أحمد كوران
في السياسة الكوردية هناك سؤالان لا يفترقان أبداً: متى تتشكل الحكومة؟ ومتى تتشكل الدولة؟ واليوم لم يعد تأخر تشكيل حكومة إقليم كوردستان بسبب الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني مجرد أزمة إدارية عابرة بل بات ينعكس بصورة مباشرة على الملف الاستراتيجي الأهم للشعب الكوردي وهو حق تقرير المصير.
إن الخلاف المزمن بين أربيل والسليمانية حول تقاسم الوزارات السيادية وملف النفط والمنافذ الحدودية خلق واقعاً مريراً يمكن وصفه بوجود “إقليمين داخل إقليم واحد” وهو ما جعل المواطن الكوردي ينصرف مجبراً عن حلم الاستقلال لينشغل بتأمين رواتبه وخدماته اليومية. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية فأي مشروع لدولة يحتاج أولاً إلى مؤسسات موحدة وفاعلة تستحق هذا الوصف ومن الصعب إقناع المجتمع الدولي بقيام دولة جديدة بينما لا تزال مؤسسات الإقليم تواجه تحديات في توحيد قرارها وإدارة ملفاتها الحيوية في وقت تتفاوض فيه بغداد مع طرفين كرديين تختلف أولوياتهما السياسية في العديد من الملفات.
لقد أثبتت التجربة القاسية لاستفتاء عام 2017 أن الانقسام الداخلي الكوردي كان من أبرز الثغرات التي استُغلت إقليمياً ودولياً لإضعاف مشروع الاستقلال وكانت الرسالة التي تلقاها كثير من صناع القرار أن نجاح أي مشروع سيادي يرتبط أولاً بوجود جبهة داخلية متماسكة ومؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف قبل إدارة الدولة. فالشرعية الدولية في عالم اليوم لا تُمنح بالشعارات بل بالقدرة الفعلية على بناء مؤسسات مستقرة وإدارة ذاتية ناجحة وصورة الحكومة المعطلة لأشهر طويلة تمنح خصوم مشروع الاستقلال فرصة للتشكيك في جاهزية المؤسسات الكوردستانية لإدارة دولة مستقلة.
ومع أن حق تقرير المصير يظل حقاً تاريخياً وقانونياً راسخاً كفلته المواثيق الدولية ولا يمكن لأحد مصادرته إلا أن تحويله من مبدأ قانوني إلى واقع سياسي يتطلب شروطاً موضوعية تبدأ بوحدة المؤسسات وتوحيد قوات البيشمركة والموازنة والخطاب السياسي وتمر بجعل المواطن وأولوياته المعيشية أساساً لبناء الثقة بين المجتمع والسلطة وتنتهي بصياغة مشروع وطني جامع يتجاوز منطق الخصومة الحزبية نحو رؤية كوردستانية موحدة. فحق تقرير المصير لا يتحقق بالشعارات بل ببناء الجاهزية السياسية والمؤسساتية وهذه الجاهزية تبدأ من الداخل قبل أن تبحث عن الدعم الخارجي.
وهذه الجاهزية تنقلنا مباشرة إلى استحقاق الصناديق وثقافة ما بعد العملية الانتخابية. فمنذ عقود كان حلم الكورد الأكبر هو الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة واليوم بعد أن أصبحت الانتخابات واقعاً يبرز السؤال الجوهري: هل ترسخت ثقافة احترام نتائجها؟
إن احترام نتائج الانتخابات يمثل ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي لأن الطعن بها يجب أن يبقى ضمن الأطر القانونية والقضائية لا عبر التشكيك السياسي أو تعطيل المؤسسات. فالعبث بمخرجات العملية الانتخابية يضعف شرعية النظام السياسي ويهدد العقد الاجتماعي الذي تشكل عبر عقود من النضال والتضحيات.
وقد أظهرت انتخابات برلمان إقليم كوردستان للدورة السادسة في تشرين الأول 2024 تفوقاً واضحاً للحزب الديمقراطي الكوردستاني بحصوله على أكثر من مليون صوت و39 مقعداً من أصل 100 وهو ما منحه الأغلبية النسبية لتولي مسؤولية قيادة مفاوضات تشكيل الحكومة. وفي المقابل أفرزت الانتخابات حضوراً مؤثراً لبقية القوى السياسية بما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرهوناً بالشراكة السياسية وبناء التوافقات أكثر من الاعتماد على الأغلبية العددية وحدها.
إن اللحظة التي تلي إعلان النتائج هي اختبار أخلاقي ومؤسسي بامتياز. فاحترام الصندوق ليس مجاملة سياسية بل جوهر العقد الديمقراطي. ويقتضي ذلك ثلاثة التزامات أساسية:
أولاً الاعتراف بنتائج الانتخابات واحترام مسارات الطعن القانونية بعيداً عن التصعيد السياسي أو اللجوء إلى الشارع.
ثانياً التزام القوى الفائزة بمنطق الشراكة والتوافق لأن الأغلبية النسبية تمنح حق المبادرة في تشكيل الحكومة لكنها لا تلغي الحاجة إلى بناء تحالفات واسعة تضمن الاستقرار السياسي.
ثالثاً تحييد الإقليم عن الصراعات الاتحادية وجعل الأولوية لمعالجة ملفات المواطن وفي مقدمتها الرواتب والخدمات وتعزيز العلاقة الدستورية المستقرة مع بغداد.
إن ترسيخ منطق المؤسسات هو وحده الكفيل بتحويل نتائج الانتخابات إلى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار لأن الديمقراطيات لا تقاس فقط بكيفية فوز المنتصر بل أيضاً بكيفية تعامل الخاسر مع النتيجة وبقدرة الفائز على إدارة السلطة بروح الشراكة لا بروح الاحتكار.
كما أن النتائج أظهرت بوضوح أن لا طرفاً سياسياً يستطيع إدارة الإقليم منفرداً وأن غياب الأغلبية المطلقة يفرض واقعاً سياسياً جديداً يقوم على التوافق الوطني لا على المحاصصة الضيقة. كما أن صعود قوى جديدة ومستقلين يعكس رسالة واضحة من الناخب الكوردي مفادها أن الأولوية أصبحت للإصلاح وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز كفاءة المؤسسات. وإلى جانب استمرار التباين الجغرافي والسياسي في نتائج التصويت فإن ذلك يؤكد أن الحل لا يكمن في إقصاء أي طرف بل في إدارة التنوع السياسي ضمن إطار مؤسساتي جامع.
إن كلفة استمرار الخلافات يدفعها المواطن الكوردي أولاً من خلال تأخر الرواتب وتعطل المشاريع والخدمات كما يدفعها الإقليم في موقفه التفاوضي أمام بغداد حيث يضعف الانقسام الداخلي من قدرته على الدفاع عن مصالحه في الملفات الاستراتيجية. وباختصار فإن استمرار المماطلة لا يخدم إلا الأطراف التي تستفيد من تراجع وحدة الموقف الكوردي.
لذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب انتقال جميع القوى السياسية من منطق التنافس على المكاسب الحزبية إلى منطق حماية المصلحة الوطنية. فالفوز في الانتخابات مسؤولية قبل أن يكون استحقاقاً والمعارضة مسؤولية وطنية قبل أن تكون موقفاً سياسياً. واستقرار الإقليم لن يتحقق إلا بحكومة قادرة على استيعاب التنوع السياسي والعمل وفق رؤية مشتركة تحترم المؤسسات وإرادة الناخبين.
لقد دفع الكورد آلاف الشهداء للوصول إلى يوم الانتخاب فلا ينبغي أن يتحول هذا اليوم إلى سبب لتعميق الانقسام. فاحترام نتائج الانتخابات اليوم هو أحد أهم مقومات تعزيز الثقة بالمؤسسات وترسيخ أسس أي مشروع وطني مستقبلي لأن بناء الدولة لا يبدأ بإعلان الاستقلال بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف قبل إدارة الحدود. فالاستقلال لا يصنع الوحدة بل الوحدة هي التي تصنع الاستقلال.