محمد علي الحيدري
لا يبدو تشييع المرشد الإيراني الراحل السيد علي خامنئي مجرد مراسم وداع لشخصية دينية وسياسية كبيرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل حدثاً تتقاطع فيه الرمزية الدينية مع الجغرافيا السياسية، وتتحول فيه المدن إلى إشارات، والمسارات إلى رسائل، والتفاصيل التنظيمية إلى مادة للقراءة والتأويل.
بالنسبة إلى ملايين الشيعة في إيران والعراق وخارجهما، يحضر السيد خامنئي بوصفه مرجعاً دينياً وقائداً ارتبط اسمه بمرحلة طويلة ومعقدة من تاريخ إيران والمنطقة. ومن الطبيعي، بهذا المعنى، أن تحظى مراسم تشييعه باهتمام واسع، وأن تُقرأ من زاوية وجدانية ودينية لدى أنصاره ومحبيه، قبل أن تُقرأ من زاوية سياسية أو دبلوماسية.
لكن طبيعة الشرق الأوسط تجعل الأحداث الكبرى نادراً ما تبقى في حدودها الأولى. فالجنائز الكبرى، كما القمم والمؤتمرات، تحمل رسائل تتجاوز لحظة الوداع. وحين يدخل العراق في مسار تشييع بهذا الحجم، فإن الأمر لا يعود تفصيلاً بروتوكولياً، بل يصبح جزءاً من قراءة أوسع لمكانة العراق الدينية والسياسية في الإقليم.
العراق ليس بلداً عادياً في الوجدان الشيعي. فهو بلد النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، وموطن عتبات دينية كبرى لا يمكن فصلها عن ذاكرة ملايين المؤمنين. لذلك فإن حضور العراق في مراسم التشييع يبدو مفهوماً من الناحية الدينية والرمزية. غير أن هذا الحضور لا يلغي حق الدولة العراقية في أن تنظر إلى الحدث أيضاً من زاوية سيادتها ومصالحها وتوازناتها.
فالدولة العراقية، حين توافق على استضافة أي مراسم بهذا الحجم، لا تتعامل مع عاطفة دينية وحدها، بل مع أمن مدن، وحركة جماهير، وحضور رسمي، ورسائل إقليمية، وعلاقات دولية. ومن حقها، بل من واجبها، أن تضع في حسابها طبيعة المدن التي سيمر بها التشييع، وحجم المشاركة الرسمية، وطريقة التنظيم، وحدود الشعارات، وكيفية منع المناسبة من أن تتحول إلى مادة استقطاب داخلي أو إقليمي.
ومن هنا يمكن فهم أي تعديل في مسار التشييع، أو أي نقاش حول حضور بغداد أو غيابها، لا بوصفه بالضرورة لغزاً أو سراً، بل بوصفه جزءاً من حسابات دولة تحاول أن توازن بين احترام مناسبة دينية ذات رمزية عالية، وبين حماية موقعها السياسي. فبغداد ليست مدينة عادية؛ إنها عاصمة الدولة ومركز القرار ومقر السفارات والرئاسات، ومرور أي حدث كبير بها يمنحه تلقائياً بعداً سياسياً أكبر من مروره بمدن تُعرف أساساً برمزيتها الدينية.
لذلك، إذا جرى التركيز على العتبات المقدسة أكثر من العاصمة السياسية، فقد يكون ذلك محاولة لإبقاء المناسبة في إطارها الديني والروحي، وتخفيف ما يمكن أن يترتب عليها من قراءات سياسية لا تريدها بغداد ولا تحتاج إليها في لحظة إقليمية دقيقة. وهذا لا ينتقص من مكانة المناسبة، بل قد يكون تنظيماً أكثر وعياً بطبيعتها وحدودها.
النجف وكربلاء تمنحان التشييع معناه الديني الأعمق. أما بغداد فتمنحه، إن حضرت، معنى سياسياً مباشراً. والتمييز بين المعنيين ليس تفصيلاً، بل هو في صلب إدارة الدولة للرموز. فالدول لا تختار المسارات عبثاً، ولا تتعامل مع المدن باعتبارها نقاطاً على الخريطة فقط. في السياسة، المدينة لغة، والحضور رسالة، والغياب أحياناً رسالة أيضاً.
المهم هنا ألا يُقرأ الموقف العراقي من زاوية الرفض أو القبول فقط، بل من زاوية إدارة التوازن. فالعراق يستطيع أن يحترم المكانة الدينية والوجدانية للمرشد الإيراني الراحل السيد علي خامنئي لدى أنصاره ومحبيه، وفي الوقت نفسه يحافظ على استقلال قراره، وخصوصية مؤسساته، وحساسية موقعه بين إيران والعالم العربي والولايات المتحدة.
وهذه هي المعادلة التي لا يستطيع العراق الهروب منها. فهو بلد مقدس في وجدان كثيرين، لكنه أيضاً دولة ذات مصالح وحدود وعلاقات معقدة. وكلما كان الحدث أكبر، ازدادت الحاجة إلى أن تُدار الرمزية بعقل الدولة، لا بردود الفعل أو ضغط الشارع أو حسابات الأطراف الخارجية.
في النهاية، قد لا تكون أهمية التشييع في عدد المدن التي سيمر بها أو حجم الحشود التي ستشارك فيه، بل في الطريقة التي سيقدم بها العراق نفسه: بلداً يحترم رموزه الدينية، ويدرك مكانته الخاصة في العالم الشيعي، لكنه يعرف أيضاً أن السيادة لا تُقاس برفض المناسبات الكبرى، بل بحسن إدارتها ووضعها في الإطار الذي يخدم استقرار الدولة ومصالحها.
هكذا يصبح التشييع أكثر من وداع لرجل، وأكثر من مسار بين مدن. إنه لحظة تكشف كيف تتحول الجغرافيا إلى سياسة، وكيف يمكن للعراق، حين يحسن قراءة مكانه، أن يجعل من الرمزية الدينية مجالاً لإظهار نضج الدولة لا ارتباكها.