محمد علي محيي الدين
في المشهد الأدبي العراقي الحديث يظل اسم حسين مردان واحداً من أكثر الأسماء إثارة للجدل والحضور في آنٍ معاً، إذ اقترن شعره ونثره بروح التمرد والرفض وكسر المألوف، حتى لُقّب بـ«ملك الصعاليك» في القرن العشرين، في إشارة إلى ذلك المزج بين حياة غير تقليدية وتجربة كتابية اتسمت بالجرأة والانفتاح على الأسئلة الوجودية والاجتماعية.
وُلد حسين مردان عام 1927 في طويريج بمحافظة كربلاء، في أسرة متواضعة الحال كثيرة التنقل بسبب طبيعة عمل والده الذي كان ضابطاً برتبة عريف في الشرطة العراقية. وقد قاد هذا التنقل العائلي إلى نشأته بين أكثر من مدينة، فانتقل مع أسرته إلى ديالى ثم إلى ناحية جديدة الشط قرب الخالص، حيث أمضى طفولته الأولى وأكمل دراسته الابتدائية، قبل أن يواصل دراسته المتوسطة والإعدادية في قضاء الخالص. كانت بيئته المبكرة قريبة من حياة الناس البسطاء، وهو ما ترك أثراً واضحاً في لغته الشعرية لاحقاً.

منذ سنواته الأولى، ظهرت عليه علامات الميل إلى الأدب، إذ كان شغوفاً بالقراءة منذ طفولته، فقرأ شعر عنترة وهو في السابعة من عمره، وفي العاشرة كتب أولى محاولاته الشعرية. ومع انتقاله إلى بغداد في نهاية الأربعينيات، بدأت ملامح شخصيته الأدبية تتبلور أكثر، حيث احتك بالوسط الثقافي والأدبي، وتعرف على عدد من رموزه، وانفتح على تيارات فكرية جديدة كان لها تأثير عميق في رؤيته للعالم والإنسان.
في بغداد، انضم إلى جماعة أدبية عُرفت بروحها المتمردة، وكانت تعيش حالة من البحث والتجديد، فالتقى بشخصيات أدبية بارزة، وارتبط بعلاقات مع عدد من المثقفين والفنانين، من بينهم الشاعر معروف الرصافي، كما عمل مع الأديب جبرا إبراهيم جبرا في مرحلة لاحقة، حيث تولى أعمالاً مساعدة في التوثيق واستنساخ المؤلفات، ما أتاح له الاطلاع على تجارب فكرية وأدبية متنوعة. كما شارك في مجالس أدبية وفنية جمعت نخبة من أدباء وفناني بغداد، مما عمّق تجربته الثقافية ورسّخ حضوره في الوسط الأدبي.
لم يكن حسين مردان كاتباً تقليدياً، بل كان أقرب إلى صوت صادم يفتح الأسئلة ولا يهادن الإجابات الجاهزة. وقد تأثر بالمدارس الفكرية الحديثة، ووجد في الوجودية، كما عند جان بول سارتر، مساحة للتعبير عن قلق الإنسان الحديث وتمرده، كما تأثر بأصوات أدبية عربية مثل إلياس أبو شبكة، الأمر الذي انعكس في نصوصه التي اتسمت بالتوتر الداخلي واللغة المكثفة والانفعال العاطفي الحاد.
واجه مردان في حياته صعوبات مادية قاسية، مما اضطره إلى العمل في مجالات متعددة لكسب العيش، من بينها البناء والصحافة، لكنه ظل مخلصاً للأدب باعتباره هويته الأساسية. ومع مرور الوقت، أصبح اسمه مرتبطاً بنمط شعري جديد عرف بـ«النثر المركز» أو الشعر الحر، حيث اعتمد على الكثافة اللغوية وتحرير النص من قيود الوزن التقليدي، مع الحفاظ على قوة الإيقاع الداخلي وحرارة التعبير.
كان مردان من أكثر الكتّاب إثارة للجدل في عصره، خصوصاً بعد صدور مجموعته الشهيرة «قصائد عارية»، التي أحدثت ضجة واسعة في الأوساط الثقافية والإعلامية، وتعرض بسببها للاعتقال، كما واجه عدة محاكمات لاحقة بسبب مواقفه السياسية والاجتماعية ونشاطه في التظاهرات، لا سيما احتجاجات عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، ثم أحداث عام 1952. وقد ارتبط اسمه في بعض القضايا باتهامات تتعلق بكسر الأعراف الاجتماعية، غير أن هذه القضايا كثيراً ما أُعيد النظر فيها لاحقاً، وتم الإفراج عنه في أكثر من مناسبة.
وفي مسيرته الصحفية، كتب حسين مردان في عدد من المجلات العراقية والعربية، من بينها مجلة «شعر» اللبنانية ومجلة «ألف باء»، وواصل تطوير أسلوبه الأدبي حتى أصبح من الأصوات المميزة في الصحافة الثقافية العراقية. وفي أواخر الستينيات، عمل محرراً في مجلة «ألف باء»، حيث خصص له باب أسبوعي ينشر فيه نصوصه الشعرية والمقالية، التي كانت تعكس رؤيته النقدية للمجتمع وقضاياه، ولا سيما قضية المرأة التي دافع عنها بوصفها كياناً إنسانياً كاملاً، لا مجرد صورة تقليدية مقيدة بالأعراف.
وقد كتب مردان في موضوعات متعددة تتراوح بين النقد الاجتماعي والرؤية الفلسفية والهمّ الإنساني، وتميزت نصوصه بجرأة لغوية وفكرية جعلته في موقع متقدم بين شعراء جيله، رغم الجدل الذي كان يرافق أعماله باستمرار. كما ارتبط اسمه بسلسلة من الأعمال الشعرية التي حملت عناوين لافتة تعكس طبيعة تجربته، مثل «اللحن الأسود»، و«صور مرعبة»، و«الربيع والجوع»، و«أغصان الحديد»، وغيرها من الأعمال التي شكلت ملامح مشروعه الأدبي.
وفي الرابع من تشرين الأول عام 1972، انتهت حياة حسين مردان إثر أزمة قلبية حادة، ليغادر العالم في لحظة بدا فيها وكأن صوته الشعري لا يزال ممتداً في النصوص التي تركها. غير أن أثره الأدبي ظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية، بوصفه واحداً من الشعراء الذين كسروا القوالب التقليدية، وفتحوا باباً واسعاً للتجريب والتمرد في الكتابة الشعرية الحديثة، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً لا يزال موضع قراءة وتأويل حتى اليوم.