتناول الفصل الثامن قدرات الطفل العقلية، مؤكداً ضرورة توفير بيئة غنية بالمثيرات المعرفية، تمنح الطفل فرصاً تتناسب مع مرحلته العمرية، بعيداً عن فرض إيقاعات لا تنسجم مع نموه، كما يشدد على أن التعامل مع الطفل ينبغي أن يستند إلى معرفة علمية بخصائصه النمائية، لا إلى الانفعال أو الاجتهادات العفوية.
ويختتم الربيعي كتابه بالفصل التاسع، الذي يضم مجموعة من الحوارات والمقابلات التي أجرتها صحف ودور نشر وشخصيات مختلفة مع الدكتور نوري جعفر، وهي حوارات تكشف جوانب مهمة من سيرته العلمية والفكرية، وتلقي الضوء على رؤيته لمختلف القضايا التي شغلته.
وفي المحصلة، يُعد كتاب الباحث نبيل الربيعي جهداً علمياً رصيناً، ووفاءً مستحقاً لعطاء واحد من أبرز المفكرين العراقيين، الذين سعوا إلى بناء مشروع معرفي يجمع بين الفلسفة وعلم النفس والتربية وسائر العلوم الإنسانية، مع اهتمام خاص بفهم الإنسان في سياق تطوره البيولوجي والاجتماعي. ويضاف هذا الإصدار إلى سلسلة الكتب التي تؤرخ للأعلام العراقيين، وتسهم في حفظ منجزهم الفكري وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة علمية رصينة ورؤية نقدية متوازنة.